مها الهاشمي، شاعرة المطر عندما تصمت الطيور عن غناءها…
كتابة: فهد عنتر الدوخي

للمطر في ذاكرتنا دلالات جميلة ومبهجة ، تهدأ النفس به وتتعاظم الأماني وتنتشي الروح به فرحا، وتطرب له المخلوقات، هذه الطقوس التي تصاحب تجمع السحاب في أعالي السماء لتنزل غيثا مباركا يديم خضرة الأرض ويزين الأديم بالوان ساحرة،
(لمن يهطل المطر؟
… وقد خلت الدروب منا
… كما خلت الحدائق من الزهر)..
مها الهاشمي…وديوانها الشعري (تسابيح المطر).. ماذا أرادت أن توثق؟ وهي تجمع مفاصل الكلمات والجمل بقصائد لها وقعها الزمني في سجل الكتابة ورصد أحداثها الخاصة بها، وكانت قريبة جدا إلى متناول فهمنا وادراكنا لمشاعر إمرأة وقد أحاطت بها ظروف البيئة وتقاليد وموروثات ثقيلة تحكم حركتها وتحدد نشاطها وإبداعها، لكن ألغيث استجاب لأمنيتها بعد عصور من الأمل والانتظار لتجمع ذكرياتها وما حفلت به نفسها الفضلى لتقول ما لم تسطع ذكره في ايام خلت وفي سنوات تداعت كحبات المطر في شتاء قارس…
.. تسابيح المطر.. ديونها الشعري الثاني، وقبل ذلك كان لديها مجموعة شعرية لم يتسنى لي الإطلاع عليها، لكن ما التقطته حاستي هذه القصائد التي نشرت في كتابها هذا الذي يحتوي على مجموعة قصائد(بانوراما الوجع، تسابيح المطر، صغارا كنا، اعتراف، يمامة، مدمنة حروب، هل نهاجر، كن ولاتكن، زحل، معبد، سفن بلا اشرعة، إهتمام، اشتهيك، كي لاتنسى حكايتنا، هفوة بغفلة،، سلام، رتابة،، ماذا لو التقينا، اتكاء على الريح، بلا نهاية، هجرة عكسية، زجاج وملح، زيارة موت، كهف الحزن، الحب إشهار، اعتراف تحت التعذيب، قصر في الهواء، وصية ليطمئن قلبي، قبو ،تفسير احلام ،احبك، أهداني زهرة، قرار، مفترق،)… هذه المجموعة صدرت عن معهد الأمين لعلوم الحاسبات، كركوك، العراق،للعام 2019،التصميم والتنضيد الإلكتروني، الفنانة والمصممة المبدعة مورين الإكسندر
وحتى ننتفض على دثار النمطية الذي توارى به البعض وهو يؤطر القصيدة الحرة بأطر حديدية ولايسمح لها أن تخرج من قفصها المحكم بقوة ،نجد في هذه الفسحة الشعرية ورغم الشائع من العناوين، والتي لم تكن غريبة على مسامعنا..
(الشمس خدودها وردية..
عيناها واسعة، تنظر من خلف الغمام..
ملابسنا طفولية تزهو بها الألوان..
نرتوي ماء المطر عبر أجسادنا..
نصف العارية كالورد بالأكمام..)..الصفحة 10. قصيدة، صغارا كنا…
الخروج عن النمطية في تراكيب الصورة الشعرية له منحنى مختلف عما يسود الان في قاموس الخطاب الذي يشحن الأسئلة في قرارة نفس المتلقي الذي يعكس كل هذه التجاذبات في الكلام، الأمر الذي جعله ميسورا محببا وجريئا وهو ينقل خلجات النفس الغارقةفي المتاهة إلى أفق جديد مفتوح وابوابه مشرعة، حتى تفتح شهية البحث عن صور الجمال والدهشة التي وثقتها بوعيها الذاتي، وإلتقطتها عدستها الساحرة بألوانها الأخاذة، الأمر الذي وفر عناصر الحركة بحرية بين عتبات النص، وجعل المتلقي يتقمص دور الفاعل أو الناظر بدهشة، لما أرادت أن تصل به الشاعرة من رسائل، توزعت بين تشريح وقائع سادت بغياب الوعي واستبداد آفة الجهل والخرافة وتقديس لغة الجسد وغلبتها على الحكمة وعوامل اجتماعية وديناميكية سريعة وقد فعلت فعلتها في جسد المجتمع الذي تداعى بتأثير تلك العناصر هذه الصورة الأخاذة الجريئة التي ذهبت بنا إلى ناصية الإبداع النسوي تحديدا، وماوثقته في حقب تراجع الأنظمة السياسية في سبعينيات القرن ألمرتحل، لقد عبرت الشاعرة مها الهاشمي ، بوعيها العميق ولغتها الباهرة عن مكامن الاضطراب والتراجع في بنى المجتمع، وكانت موفقة جدا في تلخيص، فكرة الحرية وجدلية الشعور المتلسط، وعوامل الإفراط في تدجين المجتمع بموروثات بالية حطمت ركائز الاستقامة والقوة، وغسل ذاكرتة الوطنية والحضارية، وتلميع أوجه التخلف والرجعية بمشاريع هزيلة وبالية، واخيرا، إذا لم ترتقي الكتابة إلى مستوى العقل والوعي والإبداع فإنها تندرج في مستنقع الاستهلاك النمطي الذي لايوفر اي نفع.. الشاعرة، حررت هذه الوثائق من روحها المفعمة بالجمال والحرية، ومن تمردها الواثق المهاب على كل الأفكار والتداعيات التي سادت بفعل عوامل، قد أشْرتهاوبتأويلها الخاص…
هل أن بدر شاكر السياب كتب قصيدته (انشودة المطر) بدافع شكلاني، استهلاكي؟ من البديهي أن هنالك دوافع حياتية، اجتماعية، غريزية، محببة وقد استأثرت بالواقع المترامي النظر إلى الطبيعة والتفرد بجمالها، وبساطتها، وأثر ذلك على ايقاعها الموسيقي عندما تصمت الطيور عن غناءها، تعزف السماء ألحانها الساحرة وقد زينها رب العباد بقدرته الهائلة…
(زارني بالأمس زحل مهزوما شاحبا،
على كتفه آثار كف عالقة،
وبقايا دموع وداع،
وعلى جبينه آثار قبل،
يحمل فواتير عشق سددها،
وجواز سفر بلا تأشيرات) الصفحة 34 قصيدة زحل..
من الطبيعي أن يبحث الشاعر عن رؤى تعينه اوتسعفه ليؤكد حضوره الإبداعي والانساني وشحذ موهبته لتوثق أفكاره ومشاعره الخاصة وذكرياته وتصوراته وانفعالاته، ولحظات الفرح والحزن في حياته، إن مايميز هذه المجموعة، حبكتها، و تظافر العزم فيها لتجسد أفكار إمرأة من مجتمعنا استطاعت أن تقطع من حياتها زمنا ، لترسم لنا صورا شعرية جميلة ومدهشة وقد وظفت بلغة سليمة، الأمر الذي يتطلب أن نتصفح أوراقها بقصد الفاحص الماتع…

مها الهاشمي،شاعرة
موظفة في شركة نفط الشمال، كركوك، العراق
تكتب الخاطرة، ولها محاولات في كتابة القصة القصيرة..
عرفتُ الشاعرة مها الهاشمي، قبل عقد من الزمان تقريبا، عندما كنت محاضرا في دورات تطويرية في العمل المهني الوظيفي، وكانت ناشطة ومجتهدة، وقد اهديتها مجموعتي القصصية ألمتواضعة (انتهاء المواسم) الصادرة في العام 2004،وقد كتبت شاعرتنا مها الهاشمي، عنها كلاما جميلا، قلت لها في حينه أن لديك قدرة أدبية نقدية لابد من توظيفها لصناعة إثر اديب يخلد إسمك في في سجل الإبداع والموهبة الفطرية…

شاهد أيضاً

في ذكري رحيل الأديب والمحاضر الجامعي د. حبيب بولس
“قرويات” حبيب بولس بين الحنين والجذور
حتى لا تضيع ذاكرة شعبنا الجماعية
نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل …

رواية تذكار الجنرال مود
قراءة في ضوء التحليل النقدي للخطاب
علي كاظم داود

كيف يتشكل العالم الاجتماعي في الخطاب الروائي؟ وهل يمكن الإجابة عن ذلك إجرائياً من خلال …

شوقي كريم حسن: شكر حاجم الصالحي… الشاعر مجسداً!!

*منذ نعومة الايام، وعبثها الدافع الى الفطنة ، وغرابة الاسئلة المطروحة امام الروح، تبدو ثمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *