الرئيسية » ملفات » الدكتور عبد المطلب محمود : ملحمة جلجامش.. رواية ألمانية (ملف/29)

الدكتور عبد المطلب محمود : ملحمة جلجامش.. رواية ألمانية (ملف/29)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن ملحمة جلجامش العظيمة، كنز العراق المعرفي والشعري والنفسي، ودرّة تاج أساطير العالم، وأقدم وأطول ملحمة مكتملة في تاريخ البشرية. ولو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شيء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوّأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات العالمية القديمة كما قال الآثاري الكبير طه باقر. وإذ تتشرف أسرة الموقع بأن تقدم هذا الجهد ، فإنها تتقدم – في الوقت نفسه – بالدعوة إلى جميع الكتّاب والقرّاء للمساهمة في هذا الملف المهم كتابة وقراءة وتعليقا .

أصدرت دار قـَدمس للنشر التي يديرها في بيروت ودمشق الصديق الدكتور زياد منى، الباحث المتخصص بالوثائق التاريخية والحضارية القديمة، بالتعاون مع معهد غوته، الترجمة الكاملة لرواية (جاجامش ملك أوروك) التي كتبها أحد أبرز الروائيين الألمان المتخصصين في ميدان الرواية التاريخية ورواية الخيال العلمي، الكاتب (توماس ميلكِه) والتي كانت قد صدرت طبعتها الألمانية الأولى في ميونيخ عام 1988، بعد أن قام بترجمتها لدار قدمس خصيصا الباحث والمترجم الدكتور نبيل الحفار، لتظهر في متناول القارئ العربي قبل شهور بعدد صفحات تجاوز الخمس مائة والخمسين صفحة، ضمت (35) فصلا مع ملحق وشروح وجدول زمني بالأسماء والأحداث التاريخية التي وردت في متن الرواية.
وعلى الرغم من الحجم الكبير الذي انطوت عليها هذه الرواية الجميلة المهمة، فبالإمكان القول أن نجاح كاتبها ومترجمها ـ من ثم ـ في تقديم هذه الملحمة / الأسطورة السومرية الخالدة بأسلوب روائي متميز، وبلغة حافظت على روح النصوص القديمة والجديدة التي اعتمدها الكاتب المؤلف، جعل من قراءتها عملية غاية في الإمتاع والإدهاش معا، إذ أعاد المؤلف إحياء ذلك العالم البعيد الغامض في سرد مشوّق، حتى لكاد يشبه العرض السينمائي من حيث رصد حركات شخوص الرواية حتى الدقيقة منها، ومن حيث الحوار الذي حافظ على أصول روح الملحمة وما ظهر حتى الآن من نصوص وأبحاث تاريخية متعددة لها، ولاسيما إذ اعتمد الرجل (توماس ميلكِه) على كم كبير من من الترجمات والوثائق التي ظهرت بشأن هذه الملحمة، منذ مطلع القرن الماضي (القرن العشرين)، ومنها الترجمتان الكلاسيكيتان إلى الألمانية اللتان قام بهما الباحثون (ألبرت شوت وفيلهلم سودِن، وهلموت شموكل) فضلا عن نتائج التنقيبات الآثارية والملاحم والأساطير الموازية المتعلقة بالحضارات العراقية القديمة، السومرية والبابلية والآشورية والأكادية، وحضارات المناطق المجاورة في بلاد الشام وبلاد فارس وغيرها.
ويمكن القول بشأن هذه الرواية أيضا، أن مؤلفها استطاع أن يعيد الحياة إلى هذه الملحمة / الأسطورة وأبطالها من خلال ما أكده فيها من روح التاريخ والأساطير والملاحم والمغامرات البالغة التشويق، من حيث السرد، راسما لبطلنا (جلجامش) صورا غاية في العناية بدءاً من ظهوره الأول على مسرح الرواية بصفته صبيا يعمل مساعدا للبستاني (شوكاليتودا) في مدينة (كيش)، الذي تبنـّاه بعد أن التقطه طفلا صغيرا مجهولا “حط به طائر العاصفة الحالك كالليل إمدوغود بين شجيرات المر ملفوفاً بأقمشة ومربوطاً داخل سلة صغيرة مجدولة من القصب”، ومروراً بتلقيه السيف السماوي للمشاركة في جيش ملك كيش (مباراغيزي) الذي كان يجري ترتيبات مهاجمة مدينة (أوروك) لفرض السيطرة عليها، وتوليه عرش هذه المدينة لحساب هذا الملك وجعل (أوروك) تابعة لحكم مملكة كيش، فلقائه بوالدته نين سون فاستقلاله عن كيش بعد بنائه سورها الشامخ، ثم عقده صداقته المتينة بإنكيدو، وانتهاءً برحلته الشهيرة إلى جزيرة الخالدين بحثا عن أسرار الخلود، بعد أن فجعه موت صديقه هذا.
ولعل في عرض عدد قليل فقط من فقرات هذه الرواية الكبيرة والطويلة المدهشة، وما تضمنته من حوارات عميقة، خير ما يمكن أن نسوقه هنا لتأكيد ما ذكرناه بشأنها، فبطلنا إذ يحاور فتاة المعبد (بارا نام تارّا) ويسألها عن أصل الآلهة، تشير هذه نحو الأعلى : “ربما من تلك النجوم هناك التي عادوا إليها”. وإذ يسألها عن أصل السومريين تجيبه : “من أرض ميلوخا”، فيسألها :”أين تقع” لتجيبه :”ما وراء الجبال التي تلي المرتفعات الشرقية”، ويسألها بلهجة من يريد الإستزادة من المعرفة :”أتعرفين إلى أين سنذهب، عندما لا تعود موجودين؟” فتجيبه :”الصالحون يذهبون إلى ذلك المكان الذي يسمى (جزيرة الخالدين) ليخدموا ذلك الإنسان الذي وهبته الآلهة الخلود”(ص93).
ومن مشهد فرض السيطرة على مدينة (أوروك) من جانب جيش ملك كيش، ولجوء جنود كيش إلى اضطهاد أبناء أوروك وهتك أعراضهم وسلب ما يملكون، مع إجبار جميع الشبان والشيوخ على الخضوع للغزاة واستعبادهم، نقرأ أن “جلجامش كزّ أسنانه على بعضها، فيما تصاعد في داخله شعور بغضب عارم. لم يدر كيف حدث ذلك، لكنه رأى فجأة في المحاربين الذين احتلوا معه المدينة بالأمس مجرد وحوش مفترسة متعطشة للدم، وما يفعلونه لا يليق بشرف المنتصرين. وضع يده على قبضة خنجر المدافن وتقدم معترضاً طريق جامعي العبيد. “لماذا تضربون المهزومين؟” صاح في وجه المحاربين. “لأن هذا يسلينا” ضخك القائد مبحوحا. وفي تلك اللحظة انتبه جلجامش إلى أن هؤلاء المحاربين لا يمكن أن يكونوا من كيش…. فيسأل بنبرة غاضبة :”من أنتم؟” ليجيبه قائد المحتربين :”نحن في خدمة النظام الجديد!”.. وسرعان ما يتضح لجلجامش أن هؤلاء القتلة المجرمين “كانوا بالأمس حرّاس أوروك”!!(ص138).
ولنقرأ هذا الجزء من الحوار عندما فكر بطلنا في بناء سور جديد لمدينة (أوروك) قبل أن يقرر إعلان استقلالها وإنقاذ أهلها من العبودية وبناء ما دمره الغزاة الكيشيون بدعم من حرسها (خدم النظام الجديد) من مبانيها ومعابدها، إذ يتحاور عدد من سكان المدينة بشأن أمر بناء السور، وقد أبدوا استغرابهم من هذا الأمر : “سور جديد؟” سأل الذي يبدو وجيها. فجاءه الجواب من محاوره :”قبل أن يخوض المرء حرباً، عليه أولاً أن يكون قادراً على الدفاع عن نفسه” وأردف :”يمكن أن يكون جلجامش كالخميرة بالنسبة لمدينة أوروك، لكنه بحاجة إلى وقت كي ينضج! أم أننا لم نكن ندري أن أسوارنا مخرّبة؟! وكنا نعرف أوضاع حرسنا ومقاتلينا! وكنا نعرف أيضاً أن ملوك كيش ونيبور ولغش وشوروباك قد يطالبون بثرواتنا في أي وقت من الأوقات…” (ص179).
ومن الحوارات الموحية التي تدور بين جلجامش وإنكيدو، وقد اعترض الأخير على صاحبه لأنه اضطهد الناس في خلال عملية بناء سور المدينة، بعد أن خاضا تزالهما المعروف في هملية استعراض قوتيهما، فقد قال إنكيدو لبطلنا :”حتى الآن كنت تمارس قوتك على الضعفاء فقط!” فيجيبه جلجامش :”أنت مخطئ. أردت فقط تشييد سور حول المدينة، كي تكون حصينة عندما تهاجمها ثانية جيوش القتل والنهب”، فيرد عليه إنكيدو متسائلا :”كيف تزعم أنك تريد حماية المدينة من الأخطار الخارجية، إذا كنت في الوقت نفسه تدمرها من الداخل؟” (ص322). ويمكن أن تستوقفنا أيضا هذه الإجابة الرائعة بلغتها الشاعرية الجميلة التي أوردتها (سيدوري) ساقية الحانة في حوارها مع جلجامش، يوم أن قطع المسافات الشاسعة وذاق الأهوال للوصول إلى جزيرة الخالدين، وقد سألته عن وجهته التي يريد وقد اقترب من شاطئ بحر الموت، وراحت تتلمس جلد كتفيه برؤوس أصابعها :”عندما خلق الأرباب البشر، جعلوا جميع المشاعر السارّة وجميع المشاعر المؤلمة، التي ما كانوا قادرين على الإحساس بها بأنفسهم، من نصيب البشر، وكان ثمن ذلك الموت، لأن الخلود لا يعرف المشاعر! وما ضرورة هذه المشاعر لهم ما دام كل شيء قابلاً لأن يكون أبديّاً، من دون معاناة الخوف من الفناء!” (ص475).

تمثال جلجامش في سيدني

ومهما توقفنا عند نصوص من هذه الرواية، والتقطنا من “مسروداتها” وحواراتها الشيقة، يبقى ما تختزنه طي صفحاتها من تفاصيل سردية وعبارات حوار، ومن صور و”مناظر” وعلاقات بين الآلهة والبشر، وبين البشر فيما بينهم، غير كافية لنقل صورة بالغة الدقة والوضوح عما أبدعه مؤلفها (توماس ميلكِه)، الذي تنبغي الإشارة هنا إلى أن روايته (يوم سقوط الجدار) التي أصدرها عام 1985، كانت قد حملت ما يمكن أن نصفه بـ “النبوءة” عن سقوط جدار برلين، مثلما أخبرتنا دار قدمس في تعريفها المقتضب جداً بالمؤلف قبل أن نطوي صفحات الرواية التي تعنينا كثيراً ودائماً، لأنها جمعت وثائق تاريخنا الإنساني بملاحمه وأساطيره وقدّمته لنا ـ وللبشر في كل مكان ـ بأسلوب سردي أقرب ما يكون إلى أسلوب السرد الواقعي الذي ينأى بالملحمة الأصلية عن كثرة ما ورد فيها من تكرار يكاد يكون مملاً، وعن “الخروم” الكثيرة التي أضاعت الكثير من سحرها الأكيد.
وليت ثمة من يتولى الإفادة من هذه الرواية في عمل سينمائي أو إلى مسلسل تلفازي ضخم، سيكون مضمون النجاح إن تولته جهة إنتاج قادرة على تحويلها إلى الشاشة مهما بهضت التكاليف.

*عن مركز النور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *