الأبعاد التصويرية في نصوص الشاعرة السورية هلال شربا
الإهداء: إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة
كتابة : علاء حمد – العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

 

التصوير الخيالي من أهم الأبعاد التي يتجانس معها الباث، لذلك نعتبر مساحة الخيال وحركة المتخيل هي الهاجس الفعال في المكونات التصويرية، وكذلك إمكانية الشاعر وكيفية عكس تجربة ما من تجاربه الشعرية وتنقية العبارات لينظمها في سياق بياني خاص، يؤدي إلى الدهشة من جهة وإلى العجائبية التي تؤدي إلى المؤثرات، كتعبير فني يؤدي إلى نصّ له خصوصيته الفنية ومدى تواصله بالسببية وبالمفاهيم.. الأولى سبب التواجد الحتمي والاعتناء بالتصوير الذاتي والبصري، والثاني توصيل الدالات المعتمدة، فهناك علاقات تواصلية سيميولوجية مابين التصوير والمفاهيم، لكي نحصل على نصوص مكررة في الجمالية، فتكرار الجمال يؤدي إلى نوعية نصية تخصّ الباث وأسلوبيته في فن الكتابة.. ليس غريبا علينا وجه الاختلاف بين الصورة والصورة أو من خلال التقاطات تصويرية، قد تكون ذهنية ذهنية مقروءة، أو خارجية داخلية محفوظة، ونعني بها وسيلة الانتقال، كبنية قادرة على استجابة التأثيرات، وانسجامها في الذات العاملة والتي تعتمدها كرسمة من خيال.. إنّ البعد الخارجي للتصوير يتقارب من خلال العين وثقافتها ومدى مقدرتها على تبسيط وتفكيك البعد التصويري، بينما البعد الداخلي للتصوير فهو يعوم على مساحة من الخيال، ويكون للمتخيل الزخرفة والتطريز لدفع العمل نحو التجريد وجعله حالة ديناميكية يستوجب الحركة والانتقالات من الكلام العادي إلى القول الشعري.. إن الصورة المقربة تبتعد عن الموضوع المتقارب كصورة موضوعية نقلها الباث من الواقع وإلى الذات، فالمقاربة الذاتية بمثل هذه الأعمال سوف تتبين تأثيراتها وعملها في الهدم والتأسيس، وهو عملها واشتغالاتها عادة في تبيان الحالات الجمالية وتعدد المعاني في الصورة الواحة من خلال تعددية التصوير..
سنبحر مع الشاعرة السورية هلال شربا وهي ابنة السلمية مدينة الماغوط، وسوف نكون مع ثلاث قصائد مرسومة بالأبعاد الذاتية المتحولة من واقعها اليومي وإلى الواقع الذاتي خارج المألوف.. وهي خاصية الشعر عادة وكيفية البحث عن النصوص النوعية لكي نستطيع الدخول بين غرفها من أصغر وحدة بدأتها الشاعرة إلى آخر دالة رسمتها للانتقال إلى عمل آخر…
إذا تطرقنا إلى الانسجام داخل النصّ، واستطعنا أن نقبض على الأبعاد التصويرية والتخييلية للشاعرة، فسوف ننقاد إلى البنية التامة التي من ميزاتها أنّها تعتمد البنية الصغيرة، حيث يدفعنا العمل مابين جزئيات التصاوير، وبين التشكيلة الحضورية للغة الشعرية، لكي نستطيع أن نكون مع النصّ المكتوب، وتفكيك ما نستطيع عليه، وما تحوي نصوص الشاعرة السورية هلال شربا من ممكنات ومسميات..
أراوح في المكان
وأرضع من ثدي الوقت ثواني جارحات
أرافق غيمة إلى قرارها الأخير
وأهطل نميرا على مواسم التفاح
ماوجعي سوى بلسمة لعيون مازارها فرح
ولا تبتلي إلا لأعين غادرها النوم

من قصيدة: عندما يكون المكان – هلال شربا – سورية
هناك مقاربة فعلية للخيال، ومن خلال هذه المقاربة يتوضح فعل المعقول وما أسسته الشاعر السورية هلال شربا، ومن هنا نستطيع القول بأن الصورة بصيغتها الحالية نعتبرها وعيا خياليا قصديا؛ فالحالة التي انتابت الشاعرة، حالة الإجراء للمعاني، ورغبت أن تكون هذه الحالة محمولة على المعنى..
أراوح في المكان + وأرضع من ثدي الوقت ثواني جارحات + أرافق غيمة إلى قرارها الأخير + وأهطل نميرا على مواسم التفاح + ماوجعي سوى بلسمة لعيون مازارها فرح + ولا تبتلي إلا لأعين غادرها النوم
تصوير فني من خلال التصورات الذاتية التي عكستها الشاعرة السورية هلال شربا، وذلك من خلال استعمال العجائبي بالمعنى التوضيحي؛ وفي نفس الوقت غرابة اللغة التي وظفتها قادتنا إلى دلالات واضحة مابين المعنى المحمول والمعنى المتسرب من المفردات الشعرية التي ركبتها لإنتاج البنى الصغيرة.. ومن خلال المطلع الأول ( أراوح في المكان )، تختلف الشاعرة مع جملتها، وتحتفظ بالمعنى، ماذا يعني لنا الاحتفاظ والاختلاف، هناك تأجيلات لم تطرحها، وهي تدور في الذات وشبكتها الواسعة، ومن خلال انشغالها بالممكنات = ( أرضع من ثدي الوقت )، فإنّ الشاعرة تحوّلنا إلى الزمنية، وتخترق الأماكن، ومنها بيئتها التي عانت من هذا الوقت الذي يمرّ والذي مرّ بشهوته الصادمة..
إنّ ما نلاحظه من خلال الجمل الشعرية المركبة، حركة الجملة والتي تبيّن فعل تركيبها، فكلّ جملة تحوي على فاعل، والفعل في جسد النصّ يُعد من عوامل تحريك الجملة، ليجعل سقطتها ذات تأثير مباشر..
أهطل نميرا = علاقة توضيحية مابين الغيمة المحملة بالمطر، وبين روي بساتين التفاح، ماذا لو كان أمامنا بساتين الوجع، وهنا نحصل على نتيجة واحدة، فالتخلص من الأوجاع، هو التخلص من العطش..
نذرتني أمي للضياء
فكنت مراكب الظامئين إلى الميناء
شطي موئل للمتعبين
ما لأنت قناتي
ولا هانت شكيمتي
وبقيت في السماء، أرمي شباكي
ماهمني العابثون
ما أرعبني الطامعون والمقتاتون على فضلات الحياة

من قصيدة: عندما يكون المكان – هلال شربا – سورية
إن متتاليات الجمل والتي تؤدي إلى الشعرية مع اصطفافتها التصويرية، هي التي نعدها نصّا، وإلا إذا خرجت عن هذه المتتاليات فسوف تكتسب التفريق والتبعثر، ومن خلالها يطرز الشاعر جمله ضمن القول الشعري الذي يتجانس تماما بالدلالات المحمولة من الواقع أثناء التصوير..
نذرتني أمي للضياء + فكنت مراكب الظامئين إلى الميناء + شطي موئل للمتعبين + ما لأنت قناتي + ولا هانت شكيمتي + وبقيت في السماء، أرمي شباكي + ماهمني العابثون + ما أرعبني الطامعون والمقتاتون على فضلات الحياة
نلاحظ أن الشاعرة هلال شربا تميل إلى أعمالها المتضمنة بالقول، والقول الذي تعتمده، تارة يكون القول الشعري، وتارة أخرى لغة القول؛ والأخيرة اختيار مناسب للغة القول وما ترغب به دون غيرها، وهو الإصرار التفاعلي مابين الجملة الشعرية وامتدادها، وبين لغة القول كتغطية ملائمة للمعاني والأسلوبية المعتمدة في النصّ الشعري الحديث.. أحيانا نستعمل الدلالة الفنية بدلا من الدلالة البلاغية في الصورة، وهذا يحدث في التصوير الذاتي والتصوير المنقول من خارج الذات.. فعندما نكون مع أفعال الكلام ( نذرتني، بقيت، أرمي، همني وأرعبني ) كلها أفعال دالة تؤدي إلى أفعال الكلام الذي اعتمدته الشاعرة هلال كسلسلة ناطقة للذات المتداخلة في سياق الجمل المتواصلة من أجل توظيف المعاني أكثر ورسم بعض التأويلات ..
عندما تكون الكلمة صحيحة فسوف تكون الصيغة صحيحة أيضا، ومن هنا نحصل على سلسلة من الصيغ التي تقودنا إلى القول الشعري، طالما بات صيغة الكلام، كصيغة لغوية تؤدي وظيفتها بتعددية البنى الصغيرة وجزئيات الصورة الشعرية، هذا إذا نظرنا نحو النصّ كنصّ تام..
عندما مزقت عباءة السفر
ولجأت إلى عينيك
كانت تعاني من الإغماضة
نصفها لي، والأخرى لليقظة
وهناك بعض بريق
منها ينتفض
ما أنا سوى حرائق طالت هشيما
وارتعدت في زواريب الخوف ،
تسأل عن ملجأ ينتمي للهدوء

من قصيدة: وساوس يقظة – هلال شربا – سورية
من خلال التنظيم الاعتباري للجمل، نحصل على مفاهيم متجانسة للنصّ الشعري، ومن هنا نميل إلى ظهور الدلالات من خلال البنية المكانية والبنية الزمانية، ونعتبر البنية اللغوية هي الشاغل الأول في النصّ الشعري، وكلما اختلفت اللغة مع لغة أخرى، أو اختلفت مع تركيب مفرداتها، نحصل على البنيات الممكنة، وهما مبدأ التأويل والمبدأ الاستدلالي في البنية العليا..
عندما مزقت عباءة السفر + ولجأت إلى عينيك + كانت تعاني من الإغماضة + نصفها لي، والأخرى لليقظة + وهناك بعض بريق + منها ينتفض + ما أنا سوى حرائق طالت هشيما + وارتعدت في زواريب الخوف ، + تسأل عن ملجأ ينتمي للهدوء
تظهر اللغة الشعرية من خلال الجمل المركبة، وفي نفس الوقت تظهر الرموز كوسائل اتصال للغة، وهي من مهام الرمزية عندما تكون واضحة في الجمل المتواصلة.. فعندما كانت عباءة للسفر، فإذن هناك محاولة للخروج من البيئة والذهاب إلى بيئة أخرى، ولكن عندما لجأت الشاعرة إلى العينين، فإنها شغلت البصرية نحوها، وهذه الدراية تعطينا حالات استدلالية من خلال انشغال اللغة بالرموز التي وظفتها الشاعرة السورية هلال شربا.. هناك علاقة مابين الجملة الأولى ( عندما مزقت عباءة السفر ) والجملة الأخيرة ( تسأل عن ملجأ ينتمي للهدوء )، وهذه العلاقة، علاقة خاصية التزمت بإنجاز رؤية الشاعرة مع تضمين القول، طالما نحن في مدارات القول الشعري وننتمي إلى وجه الاختلاف..
لم كان الشعاع دمية حقل ؟
لم ربت الحزن على وجعي
وقال :
اهربي ؟
لم ساورت الوساوس رحلتي
واشتعل السلام حربا على روحي ؟

من قصيدة: وساوس يقظة – هلال شربا – سورية
من خلال تراكمات الأسئلة التي تثيرها في النصّ، الشاعرة هلال شربا، اعتمدت قياسات المعنى، علما أنّ ظواهرية المعاني متواجدة من خلال الجمل الامتدادية وبعضها حملت قياسات الأفعال الانتقالية؛ لذلك تصرفت بالطابع الذاتي وليس بالطابع الكمي.. ومن خلال منطقة المحدود نلاحظ أن الجمل المثيرة تحاول أن تتجاوز منطقتها، ولكن محدودية الاسئلة تثير لنا علاقة المحدود بالذات العاملة، فكلّ سؤال يقع ضمن منطقة المحدود، وعندما يتجاوزها تخرج الشاعرة من الجمل المحدودة والمرسومة لغاية ما..
لم كان الشعاع دمية حقل ؟ + لم ربت الحزن على وجعي / وقال :/ اهربي ؟ + لم ساورت الوساوس رحلتي + واشتعل السلام حربا على روحي ؟
تختلف أدوات الأسئلة في النصّ من سؤال إلى آخر، فالسؤال الأول: لم كان الشعاع دمية حقل ؟.. كان مثيرا للجدل، مما يكون أداة للتحول من النص إلى النصّ الفعلي، وخصوصا أن أسئلة الشاعرة دون أجوبة مباشرة؛ بل هناك تجولات من حالة طبيعية إلى حالة جدلية، مما تثير ذاكرة المتلقي ويبقى يتساءل حول الأسئلة.. ومن هنا ترسم بعض وحدات التكافؤ في الجمل الشعرية وهي تحديات الجملة للجملة الطبيعية التي تشغل ذهنية الآخر عادة..
و أنظر بعيدا
خطوة للأمام
وخطوات للوراء
وعود على بدء
ووجهي حائر،
باحث عن ملاذه
ليعلن
عن وجبة للاستقرار

من قصيدة: وساوس يقظة – هلال شربا – سورية
ومن هنا أيضا تتم التأكيدات على القلق والخوف، وذلك من خلال الاستفهام التعبيري، والاستفهام التقريري، والاستفهام الإنكاري والتوظيفي. وهي كلها أدوات ارتبطت في المقطع الأخير الذي رسمته الشاعرة، وهي تعد خطواتها المراوغة ( خطوة للأمام.. وخطوات للوراء )..
و أنظر بعيدا + خطوة للأمام + وخطوات للوراء + وعود على بدء + ووجهي حائر، + باحث عن ملاذه
ليعلن + عن وجبة للاستقرار
نحن أمام تراجعات من القلق، لندخل تلك الواحة غير المستقرة.. إنّ الأسلوب التعبيري يقودنا إلى رؤية من الخيال ورؤية من الأوهام، وهي دلالات ظاهرة في الأسلوبية ودالة على القلق، وخصوصا أن الشاعرة هلال شربا، تبحث عن وجبة للاستقرار، وهي وجبة الوجه المكشوف، والذي تبدأ عليه علامات القلق ..
من خلال المفاهيم العلائقية، كعلاقة الجزء بالكلّ، وعلاقة الذات بالمسلك الداخلي التخييلي وعلاقة الذات بالرؤية الخارجية، نتوقف عند تلك المفاهيم حيث ترسم الشاعرة لنا مسافة مابين المفاهيم وبين الصورة والإدراكيات والقصدية، فكلّ مفهوم له قصديته الذاتية، وعند كلّ قصدية هناك ذات متجددة في العمل القصائدي، ومع هذه التواصلات المرسومة، يبقى النصّ جامعا للجزئيات في العلاقات المرسومة بينها وبين علاقتها مع المنظور النصّي..
كل المقابر لي
صنعتني أمي من صلب السكارى
رمت زجاجة حليبي على رصيف القهر
قالت تجرعي الحياة ..

من قصيدة: مشاهد داخلية – هلال شربا – سورية
يشكل النصّ الشعري حدثا داخل الذات، أو يجاورها، ويتحرك في فضاء الذات، وهو على تراسلات مع الذات العاملة والمحسوس والمتخيل، لذلك ومن خلال هذه المساحة التي يشغلها النصّ نلاحظ أن حركة فعالة من العناصر المذكورة، فتارة تكون المساحة للمتخيل وتارة أخرى يشغلها المحسوس..وتارة تكون الذات مركزية العمل النصي…
كل المقابر لي + صنعتني أمي من صلب السكارى + رمت زجاجة حليبي على رصيف القهر + قالت تجرعي الحياة ..
صورة شعرية؛ مساحتها سحر اللغة التي وظفتها الشاعرة هلال شربا في نصها المعنون ( مشاهد داخلية )، فهناك الأشياء الداخلية التي تحركت من خلال الذات العاملة، لذلك سيطر المتخيل على مساحة واسعة من التأثيرات، فولدت لنا الصورة التعبيرية والمحمولة على كم من المعاني والتأويلات.. وكذلك لغة الاختلاف شكلت القاسم الأعظم في هذه الصورة الجزئية من المنظور الشعري العام..
تاه مركبي بين المراكب
الشراع مافتئ يترنح
وأنا أتفقد زجاجة الحليب
امي عجوز تتوكأ الخطا
وترابض لنور الوجود
وأنا أتداول سلطة الغنج

من قصيدة: مشاهد داخلية – هلال شربا – سورية
الخاصية هنا خاصية لغة مع مساحتها المرصودة، طالما نحن بمساحة البحر الذي قصدته الشاعرة هلال شربا، لذلك جعلت النصّ يتحرك بهذا الفضاء، وعندما يكون النصّ بفضاء واسع، يكون محملا بالعديد من نتاجات المعاني والتي تهمنا في ترتيبات الوظائف الجمالية..
تاه مركبي بين المراكب + الشراع مافتئ يترنح + وأنا أتفقد زجاجة الحليب + امي عجوز تتوكأ الخطا+
وترابض لنور الوجود + وأنا أتداول سلطة الغنج
البحر عبارة عن مركب وماء هائج وسماء.. ومن خلال هذه العناصر الثلاثة نلاحظ أن السماء لاحدود لها، والماء لاينتهي، والبحر يشغل البصرية نحو اللامحدود، إذن نحن مابين المحدود واللامحدود، فالقصدية التي اعتمدتها الشاعرة من خلال بعض الوظائف الظاهرة، قصدية توضيحية أدت إلى انتعاش كتابي.. ولكن في نفس الوقت، هناك الوظائف الخفية والتي يدركها الباث في حالة تأسيس النصّ .. ومن خلال تواصلها مع المعاني الأولى نلاحظ أن الشاعرة مازالت تذيب السبب في المعاني المتتالية : وأنا أتفقد زجاجة الحليب.. وهنا فرض وجود، وجود الأم وعلاقتها في النصّ الشعري، حيث المتخيلة عالقة بهذا الاتجاه بالرغم من أن الشاعرة تترنح مابين مساحة البحر ومساحة المعاني الأولى؛ إلا أنها بدأت ماثلة أمام أدوات المعاني المعتمدة..
مازلت امراة الصدفة
ووجع الدروب
محملة بدلال مضمر
أركب حرير الثواني وتسترخي روحي لغيث السراب
ادفني في مقابري
أتشظى حصصا حصصا وأراقب الموج
عله يركب أجزائي
ينقلها إلى ام تتخفى وراء أصبع الحقيقة
مازلت على قيد الحياة .

من قصيدة: مشاهد داخلية – هلال شربا – سورية
عندما نكون مع أسماء المفاهيم، سنكون مع الأسس التنظيمية للنصّ الشعري، وهناك المفهوم العام للنظام ” system ” والمفهوم الخاص للنظام النصي، وفي طبيعة الحال كمنظور نصي جامع للأجزاء، فهناك مكونات الإجراء وإحالته للمفهوم الخاص للنصّ.. فعند كلّ جزء مكون من لحظة، يمتد لتكوين لحظات، وهذا يعني أنّ البعد الشعري اعتمد على لحظات صغرى، قد تكون خاطفة وقد تكون مستقرة، كما هو في نصوص الشاعرة السورية هلال شربا..
مازلت امراة الصدفة + ووجع الدروب + محملة بدلال مضمر + أركب حرير الثواني وتسترخي روحي لغيث السراب / ادفني في مقابري + أتشظى حصصا حصصا وأراقب الموج + عله يركب أجزائي + ينقلها إلى ام تتخفى وراء أصبع الحقيقة + مازلت على قيد الحياة .
من خلال النصّ والإجراء، من الضروري أن تظهر المعاني ممتدة على بعضها، وعندما نكون ضمن المشهد الشعري سوف نلاحظ امتداد الجمل أيضا، وإلا سيكون النصّ خارج الإجراء التوحيدي والاستفهامي، ومن خلال هذه النقاط تتواصل الجمل المركبة لتكوّن لنا شبكة من المعاني بحكم تدخلات الذات العاملة التي لاتترك العمل النصّي منفردا.. امرأة الصدفة، هكذا اعتمدت الشاعرة على اللغة الوصفية لتنتقل فيما بعد وفي نفس المشهد الإجرائي إلى اللغة التعبيرية ( ادفني في مقابري ) لتكون مع ديمومة النصّ بمعانيه وتأويلاته، ونكون مع الحالات الاستدلالية: أتشظى حصصا حصصا وأراقب الموج = عله يركب أجزائي .. عندما تراقب الموج ، فستكون رؤيتها جزءا من الموج، وهذه الرؤية تنقلنا إلى عملية تركيبية من خلال مساحة المتخيل وحركته في النصّ والذي دعا إلى تركيب الأجزاء.. هناك غايات وقصدية خلف هذا التركيب، عندما تكون الأجزاء مفككة فلا تحتاج إلى من يركبها.. وهكذا تتواصل الشاعرة السورية هلال شربا وتضعنا معها في حالات تفكرية خيالية لتصل إلى مفاهيم نظامية وتلملم التبعثر..
إنّ السحر اللغوي الذي تابعته الشاعرة هلال شربا، يضعنا أمام سحر المعنى أيضا، ولا نستطيع إلا أن نواكبها لنتعرف على حياتها الشعرية بداية من بيئتها ونهاية إلى دواخلها وما يدور في الذات العاملة..

عندما يكون المكان

أراوح في المكان
وأرضع من ثدي الوقت ثواني جارحات
أرافق غيمة إلى قرارها الأخير
وأهطل نميرا على مواسم التفاح
ماوجعي سوى بلسمة لعيون مازارها فرح
ولا تبتلي إلا لأعين غادرها النوم
نذرتني أمي للضياء
فكنت مراكب الظامئين إلى الميناء
شطي موئل للمتعبين
ما لأنت قناتي
ولا هانت شكيمتي
وبقيت في السماء، أرمي شباكي
ماهمني العابثون
ما أرعبني الطامعون والمقتاتون على فضلات الحياة
راية حب
عنوان خصب
كنت
وربما كان موتي
………….

وساوس يقظة

عندما مزقت عباءة السفر
ولجأت إلى عينيك
كانت تعاني من الإغماضة
نصفها لي، والأخرى لليقظة
وهناك بعض بريق
منها ينتفض
ما أنا سوى حرائق طالت هشيما
وارتعدت في زواريب الخوف ،
تسأل عن ملجأ ينتمي للهدوء
لم كان الشعاع دمية حقل ؟
لم ربت الحزن على وجعي
وقال :
اهربي ؟
لم ساورت الوساوس رحلتي
واشتعل السلام حربا على روحي ؟
و أنظر بعيدا
خطوة للأمام
وخطوات للوراء
وعود على بدء
ووجهي حائر،
باحث عن ملاذه
ليعلن
عن وجبة للاستقرار
………..

مشاهد داخلية

كل المقابر لي
صنعتني أمي من صلب السكارى
رمت زجاجة حليبي على رصيف القهر
قالت تجرعي الحياة ..
تاهت مراكبي
الشراع مافتئ يترنح
وأنا أتفقد زجاجة الحليب
امي عجوز تتوكأ الخطا
وترابض لنور الوجود
وأنا أتداول سلطة الغنج
مازلت امراة الصدفة
ووجع الدروب
محملة بدلال مضمر
اركب حرير الثواني وتسترخي روحي لغيث السراب
ادفني في مقابري
أتشظى حصصا حصصا وأراقب الموج
عله يركب أجزائي
ينقلها إلى ام تتخفى وراء أصبع الحقيقة
مازلت على قيد الحياة .

إشارات :

علاء حمد – عراقي مقيم في الدنمارك

شعراء الزاوية الحادة

المقالة خاصة بالناقد العراقي

شاهد أيضاً

مساءلة الذات ومواجهتها في رواية “نرجس العزلة” لباسم خندقجي
فراس حج محمد/ فلسطين

صدرت “رواية نرجس العزلة” عن المكتبة الشعبية (ناشرون)/ نابلس، عام 2017، وتقع في (170) صفحة …

نور الهدى الظالمي: مقهى الروضة السوري في سردية اللاجئ العراقي

مرّ اللاجئ العراقي في طريق رحلة لجوئه بالعديد من الأماكن التي شكّلتْ ملمحًا بارزًا في …

بصدد التأويل الاشتقاقي: قراءة في ديوان الأبله للشاعر العربي الحميدي
زكرياء وجيط*
جامعة مولاي اسماعيل بمكناس

*باحث بسلك الدكتوراه في الأدب والمناهج النقدية الحديثة، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة مولاي اسماعيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *