سلمان داود محمد.. إختيار المعاني للصورة الشعرية
خطاب داخلي لتوظيف الواقع ومتع التلقي
شوقي كريم حسن (ملف/61)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

ــــــ 1 ــــــ
كيف يمكن ان نقرأ معاني الصور الشعرية داخل النص الذي يحاول الإقتراب من الواقع، وهو يغاير وجوده المألوف والمانح معاً ؟هل ثمة ما يجعل الشاعر في قصيدة النثر تحديداً يؤالف الصورة الشعرية، مانحاً إياها بعداً نفسياً لا يتفق والبعد النفسي للنثر.. أو هو يحاول التمرد على الهيمنة النثرية داخل النص من أجل الوصول الى غايات ابتكارية تؤسس لحضوره الإبداعي ، وتمنحه وجوداً مؤثراً وبقاءً تأثيرياً يستمد وجوده من لحظات العودة الى النص كلما وجد المتلقي أن ثمة حاجة ما لهذه العودة التي قد تثور داخل أطماره بعضاً من الإحتجاج وتثير الأسئلة التي يحتاج بالضرورة الى إجاباتها ، أو هي تساعد على إضاءات تشير الى الإجابة ؟ هل الشعر بكله… سؤال أم إجابة لكم من الأسئلة المحيرة الباعثة على الإستفزاز ، والدافعة الى البحث عن أسرار قد لا تكون مكتشفة، أو واضحة الحدود والمعاني ،،، ؟ وكيف يمكن للسؤال الشعري أن يحل محل السؤال الفلسفي الأقدم والأكثر تأثيراً والفطري الوجود.. وهل يمكن للسؤال الشعري أن يمارس دوره السلطوي داخل النفس البشرية أم تراه يعتمد كلياً على ذات الأسئلة الفلسفية التي ابتدأت بالوجود ولم تنته بعد، ولربما ستبقى الى آماد بعيدة تلاحق الوجود الإنساني وتحفر داخل كينوناته الخاصة والعامة تلك المنطلقات ؟ هي التي تحرك قصيدة النثر اليوم، ليس في العراق فقط ، بل في عموم الرقعة العربية، التي لاتجد لوجودها الشعري مستقراً، فثمة مباحث تدفع الى القلق، وكلما وجدت المجموعة الشعرية مكونها داخل نص مغاير، وصرخت،(( وجدتها،)) كما فعل السياب ونازك وبلند الحيدري والبياتي، لكن صراخ المجددين مالبث أن هدأ واستقر وكأن الإكتشاف غدا الأخير، وهدأت القصيدة وساد الإنشقاق بين مؤيد مبتهج متفاخر، ورافض إرثي لايريد لديوان العرب أن يتشظى ويتحول الى مجموعة دواوين وهذا ما حدث فعلاً . نحن اليوم لا نستطيع أن نقف عند وجود شعري واحد فثمة أكثر من إتجاه، وأكثر من تفسير، وأكثر من مؤثر خارجي تلاقفته عقول الداخل الشعري، لتجعل منه محطة متقدمه من محطات الخلاص، والقليل من ثوار اليوم ، راحوا يبحثون عن مخلص وجداني لا يبتعد كثيراً عن المؤثر الآتي ولا يرتمي أيضاً بين أحضانه، هذا مافعله بعض أركان قصيدة النثر الثمانينية ،وخاصة بعد الحرب التي أخذت الشعر وفتيانه الى تجارب قاسية لم يعتدها الشعر العراقي الذي كان مسترخياً يلوذ بأذيال السياسة والحياة معاً، كانت الحرب هي المشغل الموجع الذي أعاد حسابات المكون الشعري، وجعله يحلم بقصيدة لاتنتمي الى قصائد التعبئة، ولا ترتمي في أحضان الأيديولوجيات التي تريد للشعر أن يظل تابعاً لها , وتظل هي الموجهة الأساس له، الخنادق، والسواتر، ومأتم الشهداء، وسواد ثياب الزوجات والأمهات، وانتظارات الحبيبات عند مفترق الطرق، والأفرشة الباردة، كلها أسهمت في إثارة سؤال معرفي جديد، راح يختمر في سر الأعماق وسريتها ، سؤال بدأ بسيطاً ، وكأنه رصاصة آتية من مجهول لتسرق الحياة بكل أحلامها بهدوء وبساطة، الآن أعطت الحرب لكل سؤال معنى آخر، وأضافت دلالات ورموز جديدة، ورسمت لعقل المتلقي إشارات معرفية لم يكن يجدها في إرث الشعر العربي قديمه وحديثه، وبرغم كل هذا كانت محنة الجيل مخيفة، محنة أن يرتمي ويرتضي بالموجه السياسي، أو أن يعتزل كل شيء ويبحث عن مآوى شعري يلوذ إليه ويسعى من خلاله الى تقديم نتاجه المغاير، وهذا ما فعله البعض حين قبل أن يقدم نفسه شعرياً من خلال مطبوع استنساخي بسيط ويوزع بإختصار ودونما ضجيج احتفالي، كانت تلك التجربة، هي الأهم، حيث قدمت مجموعة من الشعراء الذين كانوا يرومون التغيير والمغايرة ، وللإفادة من تجارب الحرب على غير إفادة الآخرين، عندها قدم سلمان داود محمد مجموعته الأولى ( غيوم أرضية ) في العام 1995، ليقوم فعلاً بتأسيس ما أسميه ( الصادم الشعري ) ، تلك المجموعة أثارت مسألتين مهمتين الأولى أنها تقرأ اليومي على غير الإعتياد، وتقدم أنموذجاً صورياً يعتقد المتلقي أنه موجود لكنه ما يلبث أن يعلن إستنكاره ، وغرابته، مع إحساس عظيم بالألفة والإعتراف بالمكون الشعري، استطاعت ( غيوم أرضية ) حينها، أن تلامس الواقع، ولكنها ترى فيه غير ما نراه، إذ أن للشاعر مجسات ونواظير وعدسات على غاية من الدقة هي التي جعلته يعيش الحرب ويدمن وجودها، لكنه لايؤمن بغير ما يراه، الحرب في النص ذات أكثر من معنى لا يتشابه البته ولا ينتمي الى الركود الإشاري، بل أن هذه المعاني تخلق إشاراتها الدلالية التي تجعل المتلقي يشعر بجدتها وإخلاصها للتجربة وللشعر معاً، وهذا أمر لم يألفه الشعر العربي ، فثمة تكررات كثيرة فيه، غير أن قصيدة النثر العراقية الخارجة من معطف الموت، منحة العقل مساحات واسعة من التأمل النفسي والإجتماعي والفكري معاً، استطاعت أن تخلط الأوراق مع بعضها، وتمحو ألوان المألوف لترسم ما تستطيع هي رسمه، قاسية هي تلك التجربة ، وخاصة إذا ما عرفنا أن سلمان داود محمد كان يتأملها من خلال مسارب عدة ومفاهيم كثيرة، مع شيء من الإضطراب والخوف، ومرد هذا الإضطراب والخوف هو الشعر نفسه أو هو محاولة الإجابة عن سؤال عصي .. هل تستطيع القصيدة أن تنتصر على كل هذا الخراب وتوثق معانيه دون أن تسقط بتكررات، وكيف لها أن تخرج من المؤثر الأيديولوجي والمطالب بأن يكون الشعر جزءاً من المعركة ؟ كيف يمكن الخلاص، هذا الإرباك جعل الجيل الشعري التسعيني المسهم بالحرب ، يبحث عن مخرج معرفي تفسيري، وأن يضع تجربته الشعرية عند أبواب الأحلام بعيداً عن الخنادق والسواتر والحجابات، وأن كان هو جزءاً منها، وقد نجحت تجربة الشاعر ( سلمان داود محمد) في أن تجد خلاصها الأثير الى قلب الشاعر، والذي غدا فيما بعد واحداً من أهم سمات وجوده الشعري ، والذي رسخ تجربته وأعطاها بعداً جمالياً ليس داخل العراق حسب بل في عموم الوطن العربي، تمكنت القصيدة الصورية من أن تأخذ حيزها المعرفي، وإن إبتعدت عن المنبرية في معظم حالاتها، وهي لا تصلح لأن تكون محط أنظار المنبر، لأنها تخضع المتلقي الى علاج تأملي قاس، ومتابعة جدية تتطلب كماً من التفسيرات التي يتوجب فك رموزها ودلالاتها والغوص داخل الوجدانية الشعرية بدقة وحرص متناهيين، يشعر المتلقي مع ((غيوم أرضيه))، أنه داخل جحيم يومي، ولكنه لايعرف كيفيات الخروج منه، مثلما لايرشد الشاعر أيضاً الى هاتيك الكيفيات، كل شيء يتأرجح، وكل شيء يطالب بالرسوخ والثبات، بل ونراه أحياناً يطالب بالتغيير النفسي، إن للحرب ضغوطاً نفسية لا يمكن الفكاك منها حتى بعد نهايتها، ومحاولة الولوج الى مدن الحياة، ثمة وجع يظل يلاحق الكلمة، ويملأ القصيدة بالصراخ ، ولهذا ظلت مجموعته الثانية (علامتي الفارقة) الصادرة في العام1996 تحاول الإبتعاد عن المؤثر الخاص بإتجاه ماهو عام سواء كان هذا العام اجتماعياً أو فكرياً، لكنها ماتلبث أن تعاود الحنين الى ذلك الماضي الذي يغسل الأرواح برذاذ البارود وانتظارات الأحلام وجفافها وموتها غير المبرر في مرات عدة ، غدت خلاصات الشعر التي كانت لها معان جديدة ، محنة شعرية الآن، لم يستطع الشعر التخلص منها ولا اعتقاده يستطيع التخلص منها أبداً، لأننا أمام تجربة حرب تتكرر، وانكسارات تتكرر وموت لايريد أن ينهي وجوده بالقرب منا ولو الى حين، حاولت (علامة فارقة) أن تمنح الصورة الشعرية مساراً آخر، أن تلونها بمعان تبعث الى شيء من البهجة، أو هي تسهم في غرس بعض من أشجار الأمل داخل نفس المتلقي، المحنة قد تكررت، وكثير ما كانت تستحوذ على كامل الوجود الشعري العراقي بعد جيل الثمانينيات انكسارات الروح الإنسانية داخل النفس الشعرية جعلت الشعراء يحاولون الهرب الى غير ما كانوا عليه، لكن بعضهم فشل في مثل هذا الخيار، فيما ظل سلمان داود محمد يلاحق ويدون كل أنواع الإنكسارات وإشارات الضياع بل وأراه يبتهج بوجودها أحياناً، أو هي التي تبتهج بوجوده، وكلاهما يتمنى لو استطاع الفكاك من الآخر وبناء صور شعريه مغايرة تمحو تلك التجارب القاسية والتي لاتريد الإنهزام وقد تجذرت وأصبحت جزءاً من سلوكياتنا الإجتماعية، ثمة حرب مخيفة خفية تلاحقنا دائماً، تقض مضاجعنا وتحيل أحلامنا الفتية الى كوابيس ، وهمهمات وضياع أبدي في مجهول من المفازات التي لا قرار لها، الحروب صيرتنا كائنات غير مستقرة الأبعاد، باحثة عن هدوء نفسي ولو لبعض حين …

ــــــ 2 ــــــ
هل الشعر محنة حقاً…. وهل الشاعر كائن ممتحن، يبحث عن مخلص منقذ في أمكنة غير مأهولة بالمنقذين، وليس ثمة من أنصار لهم ؟ تلك المحنة، هي التي خلقت الشاعر، وجعلته كائناً تأملياً، لايستطيع الفكاك من وجوده الخاص، مثلما لايستطيع الهروب الى الوجود الجمعي العام، لأنه يعتقد أن الوجود الجمعي يحتاج الى إعادة تكوين، وصياغة، وربما الى محو وإلغاء تام في أحايين كثيرة، وماذا يمكن أن يفعله الشاعر وسط ذات جمعية تستسيغ الألم بل وتسعى إليه، وتمجده، وتحنو عليه، وتهدهده، وتمنحه أوسمة رضاها ؟ عند تلك المعاني يجب أن يتوقف التحليل الذي يريد أن يعرف اتجاهات ، وموجهات الشعر العراقي بعد مرحلة الحروب وتسيدها، وعليه أن يخضع الشاعر قبل الشعر الى تحليل نفسي خاص جداً، عله يمنح المتلقي بعضاً من الإستكانة ، ويجعله يرضى بالمنجز الشعري، لأنني أرى وأعتقد أن ثمة قطيعة حاصلة الآن بين الشعر ومتلقيه، بعد أن كان الشعر هو المحرك الأساس في كافة الفعاليات الذهنية والإجتماعية والسياسية.. ترى كيف حصل هذا التراجع ومن المسؤول عنه، أهو الشاعر الهارب من الجمع المضطرب الى نفس أكثر خوفاً واضطراباً، أم تراه الجمع الذي فشل في أن يتخذ من الشاعر قدوة من الشعر منقذاً مثلما كان في سابق الأيام ؟ في كلا الأمرين ثمة خلل يجب تلافيه، وايجاد البدائل النفسية له كي لايفقد الشعر هيبته وألقه، ولا يفقد المتلقي واحداً من أهم روافد الوعي الثقافي والإنساني . لقد حفرت الشعرية العراقية الحديثة عميقاً في أسس التجريب حتى فقدت متلقي الشعر وباتت خلاصاتها في عزلتها الشعرية، غير أن ثمة عودة يقودها شعراء وجدوا أنفسهم داخل طوق المحنة ، فراحوا يبحثون عن طرق توصلهم الى غاياتهم الشعرية، وقد تمكن الشاعر سلمان داود محمد، من ايجاد مسرب نفسي، استطاع من خلاله أن يقدم أنموذجاً متقدماً للغايات الشعرية كثيرة الأغراض مع الإلحاح التام على ما انجز في مجاميعه الشعرية السابقة، في اللاحق ( واوي الجماعة) وهو تحريف نفسي لخطاب واضح الإشارة حيث استطاعت القصيدة أن تحتفي بوجودها المغاير دون أن تشير أو تزيح الآخر مهما كان، ثمة خصوصية الآن تبدأ من تلك الإشارة التي جاءت خارج المتن ( موبايلات اولي الأمر بلا هديل … و( عراقنا) في مراودة الحمام بلا شبكة) ذلك المدخل يمكن أن يحدد ما ستكون عليه القصائد والنصوص القادمة والتي تحددت في قضيتين أساسيتين، المحنة بوصفها منتجاً إبداعياً، والمتلقي بوصفه الرافض العراف، بل والمنتج للصور الشعرية المعادة التكوين، يلتفت الشاعر الى أن ( الشتاء الآن أكثر شتاء من ذي قبل بينما السعادة عمل مشين كذلك ) إذ أن الإنقلاب حاصل داخل الصورة التي يجب ان ترتكز الى معنى مألوف وحدود معرفية موجودة، لكن لعبة الشعر تحتم عليه أن يعطي الصورة مؤثراً نفسياً اذ كيف يمكن للشتاء أن يغدوا أكثر شتاءً بغير الإنفصال والتجزيئة ثم إعادة الخلق مع تحطيم فكرة السعادة النفسية، والإشتغال النفسي هو الذي يجعل الشاعر يلهب ذاته بل ويجلدها أحياتنا بسياط من القهر والكراهيات : (( أيها الناس …. أن في جعبة الغبي .. طرائق فذه لقيادة الزهور… والدليل….. أرواحنا التي بمقدار اكليل في مكب النفايات) هذا الصورة الوقحة التي تبدأ بهدوء خطابي عاقل متزن ثم تتراجع الى حيز نفسي آخر حيث تشير الى مجهول هو المتسيد القائد العارف بغبائه، والشاعر انما يريد التعريف بهذا الغباء والإشارة إليه كي لا تتحول اللوحات الجمالية الى مجرد شيء تافه لا أحد يكترث له وبهذا تذهب أرواحنا الجمعية الى مكب النفايات دون أن تثير اهتماماً أو احتجاجاً ، وتحت ضغط هذه المفاصل الإشكالية يتدرج التصوير ضمن دائرة من الوعي محاولاً الإنتماء الى عمق السردية النصية والتي تعمل على الإقتراب من الشعر وتوفير كم من المناخات لدى المتلقي لقراءات متعددة و فاعلة، : // تلاعبنا بسمعة الملكوت كثيراً …… وأتخذنا من الوحل فصيلة دم .. فأخذتنا العزة بالبلد… ومضت الإنجراحات…. تكشر بأسهاب يغص بحنجرة.. ــ كم استبشعوك .. يادرع الله في الرزايا وتضاحكوا من ميلانك المزمن نحو التراب ….. صاحوا بك تكرراً… هيه.. أنت يا أحدب الرمح ألا تغني لنا // تحدث داخل هذه الصور الشعرية العالية السرد هوة فكرية يحاول الشاعر إعادة ترتيب قصديتها عله يتوصل من خلال هذا القصد الى فرضية الإهتزاز الوجداني الفاعل والباعث على التغيير، لهذا نراه يشير مراراً الى التحولات غير المتجانسة، والى الأفعال غير القادرة على حبك قيمة الفعل المؤثر والرسوخ داخل الأعماق ، وكي يلعب الشاعر لعبته الأثيرة، يرفض التخيل رفضاً قاطعاً فليس ثمة ما يجعله ينداح باتجاه التخيل وتبنيه لأنه لا يجب أن يطمئن الى الصور المتخيلة أو المتخذة من الوهم غطاء سردياً لها آخذاً بالاعتبار وهو يسعى ليقدم الواقع الذي يستند الى الإعادة والى النمط المعرفي الحقيقي الذي يعمل على محاولة تأسيس تاريخ معرفي من خلال الشعر ، وقد اعتاد سلمان داود محمد ولوج المتن الحكائي المعاد الصياغة ، ليس لشيء سوى محاولاته في تأسيس نوع من أنواع التسلسلات التي تعمل عند خطوط الخارج الصانع والداخل الذي يقوم بدور التجسيد الإنساني ، ففي نص أسماه الشاعر ( قدري قاد بقرنا ) وهو مدخل محال الى رمزين مهمين الأول الطفولة الأولى المشكلة الى معالم الإكتشاف والآخر الإستحالة التي من خلالها يجد تأثير الطفولة في الفعل المعرفي المستقر ، يعمل الشاعر على أن يخلق نوعاً من التوازن النفسي بين الواقع الغريب غير المعتاد والمطرود من مصباح علاء الدين وهو نفسه المشطوب من مليشيات كرة السلة وبين الدعوة الوعي الجمالي حتى لحظة التماهي مع التاريخ حيث السدارات التي تفوح من جثامين مقاصده ، أطاريح العمائم التي تتبجح أحياناً بأعظمية فوكو وأحيانا بكاظمية غاروديين جدد، ذلك الإكتظاظ المعرفي الحاضر هو الذي يحيل المتلقي الى عارف كلي المعرفة، والى مكتشف آخر لواقع يعرفه من قبل ولكنه ينكر وجوده الكلي، ثمة الكثير من اليومي غير المألوف، لكن سلمان داود محمد يرقبه بفطنة الماكر، ويعيد حركته بقوة الصورة الشعرية ومؤثراتها التي تبعث على الخجل أحيانا كثيرة؟

ـــــ 3 ـــ
الشعر احتجاج وصراخ ، قد يبدو معطلاً للوهلة الأولى، لأنه غير قادر على التأثير المباشر، لهذا نرى الشاعر أقرب الكائنات سقوطاً في جحيم العذاب النفسي والإجتماعي، أنه يرى بعيني العجز، ويحلم بعيني الكتابة، ويعيد البناء الشعري بعيني الوهم، لهذا تظل معانيه أسيرة الأمكنة التي يوجد بها حتى مجيء المكتشف الذي يستطيع حفر المتروكات والمطمورات ليقدمها على أنها نتاج وعي جمالي معترض . هل يمكن للصورة القاتمة أن تسهم في ابقاء الشاعر حراً ، أم تراها تزيد قيوده قيوداً وتسقطه في برك الإنكسار وعدم الإستقرار والبؤس الإنهزامي، هل فعلاً الشعراء كائنات مهزومة تبحث عن منقذ، كائنات تريد تلوين وجه الأرض لكنها لاتجيد استخدام الألوان لهذا تراها تلوح بخرابات النفوس وتدعو الى عوالم لا يمكن أن تتحقق وتكون ؟ أعتقد أن الشاعر وجود حاضر غير محمي ألبته مهما اعتقد القوة أو اتخذها سبيلاً لتكوين وجوده الشعري فيظل أسير رؤاه التي تحاول أن تخلق الأحلام، يقول عزيز السيد جاسم ( الشاعر فضّاح… والشعر فضيحة) كيف استنتج السيد جاسم هذا الإستنتاج الذي أراه حجة معرفية تحتاج الى أكثر من مدخل تحليلي، والى أكثر من مقصد قرائي لتؤكيد الحضور أو نفيه : // الحرب حضارة من قش… والهدنة مشغولة بتربية الشرار… يعجبني أن أموت الآن يا حبيبتي .. وما من أحد يؤازرني في تحقيق هذا الأمل… إلا انت….. أنت أيتها البلاد // ضمن هذا الإعتراف الأكيد تبدو مقولة المفكر( عزيز السيد جاسم ) تامة وحقيقية لقد فضحت الصور الشعريه سلمان داود محمد ، بعد أن كان خائفاً هارباً من الموت الى معالم ومدن وأحلام شديدة الحزن، يتمنى الموت ولا يريد لموته أن يتم دون مؤازرة الحبيبة الوحيدة.. والشديدة التأثير والمشيدة لنفسية الشاعر ولوجوده كله..البلاد، يختصر الشاعر.. أو تختصر الصورة الشعرية جموع من الموتى أو الذين يتمنون الموت تحت فعل الحرب التي لاترمي الى شيء سوى أن تشيّد حضارة هاوية خاوية عقيمة من القش، حضارة لا أمل فيها ولايمكن أن تمنح الإنسان أملاً، لهذا يغدو الموت وكأنه الخلاص الوحيد،، الرغبة الوحيدة القادرة على تحقيق الحلم الأبدي، ولكن كيف يمكن للبلاد أن تحضر لحظات القسوة التي تحول الشعراء الى فناء. ماذا يتبقى من الجمال إن أسهمت البلاد ولو لمجرد الحضور في موت الشعر والشاعر معاً، أوليست لحظة الختام ستكون أشد اللحظات فتكاً في الروح الإنسانية بعامتها، أو يمكن أن ننسى الآن تلك الوقفة التي وقفها لوركا وهو ينتظر انهمار الرصاص على قصائدة قبل جسدة، الأزيز الذي مر سريعاً لا تزال اسبانيا كلها تنصت إليه، تتوجع من أجله، بل ربما تبكي محاولة التكفير عن ذنب مقتل شاعر زرع وكان يجب أن يستمر بزراعة القصائد الباعثة على الأمل والجمال، الحروب ماكنة حصاد لمزارع أحلامنا، فكيف اذا استسلم الشعر لها ورأيناه يتهاوى، تلك اللحظة الغريبة :
// اذن لا أثر للكلمات بعد حفل كهذا ولا أثر،
سوى بقية أبجدية مبعثرة
في صباحات الدخان ودبيب الجمر في الورق….
جمعت حروفها بأصابع دامعة
ووجد طعين ، فكان( اسمكِ)
اسمك الذي لم يحترق
فآمنت به
وصليت عليه
و …….
اشتعلت …. سلمان داود محمد // …
تشتعل المسافات الشعرية، دون مقاصد إشارية هذه المرة، بل هي محاولة لخلق نوع من أنواع الإفتراضات التي يريد الشاعر تعميمها وتوكيد وجودها الأزلي، كل ما حول الشاعر يحترق، وهو فعلاً هكذا ولكن الأمل الوحيد الذي يبقى جاهزاً للوجود الشعري هو ذلك الحضور الذي جعل الشعر والشاعر يمتزجان معاً في لحظة اشتعال ، لسوف تبقى مرتكزاً يعيد التوازن النفسي الذي ارتبك كثيراً بين الشعر ومتلقية …

ـــــ 4 ــــ
حين يهيمن السرد اليومي على روح النص الشعري، لابد للمتلقي من لحظات وعي خاصة يحاول من خلالها معرفة السر الذي جعل الشاعر يتبنى هذه الطرق، وماء به الشاعر من حيل معرفية استطاع من خلالها تمرير رغباته الشعرية وايصالها الى غاياتها المعرفية الجمالية المنشودة . في السرد ثمة ظواهر لايستطيع الشعر احتوائها، وأنا هنا أتحدث عن قصيدة النثر الى يجسدها الشاعر ( سلمان داود محمد) لأنها تختص بمديات البوح النفسي الطويلة والأزمنة المتكررة التي تعجز قصيدة النثر عن مواكبتها أو تبنيها، ثمة مكان واحد هو الذي تشتغل عليه ومن أجله القصيدة، وثمة غياب مقصود للزمان، لأنه لا يعني الكثير ، ما دامت الأزمنة بالنسبة للشاعر والمتلقي قد اشتركت في جميع المواصفات ولم تترك ملمحاً واحداً يجعلنا نفصل بين زمن وآخر، ومحاولة ابعاد الزمن وقصديته العلنية تجعلنا نتامل السياق الدرامي للقصيدة، لأن الدراما بوصفها مؤثراً وجدانياً داخل النص لايمكن أن تكتمل وتؤدي تأثيرها التطهيري دون زمكانية، ودون حدث حتى وأن كان هذا الحدث بسيطاً وغير واضح الأبعاد، ومن خلال هذا الوعي المغاير يحاول سلمان داود محمد تبرير فعلته الصناعية، وبناء ملمح نفسي لدى المتلقي، الذي سيظل حائراً وأن أسهم هو أيضاً في تشييد معمارية النص والواقع معاً :
// لأني مشتبه به
في اعتناق أزاهيرك
اعتقلوا الحدائق كلها
في
ثكنات
تصنيع
الـ …….
……
عطور // …
تبدو اللحظة واضحة الدقة داخل السياقات السردية، ولكنها متشظية لا تبوح ولا تعلن عن نفسها بسهولة، لأنها تدخل عن عمد في عالم الإعمام الشعري، تاركة المتلقي وحده ليحدد المكان والزمان وقيم الخطاب والمرسل إليه، ثمة أنثى، هذا واضح، وهذه الأنثى القريبة أسهم الشاعر نفسه عند لحظة وجد وهيام قد يكونان متخيلين في فتح الصورة الشعرية تجاه خطاب مغاير، هو الإعتقال للجمال، ومثل هذه الإشارة الأدائية تمنح المتلقي ردود أفعال خارج سياقات الإعتياد، هل يمكن حقا اعتقال الحدائق.. وكيف وهي مصدر الإبتهاج والديمومة، ومصدر الحياة كلها، ولكي يكمل الشاعر سرديته الماكرة.. وبعد أن يترك فراغاً نفسياً رهيباً وهو يشير الى الثكنات التي هي ارث الماضي وحنينه المتصل بالواقع والتصنيع ومخاوفه الإرثية، يعاود الوجود ليشير الى أن التصنيع الذي تم الإعتقال فيه إنما هو تصنيع للعطور، ومن خلال هذه الإشارة تبدو عملية الإعتقال مقنعة، وحقيقية ومرضية أيضاً ، لأن الإعتناق الذي تم في البدء إنما سببه ذلك الإعتقال داخل معامل تصنيع العقول، العقلانية الفاعلة، الباحثة عن صدمة التلقي وهي الأقرب الى المسرح وهي التي تحرك النص النثري، وتمنحه قوة خارج زمكانيته، وهذه القوة تجعل الشاعر يستمري هذه اللعبة ، ويحاول تكرارها في أكثر من صورة ومشهد، وربما في أكثر من قصيدة، مستخدماً أكثر من مستوى من مستويات الوعي الذاتي رافضاً المتخيل غير المرتبط بالواقع، ثمة واقع هنا موجود ولا يمكن زحزحته أو ابعاده، واقع يتوافر على اشارات تنبؤية ولكنها تعمل على مــــــنح المــــــــتلقي مجموعة تفســــيرات مـــنـــــطقية مقبولة بل ومتبـــــناة .

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *