فؤاد قنديل: نساء وألغام (7)

لم تقصد إلى البوابة الرئيسية المكبلة بالحديد، توجهت إلى باب حديدي صغير فى نهاية سور الفيلا.. ضغطت زراً فأضاءت لمبة داخل فانوس من الزجاج يحيط به هيكل نحاس.. بدأت تخطو فوق ممر من الخضرة على جانبيه شجيرات تتوجها أزهار ملونة.. تبعتها.. مضى الممر بها وبي إلى ما وراء القصر الكبير، قبل أن يغيبني القصر نظرت خلفي، لم يكن ثمة مخلوق.
نادتني.. تبعتها.. ضغطت زراً فازدهر المكان بالنور.. كان هناك مبني صغير، دخلت وأنا فى إثرها.. انحنت على الأرض والتقطت ورقة وضحكت.
ـ ماذا هناك؟
ـ صديقتى التى تقيم معي، لن تبيت الليلة هنا.
ـ هل تسكن معك أخرى؟
ـ أنا الذى أسكن معها، أنها زميلتي فى الشركة.
ـ وهذه الفيلا؟
ـ فيلا عمها وهو رجل أعمال كبير، جذبه العمل منذ سنوات إلى أمريكا وكندا، سمح لها بالإقامة فى هذه الدار الصغيرة.
ـ وهى سمحت لك؟
ـ وأنا سمحت لك.
فى أول كرسي قعدت. كنت أشعر بحاجة ماسة إلى الجلوس، كنت أشعر بالظمأ والبرد.
ـ هيا.. خذ لك حماماً ساخناً.
ـ لقد اغتسلت قبل لقائك مباشرة.
ـ سوف أعد بسرعة طبقين من المكرونة.
ـ كوب من الماء المثلج الآن أفضل.
جاءتني بكوب طويل من الماء ومضت إلى الداخل.. أسرعت إلى باب الشقة فأغلقته بالمزلاج والمفتاح من الداخل، شعرت ببعض الراحة رغم ما كنت أجتازه من دروب مخيفة، وما كان ينتابني من هواجس.. لطالماً ألقيت بنفسي فى المآزق، دائما كانت هناك عناية الله. فهل تراها تعمل هنا أيضاً؟.
وهى تعبر حجرتها إلى المطبخ فى بلوزة قصيرة وشورت.. قالت:
ـ استرح بالداخل وتخفف.
دخلت حجرتها.. فرغت كل جيوبي من الأوراق والنقود ووضعتها على سطح الدولاب بعيدا عن أي يد أو عين.. تخلصت من الحذاء والجوارب.. تأكدت من أن النافذة مغلقة.
سألتني من المطبخ: ما اسمك؟
لا يجب أن أذكره.. أجبتها بلا جهد:
ـ صادق.. وأنت.
ـ ماري.. ماري ويزل.
  وجدت على منضدة صغيرة عدة كتب.. قلبت فيها، رواية لكاتب إيطالي اسمه دينو بوتزاتي ورواية يبدو أنها جنسية لكاتبة فرنسية اسمها مونيك لانج.. ورواية تسمي “رابت” الأرنب لجون أبدايك.. فتحت دولابها.. بعثرت نظراتي فيه بلا عناية.. أغلقته.. مضيت إلى الحمام.. تأملته وأنا أتبول البيرة.. مررت عليها بالمطبخ ودارت فيه نظراتي.. كانت تعمل بحماس ورشاقة وفخذاها المرمريان يتألقان أسفل “الشورت”.
ـ تعال.
ـ لا أحب المطبخ.
 عدت إلى حجرتها، وفى الطريق فتحت باب غرفة صديقتها، لكني أسرعت فأغلقتها وتمددت على السرير.
كان ثمة إلحاح يبقيني هنا فى قلب المعركة، على أمل أن أذوق طعماً خاصاً وفريداً للتجربة..  
  تقدمت إلى ساحة العرش الممتد بأبهاء روما، قلبي يدق، لكني أتقدم.. قلبي يحدثني بقرب النهاية المفجعة، هأنذا أتأهب لها وأستسلم.. فلتكن النهاية ما تكون.. يكفي أن أتخلص من اعتيادي لون الأيام الصدئة وطعم الأحلام الخرساء والدوائر المرسومة، لتكن النهاية ما تكون، لكني أخشي على أمي المنتظرة من سيف الصدمة.
ـ اختفي ولا أثر له.
ـ ولدي.. كبدي.
ـ روحي وضناي.
ـ وجدوه مقتولا بغرفته بالفندق.
  لن تنطق حرفاً.. ستموت على الفور.. لا.. اطمئني يا أمي ولا تقفي أمام الأيام المجلوة.. روما مرآة تعكس قلب الشمس.. روما كأس ذابت فيه تواريخ الكواكب.
مضت الأفكار تطارحني التأمل.. تخيلت حوارا بيني وبين بلدي التى تختزلها القرية.
تذكرت قريتي المسكينة التى تقبع راضية و مكرهة على بعد من المدينة مقداره خمس كيلو مترات من التراب.. طال دورانها حولي وإلحاحها على.. وجدتني أقول لها:
أيتها القرية الطيبة..
يا أطيب قرى العالم.. أرجو أن تصرفي عني الآن تذكاراتك الأثيرة.. اطمئني فمنقوش فى صدري إلى الأبد عرق حواريك المظلمة وصفصافتي وأرضنا الصغيرة والبهائم وأكوام السباخ والطيور الوديعة والأشجار الحنون.
 حصى السيجة وزفة المولد والعيش السخن ومقام سيدي أبو نوار.. حياء النساء وأسرارهن.. حكمة جدي وسيرة عنترة والهلالية وبيبرس وهوجة عرابي ومشية أبو قردان وتوتر الهدهد وقفز الأرنب وصوت الخفافيش فى الطاحونة المهجورة وزحام المتسولين أمام السيد والسيدة.. اطمئني فما زالت بأنفي طيوب المساجد وأمام عيني الآن أقدام أهالينا المشققة وديوكنا الرومية تتهادي فى صحن الدار وضحكاتها المتغطرسة تجلجل إذا الصمت ساد، وألفونس الذى كان فى رمضان يصوم معي.
 يا صاحبة القلب المتأجج دوما بالشوق إلى الأحباب.. لا تخافي.. لن تحرضني البيضاء الجميلة عليك.. ولا تخشي على من دهشتي، أنا كما عهدتني أسلمها لله فسلميها.. خلي الآن ما بيني وبين التجربة.. لن أقطع حبلي السري، ولو حاولت لا ينقطع.
  وجهك لا ينطمس، ولا تعلوه كتابة أخرى غير ما كتب الله فى الزمن الوليد فاطمئني.. قد يكون الرجوع إليك أمان من مهالك، ولكن فيه الندم، وأنا كما تعلمين لا أطيق الندم.
  هذا أنا كما أردت، أنت صنعت بي ذاك الولد.. ساذج.. متوجس.. مرتعد.. يخشى على القلب من حرق الثياب.
 (سمعت صراخ اللحم المستجير.. بلغت أنفي رائحة الشواء).. كيف حالهم فى مصر.. أمي وأبي وأخوتي.. هل تراها آخر مرة يخطرون ببالي، لم أشتر بعد الهدايا الواجبة.
  ظهرت أمامي فجأة تجفف يدها فى منشفة ملونة، ابتسمت وهى تقول: أرأيت لقد انتهيت.
ـ برافو.
 كان بجواري دينو بوتزاتي.
ـ هل تحب القراءة؟
ـ نعم.
ـ أي لون من الكتب؟
ـ أي لون يضيف لي معرفة بالنفس البشرية.
ـ هذا ليس فى الكتب.
  أيدتها وحسدتها على إجاباتها الجاهزة.. ماذا أفعل وأنا مغرم بالكتب ؟.. تذكرت من جديد أنها يهودية.. تمثل لي الرجل الأحمر ذو العين الزجاجية.
ـ دقائق فى الحمام وأكون بعدها معك.
مضت إلى الحمام وأسرعت أنا إلى المطبخ، فأخذت سكيناً وضعته فوق سطح الدولاب مع الأوراق، لم أشأ أن أضعه تحت الوسادة فالعثور عليه سهل.
  طلعت علىَّ فى قميص قصير شفاف، لا شئ تحته إلا الجسد المتألق.. كانت نظرة واحدة إلى الصدر المستبد كفيلة بطرد الأفكار المحمومة.. وكان لخطوها دمدمة وهزيم.. قفزت نحوها لأستقبلها.. دنوت منها.. سبقتها رائحة ناعمة ومميزة.
ـ لقميصك رائحة المطر.
ـ قميصي قطعة من جسدي.
  تفجر الشره المختزن فى دمائي منذ ولدتني أمي، قبلتني على خدي وأبعدتني عنها.. هجمت عليها وأخفيتها فى صدري.. غمرتني رائحة لحمها الطري الطازج الفواح.. برقة أبعدتني.
ـ تمهل.
  جلسنا على منضدة فى المطبخ نأكل دون أن أستمتع بطعم الأكل الذى كان ولا شك شهيا.
ـ هل هذه الفتاة يهودية؟
ـ ولماذا لا تكون، ما دخل ديانتها فى جسدها وجمالها ؟.
ـ الصهاينة غيروا فكرتنا تماماً عن اليهودية بوصفها دين.
ـ توقعت أن يكون لجسدها رائحة منفرة.
ـ هل حقاً سيسلم نفسه كل هذا الجمال الموغل فى الوحشية ؟!.
ـ ماذا بعد التهام الجمال؟
ـ لتكن النتائج ما تكون.
ـ لماذا لا تأكل؟
ـ بل آكل.
ـ ألا يعجبك؟
ـ إنه..
 انشق جسدي نصفين عندما سمعت جرس الباب، كان يرن فى عنف زائد.. ارتعدت كل خلية فى جسدي وتوترت كل أعصابي.. قست بسرعة المسافة بيني وبين الدولاب الذى يعلوه السكين، ثم تذكرت أن بيدي سكيناً.
همت ماري بالقيام أشرت إليها محذرا من التحرك.
أطبقت على المكان لحظات صمت، حتى تصورت أن هذه الشقة نقلت من موضعها إلى أعماق الأرض. سقط قلبي فى قدمي وكاد يئن من الرهبة وسوء الظن.. بدا الصمت كأنه يتحداني، ولم أستطع أن أري نفسي فى أي ضوء بطولي.. تأكدت الآن أن الطريق مفتوح تماماً كي تتقدم نحوي موتة بشعة.  
 توجهت صوب الباب.. نظرت بالعين السحرية.. لم أجد أحدا.. ثم دوي جرس آخر.. تملكني الرعب.. فتحت الشراعة بحذر ربع فتحة، وجدت طفلاً جميلاً، ينتظر فى أدب أن يفتح الباب.. أعدت الشراعة بنعومة شديدة، وأعدت كل قطعة فى جسدي إلى موضعها.
ـ سألتني.. قلت لها: طفل صغير.
ـ لعله باولو ابن جارتنا.. أنه حبيبي، لماذا لم تفتح له ؟.
  دنوت منها.. أبعدتني بلباقة وقامت ترفع الأطباق، غسلت يديها وفمها بالصابون مرتين.. وغسلت أسنانها بالفرشاة، وتعطرت وصبت على عطراً رجالياً.
 تأملتها وهى تتقدم نحوي فى هدوء، وعلى الشفتين ابتسامة مرحبة ومشجعة.. القميص الشفيف يبرق على الجسد الرخامي الأحمر، فيبدو لحظة أبيض وفى لحظة أخرى فضي وفى ثالثة رمادي، ثم لا يبدو على الإطلاق.
  داهمتني رعشة.. لمحت الكتف العاري البض المستدير، كرة من الوهج المستعر.. دنوت منها.. بذلت جهداً خرافياً كي أبدأ فى هدوء.. قبلتها.. كان لشفتيها طعم البارود.. نفس رائحة حبش وإيطاليا الذى كان لعبتنا الأثيرة ونحن أطفال.. توالت القبلات فى احتدام وتأهبت لاجتياز العتبات المتوهجة.
 حين لمس جسدها العريان جسدي العريان، تكشفت بعض الأسرار المبهمة، وقرأت بعض حروف من كتاب الخلق، وأتيح لي فى البداية أن أتذوق طعم اللحظة بكل كياني.. أحسست بالحر الشديد فجأة وطرقت رأسي صورة الرجل الأصلع، فطردته بعنف وطردت كل شئ.. أطلقت لنفسي العنان واستسلمت للبحر العاتي.. نسيت الأصلع والسكين والقضية، ونسيت أنها يهودية، وأني.
 بدأت تتلوي كالثعبان، وتنقش على جسدي صوراً لحيوانات مجنونة لا أظنها تعيش إلا فى أعمق أعماق البحر، وصوراً لطيور بأجنحة فضية لا تكف عن الغناء.. هل يمكن أن تعيش هذه الطيور إلا فى السماء السابعة؟
 شرعت فى الطلوع نشوتها الوهاجة وأنا مبهور أتعلم وبسرعة غريبة أتعلم.. هل كانت مهرة اليهود أم مهرة الغرب أم مهرة العشق.. أم تراها كانت الحكم الصادر بإعدام السنوات المملة؟
 تغلغل فىَّ عطرها وضوءها والسحر الجميل.. تلاشت المسافات والكلمات وأوهام الذاكرة.. تكشفت لي أعماقي الخربة وجوعي للسرور الشجي.
 اجتزنا ممراً إلى الليل المبارك وطلعنا منه إلى ربوة ووقت كسول.. ها هو النبع الذى تاقت إليه حقولي.
   عدت أتأمل ـ حين أتيحت الفرصة ـ فى دراما الوجود وعبقرية الخلق.. هذا التشكيل الإلهي، وكيان المرأة اللطيف المسيطر وجسدها ليس فقط القائد السيمفوني البارع ولكنه فرقة موسيقية هائلة.. لا أستطيع المقارنة بين ما أنا فيه وما تصورته جنساً.
  أحسست بعد حين بالمساء وتحلل الأشياء، وأبصرت دمي يتسرب من عروقي كدخان يعلو ثم يتلاشى، وتكسرت فى جسدي المرايا وأعتم اللؤلؤ.. فى سكون تمدد النخيل ونام.
ـ استيقظ وشاهد جسدي المشوه، لن أصلح لشئ بعد ذلك.
  صحوت دون أن أفتح عيني.. على قبلاتها تغمر وجهي، فتذكرت أين أنا، وأدركت أن لي جسدا محطماً وجفناً ثقيلاً.
ـ صباح الخير.
ـ أرني يديك.. أنت بلا أظافر، فكيف نبتت بالليل لك المخالب.
  فتحت أخيراً عيني، فداهمني ضوء نهار جديد.. كانت عريانة يمتلأ جسدها بالبقع الحمراء.. هالني ما فعلت وما تخلف عن النار من رماد.. أسرعت بارتداء ملابسي.. وضعت على المنضدة ثلاثين ألف ليرة.. سألتني:
ـ إلى أين؟
ـ إلى الشارع
ـ ألم تقل أنك ستبقي عدة أيام أخرى؟
ـ .. .. ..
ـ ما رأيك أن تبقي معي وسأقوم أنا بعرض روما عليك والذى ستدفعه فى الفندق، أدفعه لي، ولن تدفع شيئا فى الأمسيات ولا حتى فى الطعام، أما البنزين فعليك.
ـ سأذهب أولا ثم أفكر.
ـ هيا إذن.. سأخذك فى طريقي.. أين الفندق؟
ذكرت لها اسم فندق قريب من الذى أنزل فيه، أوصلتني بسيارتها المدورة، وقبل أن أنزل قالت:
ـ هل يسمحون لي بالعيش فى مصر؟
 أظنني كنت سأقع من طولي لو كنت واقفاً، كنت لا أزال بالسيارة، نهضت لأكسب وقتاً وأفكر.. انحنيت وسألتها: ولماذا مصر بالذات!
 ضحكت ونظرت إلى نظرة ذات مغزي، ثم قالت:
ـ سأمر عليك بعد خروجي من الشركة.
  دخلت الفندق حتى تغيب عني وأغيب عنها.. استقبلني بسرعة شخص أنيق.. سألته على الفور:
ـ هل تنزل هنا سيدة اسمها ماري ويزل.
 بحث فى دفتره ثم قال: لا..
 شكرته وعدت إلى الفندق.. أنهيت إقامتي فوراً وأسرعت بمغادرة روما.

* * * * *
كان عدد من المصريين أصحاب الخبرة بشراء السيارات قد نصحنى بالاتجاه إلى نابولى . من هناك يمكن شراء سيارة موديل حديث فى حدود مليونين ونصف المليون ولا تتجاوز ثلاثة ملايين  ليرة . كانت معى شيكات سياحية بمبلغ أربعة ملايين و المليون الباقي ربما يكفى  مصروفات نزهاتي وإقامتي وعودتي والجمارك.
      ركبت القطار من محطة روما، وانطلق بي عبر الوديان والسهول والغابات من الشمال إلى الجنوب، وأنا بين وقت يلتهمه النوم أندم عليه، ووقت يسعدني بالمشاهد الرائعة والخضرة المنتشية بالنضرة والجمال، تتيه فى غمرة عشقها للوجود والطيور والسماء الرءوم، والسحاب الذى يواليها بالأمطار كلما ظمأت وتأوهت.. غرام لا تدركه العيون والقلوب إلا فيما ندر بين العصافير والعنادل والفضاءات الندية بفوح العبير، وهى واقعة تحت تأثير اللوحات التشكيلية الربانية التى ترسمها برهافة ومزاج ملامح الطبيعة العاشقة المتوحشة.
نهر التايبر يجتهد ألا يتخلى عن القطار وركابه.. القطار مثل قلم رصاص ضخم يرسم خطا من الاستقامة المتحركة التى لا يقبل بها النهر فقد تعود الغواية، وهو يشق طريقه تحت الجسور وبين الجبال ويبتعد حينا ثم يدنو، ويتلوى كثعبان، القطار تلميذ مجتهد وملتزم، والنهر فنان يمضي حيث يهوي فؤاده، وحيث يهوي فوق أرض إيطالية عرفت الكثير من الصعود والهبوط على شرف التاريخ والجغرافيا.
وصلت نابولي وغادرت المحطة. أسرع التاكسي يقف أمامي.. طلبت إلي سائقه أن يوصلني إلى فندق فينسيا. دار بي نحو ثلث الساعة فى شوارع كثيرة، حتى أوصلني. شكرته وكدت أسحب شكري عندما طلب ثلاثين ألف ليرة .لكني منحته ما طلب، تأكدت من اسم الفندق، وتأهبت للدخول .. لمحت مبني ضخماً أمامي، استشعرت أني أعرفه، لقد كان محطة السكة الحديد التى تبعد خمسين مترا عن الفندق.. كظمت غيظي وألقيت بالحقائب.. أسرعت متخففاً أجوس فى المدينة بادئا بزيارة الخليج المشهور بمشهده الرائع على ساحل البحر التيراني جنوب إيطاليا، وكنت أعرف من قراءاتي أن المدينة بناها الإغريق قبل الميلاد بخمسمائة عام وسموها نيا بولس.
  المدينة عامرة بالحياة، مزدحمة بالبشر والباعة الجائلين وشركات السياحة.. ذهبت إلى ساحة غاريبالدي حيث جلست إلى تمثاله أسأله عن حقيقة دوره فى توحيد إيطاليا.. حدثني عمن ظهروا بعد موته لينكروا عليه ما فعل. قلت له : فى بلادنا أيضا يحدث هذا فلا تبتأس .
 سألت طويلاً عن قبر الشاعر الإيطالي الكبير فرجيل، الذى أعلم أنه موجود فى نابولي، حتى عرفت الطريق إليه، ولم تسمح الظروف التى تعاقبت بحدة لزيارته، وهو من الشعراء الذين أعجبت بهم منذ أيام الصبا.
 زرت فى اليوم الثاني قرية بومبي المجاورة لبركان فيزوف وقد دمرها عام 79م فى احدي ثوراته المتعاقبة التى تصاحبها فى العادة هزات أرضية .  لا يذكر المؤرخون كل ثوراته ، لكنهم يؤكدون أنه ثار عام 1631م لمدة عشرين يوما ويقال ربما من قبيل المبالغة  إن أتربة حممه الناعمة وصلت إلى مدينة القسطنطينية، كما ثار فى عام 1767 واستمر لمدة شهر، وثار عام 1822 لمدة 18 يوماً، وأخر ثوراته كانت فى عام مولدي 1944، وأقسم أن أمي لم تلدني بالقرب منه ولا صدر  عنها أو عنى ما أغضبه.. تصاحب ثورته فى العادة هزات أرضية.
 كان الدليل يصف لنا آثار مدينة بومبي، وهى ليست أكثر من أحجار متناثرة وبقايا جدران متواضعة ..أخذ يتحدث طويلاً عن أهمية القرية وآثارها ويصف معالمها قبل أن يسحقها البركان الذى لم يبق منها إلا الخرائب.. كان يتحدث بزهو، ولما انتهي سألته عن الآثار التى يجب أن نراها، فقال:
ـ هذه هى الآثار.
   ابتسمت..
  كانت إلى جانبي عجوز إنجليزية تدنو من الثمانين  على كرسي متحرك.. قالت له:
ـ الأستاذ من مصر.
رحب الرجل وقال:
ـ الآن فهمت مغزى سؤالك.. فلا مجال للمقارنة، لكنني أصف المدينة وشوارعها ومحلاتها ومبانيها التى كانت.
        كنت قد لاحظت العجوز ونحن نمر بالقرى تعاني، خاصة عند الصعود فقررت مرافقتها ،  وعند قرية ” بوسيتانو”  سألتني سؤالا مفاجئاً:
ـ ماذا تسمون هذه القرية بالعربية؟
  احترت ماذا أقول.. ثم رأيت قرباً بين اسم القرية وكلمتي بوسي تاني.
قلت لها: كِسْ مى أجين.
أشرق وجهها وكأنها رجعت سنوات وقالت:
ـ  أوه..اللغة العربية رائعة.. لابد أن أزور مصر وبعض الدول العربية إذا أمكن وأحاول تعلم لغتكم
    زرت أيضاً مدينة هيراكلنيوم، وقد جري لها ما جري لبومبي، وتنشر الكتب السياحية رسوماً وصوراً متخيلة للمدينتين توضح ما كانتا عليه من جمال وعمران.
  سألت موظف الاستقبال  فى الفندق عن أسواق السيارات، قال:
ـ  إذا كنت تود شراء سيارة فإن له صديقا خبيراً فى السيارات وأنواعها وأسعارها وأسواقها، وإذا رغبت استدعيته لك.
 جاء ماركو فى المساء وسألني عن رغبتي فأبدي استعداده لمساعدتي واتفقنا أن يمر علىّ صباحاً بسيارته لنذهب إلى سوق خارج  المدينة.
  نزلت من الفندق فوجدته مستعدا، وانطلقنا بسيارته الفيات 125 وكان يسير بسرعة غير محتملة، ويتحدث كثيرا ولا يهتم بالطريق وأوشكنا على الموت عدة مرات، يخترق الأزقة ويصعد المرتفعات ويمرق من بين الشاحنات الضخمة حتى تصورت أحيانا أنه يود أن يمر من تحتها.. لم أكن أفهم من حديثه إلا القليل،  كنت قد قرأت كتاباً عن كيفية تعلم الإيطالية، وأكاد أكون قد حفظته، وأضفت إليه كلمات تعلمتها فى ليبيا، لكن ذلك كله لم يكن كافياً على الإطلاق حتى بغد أن لويت بعض الكلمات الفرنسية التى أعرفها لتصبح إيطالية .. استطعت بما لدي أن أطلب طعاماً وسيارة وحجرة وأحيي وأرد التحية وأسأل عن العناوين وأصف بعض الأمور.
  وصلنا إلى المعرض، والتقيت بصاحبه .. عرض على بعض السيارات، وختم حديثه بأنه يرشح لي سيارة ستروين بوصفها متينة جدا وسريعة جدا ورخيصة جداً وموثوق بها جدا و..و.. والحق أني أسمع عنها كلاماً طيباً، وهى بالطبع أفضل من الفيات.. درت حولها وفحصتها ومعرفتي بها ليست قليلة . كنت قد قدتها فى ليبيا،  فهى سيارة روجيه صانع العلامات الفرنسي.   
      اتفقنا، وجلست إلى المكتب أظهر الشيكات السياحية بقيمة مليونين وخمسمائة ألف ليرة. وقف ماركو وصاحب المعرض ومساعده بعيدا فى انتظاري، وهم يتحدثون، وإذا بشخص يهمس لي من خلفي بالإيطالية ويطلب منى بإلحاح ألا آخذ هذه السيارة، فهي محطمة من الداخل وتم إصلاحها ببراعة. التفت ورائي، فلم أجد أحدا، وإن لمحت ظلا وراء برافان  تأكد لي إنه لم يكن وهما .
    وفى الوقت الذى توقفت فيه عن التوقيع لأزن الموقف، فوجئت بباب زجاجي ألوميتال كبير يفتح ويخرج منه سبعة رجال تكاد رؤوسهم ترتطم بسقف الباب.. رجال ربما من حملة الأثقال يرتدون بنطلونات جينز وفانلات داخلية.. الصدور عارية . تتدلي من الأعناق سلاسل، الذراع الواحد لكل منهم يكاد يساويني.. اصطفوا أمامي.. ضم كل منهم ساعديه تحت ثدييه فبرزت العضلات بشكل مرعب.. قلت لنفسي: المسألة لا تحتاج إلى كل هذه القوى التى تستطيع أن تغرق مدينة نابولي فى الخليج..  يكفي إصبع واحد كي يجعلني أرضخ لأي رغبة.. توقيت خروجهم غريب..
  جاءني صاحب المعرض فنظرت فى الساعة.. كانت الواحدة وما أن بلغني حتى ضربت رأسي، وجمعت كل الشيكات ونهضت فجأة قائلا لماركو:
ـ هيا بسرعة يا ماركو.. صديق من روما قادم إلىّ يحمل ثلاثة ملايين ليرة وموعدنا فى الساعة الواحدة وقد نسيته. أرجوك أسرع .
    سبقته إلى سيارته وهو فى أشد حالات الاضطراب ويود أن يشرح لصاحب المعرض.. الرجلان يأكلان أسنانهما وأنا أصرخ فى ماركو، بينما أدخل سيارته، وأضرب الكلاكس بشدة وجنون بلا توقف.. كان علىّ أن أفر من الصفقة ومن جبل العضلات الذى ظهر فجأة.. عيون الشباب المكدس باللحم الحديدي وأعصابهم فى انتظار أي إشارة من صاحب المعرض.. أزعجت المنطقة بآلة التنبيه حتى ارتبك الجميع وأسرع ماركو يركب ويثرثر ويشتم بالإيطالي ويذكر الفروج جميعها والنساء القحبات، وأنا ألتقط الكلمات، لكني لا أفهم العبارات والمعاني مجتمعة، ولا أستطيع شيئا، إلا أن أقول له:
ـ لابد أن نلحق هذا الصديق وإلا ضاع المبلغ.. ليس معي لأدفع للفندق ولا للشحن.. اطمئن فسوف نأخذ الاستروين وسوف تساعدني فى شحنها وتحصل على حقك.. علينا أن ننطلق بسرعة.. لا أدري كيف نسيت يا ماركو.. سامحني.
   وصلنا إلى الفندق .. قال: ادفع لي الآن أجرة السيارة، أما أتعابي فبعد أن نشتري السيارة.
فوجئت بكلامه:
ـ أجرة أي سيارة ؟
  أشار إلى سيارته.. سألته:
ـ هل هى للإيجار ؟
أجابني فى شبه حدة:
ـ طبعاً.. أنا أذهب بها إلى العمل واستخدمها كأجرة بعد العمل، وقد تركت العمل من أجلك..           يكفي ما سأفقده بسبب غيابي.
 حاولت أن أذكر نفسي أننا لسنا فى مصر.
ـ كم تريد يا ماركو إيجارا للسيارة ؟
ـ خمسة وسبعون.
 أخرجت له مائة ليرة.. قفز وخبط قدميه فى الأرض وقال كأنه لا يجد ما يكفي من الاكسوجين ليتنفس:
ـ خمسة وسبعون ألف ليرة.
 كدت أقفز لأعلي وأدق الأرض، سألته مندهشاً:
ـ هذا ثمن السيارة وليس إيجارها.
أخذ يتلفت حواليه.
كان علىّ أن أتخلص منه، قلت له:
ـ لن أدفع مليما فوق العشرين ألفا.
انطلق يخبط بيديه ويدق الأرض ويشوط الفضاء وأنا أمسك بالعشرين ألفا، بينما يزعق ويصرخ ويدهش ويشتم.. أنا متأكد أنه يشتم.
أحضر موظف الاستقبال ليقنعني.. أخذ بهدوء بارد وأدب كاذب يقنعني ويصف لي معاناة وأسعار البترول الذى تسببنا نحن فى ارتفاعها.. وأنا لا أرد إلا بالإشارة التى تعني إنني لن أدفع إلا عشرين ألفا.. نصف ساعة تقريباً على هذا الحال، حتى سمعت من قال له:
ـ إذهب به إلى على، وهو يأخذ لك حقك .
    فجأة حط عليه هدوء مؤقت وبدأ يكظم غيظه، لكن بركان فيزوف أرحم منه، قال:
ـ هيا معي.
  مشينا إلى ميدان غاريبالدي.
دنا من شخص بساق واحدة وعكاز.. شاب نحيل القوام، يرتدي ملابس إنسان بسيط للغاية. مفتوح الصدر.. يقف على الرصيف، بينما عيناه تمسح كل ركن، وفى يده ربع سيجارة .
   حكي له الحكاية.. سأله الشاب النحيل عن المكان الذى ذهبنا إليه. فهمت منه، إنه لا يستأهل أكثر من عشرين ألف ليرة، وهذا الرجل (أنا) عنده حق.. عاد يثور ويسخط، فإذا بهذا الشاب (على) يسحب عصا لا أدري من أين التقطها ورفعها ليضرب بها ماركو الضخم وهو يسبه،   ابتعد ماركو وأبدي عدم رضاه وإحساسه بالظلم .. طلب  منى على العشرين ألفا . مدها لماركو وأشار إليه بمنتهي الاحتقار أن يقترب ويأخذها.. فتقدم ماركو مرعوباً وأخذها، وغادرنا كالأرنب.
  بحثت عن كرسي كي أجلس فأنا لم أستوعب ما جري.. هذا الشاب المسكين القصير النحيل ذو الساق الواحدة ارتعد منه الإيطالي الجسور العفي، أحد أبناء نابولي المعروفين بالقوة والبلطجة.. لا أستطيع أن أستوعب ذلك حتى لو مرت السنون الطوال، وإلى أن ينتهي عمري.
 سألني على عن أحوالي ومتى جئت إلى إيطاليا وماذا أريد؟
ـ أريد سيارة.
طرقع إصبعيه الإبهام والوسطي. حضر شاب إيطالي أمره أن ينادي” روبرتو.”
 بعد أقل من دقيقة حضر رجل إيطالي   فى مثل طولى وإن كان أعرض ، وفى نحو الخمسين تقريباً.. قال له:
ـ الأستاذ فؤاد جاري فى مصر.. يريد شراء سيارة . شوف طلباته.
أشار روبرتو إلى عينيه، وأظنه أخذ هذه الحركة من المصريين.
 قال لي على:
ـ رُح معه حتى المحل واتفقا ثم عد إلىّ.
ذهبت مع روبرتو.. له محل دراجات نارية. إصلاح وبيع.. سألني عن مرادي. تحدثنا. اتفقنا  على أن يصحبني إلى السوق ويشتري لي ما أشاء.
  عرفت من على  أنه هنا منذ عشر سنوات، يتاجر فى كل شئ.. الميدان الفسيح مرصوص باعة مصريين، يبيعون هدايا خان الخليلي، من النحاسيات والجعارين المصرية القديمة والصواني الفضية والخواتم والقلائد وورق البردي والتماثيل لأبي الهول ونفرتيتي ونفرتاري ورمسيس وغيرها، وفهمت من روبرتو أن على ملك الميدان، ومن أهم شخصيات نابولي..
أسرعت إلى الفندق أجمع حاجياتي وأصفي حسابي وأغادره على عجل، فماركو ربما لن يترك المسألة تمر بسلام.
 كنت قد استشرت على فيما أود فعله فأمرني بألاّ أهتم، وإذا مر ماركو فقط من أمام الفندق سيسحقه، شكرته وأصررت على أهمية انتقالي،  دلني على بنسيون فى شقة قريبة خلف محل روبرتو.
صاحبته حديثة الترمل.. شابة طويلة وجميلة وحزينة .لا تتكلم كثيراً.. شعرها أسود يتراقص على كتفيها. ترتدي بلوزة بيضاء وبنطلون حرير أسود.. عيناها واسعتان، أنفها دقيق  ومدبب وأرنبته مرتفعة قليلاً وشفتاها دسمتان.. كيف يموت زوجها ويحرم من  العالم الرائع فى أحضان هذه الشابة التى خلقت للحب بكل تجلياته.
اشترينا فى اليوم الثاني سيارة 132 موديل 1973 نبيتي جميلة. سارت فقط عشرين ألف كيلو، وبحالة ممتازة.. دفعت ثلاثة ملايين إلا ربعا .. رضي على عنها وعن حالتها. أصر روبرتو أن يصحبني إلى بيته لأتغدي معه.. وافقت، كان شخصاً هادئاً وحكيماً.. يجيد التعامل مع السيارات والناس والظروف.
رحبت بي زوجته صوفيا  وابنته الشابة الجميلة “تينا”.. لماذا كل النساء هنا  جميلات ؟!.. طلبت منه سرعة حجز باخرة  للسفر إلى مصر، فوجئنا أن الباخرة  المتجهة إلى الإسكندرية غادرت من ميناء جنوا عصر اليوم، والتالية بعد أسبوعين.. طلب منه على البحث مع شركات الملاحة عن أقرب باخرة مهما كان الميناء.. وجد أن أقرب موعد بعد خمسة أيام من فينسيا فى شمال إيطاليا، لم يكن بد من الحجز فيها .
عندما عدت إلى البنسيون.. كانت كلوديا جالسة على مكتب صغير فى الصالة، تنفخ وتضرب المكتب بيدها، ثم تعيد جمع الأرقام   فى دفاترأمامها.
قالت لي: كان مساعد زوجى يتابع كل شئ، ثم اختفي منذ أسبوع.
سألتها: هل يمكن أن أساعد فى شئ ؟
لم ترد وظلت تتنهد.
قلت لها: أنا محاسب. دعيني ألقي نظرة.
 أزاحت الدفتر فى اتجاهي.. الخط سئ. ركزت على الأرقام.. أمام رقم كل غرفة عدد الليالى ثم المبلغ.. الأرقام صحيحة، لكني اكتشفت أن إجمالي الصفحة السابقة منقول خطأ إلى الصفحة الجديدة، فبدلا من أن يكون 490.000  تم نقله 940.000  ومن ثم فالموجود بالخزينة لا بد أن يكون أقل مما بالدفتر بحوالي 450.000
قالت: فعلاً.. النقود ناقصة 450 ألف.. جراتسي سنيوري.. مولتو جراتسي.
ـ لابد أن يكون الفرق بين الرقم الحقيقي والرقم المقلوب قابلا للقسمة على تسعة..
 نهضت وحييتها:
ـ بونا نوتي سنيورا.
 مضيت إلى غرفتي التى تقع فى عمق الشقة قريبا من الحمام المشترك. لبست بيجامتي وتأهبت للقراءة. بعد لحظات سمعت طرقا على الباب، ولما فتحته وجدتها تحمل صينية صغيرة عليها كوب كبير من اللبن وكومة من اللوز.. كان وجهها مشرقاً، تعلوه ابتسامة تحمل من الود الكثير، ثم مضت دون كلمة. تأملت اللوز. لم يكن لوزا. كان له ملمس اللوز، لكن به انحناء.. ذقت واحدة. ألذ كثيرا من الفول السوداني. أسرعت ألقي فى فمي الحبة تلو الأخرى، تعقبها جرعة من اللبن الدافئ الذى اكتشفت أن به سمسما وزبيبا. شغلنى أن أحاول معرفة اسم هذا الذى اعتقدت أنه لوز. خرجت إليها وسألتها.. قالت:
ـ كاجو.
لم أسمع به ولم آكله من قبل. سألتني إذا كان قد أعجبني  ، قلت: جدا
عدت إلى غرفتي وبعد لحظات طرقت وقدمت لي كومة كبيرة منه.. شكرتها ودعوتها للدخول فأبت وهي تبتسم.   
                                           ******

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.