الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » ناطق خلوصي : بلدوزر

ناطق خلوصي : بلدوزر

أثارت السيارة هبّة صغيرة من الغبار وهي تستديرفي حركة نزقة ، قبل أن تستقر في مكان ليس بعيداً . سأل رجل صاحبه الذي يقف إلى جواره وهو يمسح عن وجهه ما علق به من غبار:
ــ أليست هذه جكسارة صاحبنا ؟
وأومأ برأسه كأنه بشبر إلى مسؤول متنفذ في المدينة يعرفانه .همس الآخر :
ــ نعم . والذي يقودها ابنه المراهق الذي يبدو أنه ينوب عنه في متابعة الاجراءات اللازمة .
كان سائق البلدوزر يصغي وقد استبدّت به الحيرة وهو يجثم على مقعد القيادة ، لا يدري كيف سينتهي الأمر وهو مكلّف رسمياً بعمل لا يجد نفسه راغباً فيه ويساوره شعور في الداخل بأن ما تم تكليفه به يقع خارج ما هو انساني . غير أنه يشعر في الوقت نفسه أنه مرتبط بالدولة وما يتقاضاه منها يشكّل مصدر عيشه وعيش عياله .نظر إلى السيدة المستلقية ، بثوبها الأسود وفوطتها السوداء التي تخفي شعرها الأبيض، حذو جدار بيتها وهي تكاد تلتصق به . لا تفصلها عن حاوية البلدوزر النائمة على الأرض سوى أقل من خطوة قصيرة . مطلوب منه أن يحرك البلدوزر ليصبح جسد المرأة داخل الحاوية فيرفعها وبرمي بها بعيداً قبل أن يعود لأداء المهمة التي جاء من أجلها . ينتظره كثير من العمل هذا اليوم . ثمة أكثر من عشرة بيوت مرشحة للهدم، وها أن الساعة تقترب من العاشرة ولم يحسم أمر البيت الأول منها بعد. كان سمعه اليقظ يتنقل هنا وهناك : يلتقط ما تنطق به الأفواه لاسيما أفواه الرجال الذين صاروا يتقاطرون في المكان مدفوعين بالفضول ، على الرغم من لغط نسوة البيوت الأخرى المرشحة للهدم ، وها هو يصغي إلى الحوار الدائر بين اثنين قريبين مكاناً من البلدوزر .قال أحدهما :
ــ لماذا يريدون هدم هذه البيوت ؟
ــ هذا قرار مجلس المحافظة .يدّعون أنها مقامة على أرض عائدة للدولة تم التجاوز عليها . يريدون أن يقيموا مشروعاً استثمارياً مكانها .
ــ قد يكون معهم حق ولكن كان عليهم أن يدبروا مكاناً بديلاً لأصحابها مسبقاً. أين ستذهب هذه العوائل ؟
ــ لا أدري .
والآن تعالى صوت السيدة المستلقية لصق جدار بيتها في تشبث مستميت:
ــ ألم يرَ أحدكم نعش ابني وهو يخرج من باب هذا البيت ؟
تعالت الأصوات :
ــ رأيناه . كان بطلاً رحمه الله .
انتزعت صوتها من أعماق قلب مكلوم:
ــ لماذا لم يتحرك أحد ليمنع ما يتهددنا ؟
لاذت الأفواه بالصمت . رنّت نغمة موبايل موظف البلدية المكلف بتنفيذ القرار ، فلاذ بمكان قريب من البلدوزر مخافة أن يبلغ صوت الآخر الأسماع . لكن سمع السائق المرهف التقط كل كلمة . كان صوت ابن المسؤول الكبير يحشرج خارجاً من حنجرة متوترة :
ــ لقد تأخرنا كثيراً . أنا على اتصال دائم مع ابي . خولني بأن اتصرف كما يقتضيه الموقف .
رد موظف لبلدية :
ــ وماذا تقترح يا عزيزي ؟
ــ قل للسائق أن ينسحب بالبلدوزر إلى الوراء لكي أمر بالجكسارة على جسد هذه العجوز اللعينة. أهرس عظامها وأمسح بها الأرض .
ارتجفت أوصال سائق البلدوزر وقد هجس كأن أمه تنهض من قبرها وتجيء فتهمس في أذنه
ــ أستحلفك بالحليب الذي رضعته مني أن لا تدعه يفعل ذلك .
فكّر قليلاً . تذكّر أنه كان قد سمع عن عمود كهرباء وبقايا تخلة محروقة وجدار بيت هرم، أصبحت كلها أماكن مباركة بفعل ما شطحت به مخيلات بعض الناس. فلماذا لا يكون هذا البلدوزر مثلها . مارست أصابعه البارعة لعبتها وما لبث أن صاح :
ــ يا جماعة الخير ،البلدوزر حرن ويأبى أن يتحرك . سبحان الله .
صاح موظف البيدية :
ماذا تقول يا رجل ؟
ــ أقول الذي سمعته . إذا لم تصدق تعال وتأكد بنفسك.
صاحت إحدى الواقفات : ” يشوّر” وزغردت النسوة و تعالى لغطهن على نحو أشد. ركضت إحداهن إلى بيت قريب وعادت بخرقة وزعتها على الأخريات شرائط سارعن إلى شدها بأكثر من مكان في البلدوزر الذي سيصبح مقدساً من هذه الساعة ولن يزيحه عن مكانه احد . والآن نهضت السيدة من استلقائها وزغردت مثلما كانت قد فعلت وهي تودع نعش ابنها الشهيد وهو يغادر باب البيت محمولاً على الأكتاف .

تعليق واحد

  1. محمود سعيد

    هذه القصة القصيرة تندرج تحت بند نضال الشعوب المضطهدة، في سنة 2003 تنفسنا هواءً حراً وحلمنا بأن زمن الخير قادم لا محالة، وحينما نسمع تحذيرات الصديق والقريب والمجرب ألّا خير في تدخل خارجي، كنا نقول مادام سيقوم في العراق ديمقراطية، فذلك يعني أنها تستطيع تبديل الكالح بالصافي، والشرير بالصالح، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن نخرج ونهوس ونببيت ونسعى والعشى خباز
    تحياتي لاستاذي الجليل ناطق خلوصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *