الرئيسية » ملفات » علوان حسين : المرأة مابين نزار قباني و يحيى السماوي (ملف/126)

علوان حسين : المرأة مابين نزار قباني و يحيى السماوي (ملف/126)

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.
بنى الشاعر ( نزار قباني ) عمارته الشعرية على ثيمة الحب حتى تحول إلى أسطورة أو كاد بفعل إلتصاق أسمه وشعره بالمرأة التي جبلت قصيدته بماء أحاسيسها ومنحت قصيدته سرها العاطفي وبهرجتها بالحلي والجواهر الأنثوية حتى صارت هي والقصيدة وجهان للوحة ٍ واحدة . من هنا نرى ما للمرأة فضل على شاعرها الذي لم يبخل عليها بكلماته التي وظفها لموضوعه الأثير ( المرأة ) حيث أصبحت مادته الوحيدة وشغله الشاغل بكل ما يتعلق بها من تفاصيل صغيرة وأكسسوارات ومنمنمات وكسر عواطف وأحداث ومشاهد رسمها في لوحة فسيفسائية كانت غاية في الإتقان والرهافة من حيث توزيع الألوان والظلال . أجيال متلاحقة نشأت على القصيدة النزارية التي تخاطب عواطفه بملامسة رقيقة تجلت في لغة جمعت وزاوجت مابين البساطة والبوح الشفيف المصاغ في زخرفة لغوية منتقاة بدقة ومستقاة من قاموس العشق الذي ورثه عن الشعراء الأسلاف مثل ( عمر بن أبي ربيعة ) و ( أبن زيدون ) والشعراء العذريين وغيرهم . يعتبر نزار قباني تلميذ نجيب لسعيد عقل ولعمر أبو ريشة وبشارة الخوري ( الأخطل الصغير ) , هذا إضافة إلى تأثره بالشعر الفرنسي في نماذجه الرومانتيكية المتمثلة في ( لامارتين ) و ( فكتور هيجو ) وغيرهم . عاش الشاعر نزار قباني طفولة ناعمة في كنف عائلة متحابة وميسورة الحال . وقد ترعرع في بيت دمشقي تظلله شجرة الياسمين وتتوسطه بحرة صغيرة هي عبارة عن حوض ماء تتوسطه نافورة على وفق الطراز الدمشقي العريق . من هنا جاءت لغته ناعمة مترفة ومفرداته أنيقة مقطوفة من واقعه المديني ومعبرة عنه كإنعكاس أبهى لصورة حياة تمتاز بالهدوء والدعة مع لمسة جمال أضافت لها بريقا ً أخاذا ً لعبت فيه المرأة دور الموسيقى باعثة الروح والإيقاع الهارموني لقصيدة ٍ كانت مرآة ً صادقة ً لعصرها ومناخها الذي بدأ هادئا ً وباذخا ً ومر َّ كغيره من العصور في فترات قلق وتمزق وحروب وعواصف صبغت القصيدة النزارية بصبغتها هي الأخرى والذي تمثل في قصائده السياسية التي لها حالة خاصة تستحق الدراسة لوحدها . الأن لنرى كيف تعامل نزار قباني مع المرأة ثيمته الوحيدة والتي قضى عمره كله في التعبد في محرابها والصلاة إليها والتقرب لها عبر كلماته وقصائده التي أرادها تعاويذ وتمائم ورقى سحرية تمارس سطوتها وسحرها على تلك المعبودة التي تجسدت في شعره بشخصيات وأشكال متعددة ومتنوعة , فتارة يخاطبها ( ماذا يهمك ِ من أكون ؟ حجر ٌ .. كتاب ٌ .. غيمة ٌ ماذا يهمك ِ من أكون ؟ خليك ِ في وهمي الجميل .. فسوف يقتلك اليقين ُ .. ماذا يهمك ِ من أنا ؟ مادمت ُ أحرث ُ كالحصان على السرير الواسع .. مادمت ُ أزرع ُ تحت جلدك ِ ألف َ طفل ٍ رائع ِ ) ومرة ً يوبخها بكلمات في منتهى القسوة كقوله ( لا تكوني عصبية .. لن تثيريني بتلك الكلمات البربرية .. ناقشيني بهدوء ٍ وروية من بنا كان غبيا ً ؟ ياغبية .. إنزعي عنك ِ الثياب المسرحية وأجيبي من بنا كان الجبانا ؟ ) لكنه حين يرق ويشف يُسمع امرأته أعذب الكلام كما في قوله ( يتغير ُ – حين أُحُبك ِ – شكل الكرة الأرضية تتلاقى طُرُق العالم فوق يديك ِ .. وفوق يديه يتغير ترتيب الأفلاك تتكاثر في البحر الأسماك ويسافر قمر ٌ في دورتي الدموية ) . قصائد نزار قباني كما هو واضح نتاج تجاربه معها حبا ً كانت تجاربه أم بغضا ً كذلك هي صور عن هواجسه وثوراته ونزواته ونزقه في رقته وثورته وعنفه ولطف مزاجه وقت كتابة القصيدة . أجمل ما في نزار صدقه ووضوحه ودقة أفكاره في رسم حالاته الجوانية في تقلباته وأحواله التي تشبه حالة البحر في هدوئه وجماله الباذخ وقتها وفي عنفه وطيشه ونزقه لحظة يثور ويدمر كما يفعل الأطفال مع لعبهم . لكن المتأمل لشعر نزار قباني وعبر قراءة عميقة يستشف منها بأن نزارا ً تعامل مع المرأة كموضوع أو كما يتعامل الرسام معها كموديل , دون الذهاب عميقا ً في جوهر العلاقة الإنسانية في بعدها الميتافيزيقي أو لجهة سبر أغوارها حيث وقف عند التخوم ولم يكلف نفسه الغوص في الأعماق ليستخرج لنا تلك اللؤلؤة المكنونة المحاطة بالحجب والأسرار . ظلت قصيدته تحوم عند قشرة الأشياء ولم يمسك بالعصب الحي للتجربة , أعني بإنه لم ينغمس في نارها أو يلمس جمرتها كما فعل الشاعر ( يحيى السماوي ) مثلا ً . امرأة القباني كما أسلفت القول موديل شعري , خاطبها الشاعر وقد تجسدت أمامه بحضورها الجسدي فراح يرسم كل التفاصيل الواضحة لأنوثتها بادئا ً من شعرها وكحل عينيها وإستدارة عنقها مرورا ً بالنهد المنحوت تحت أصابعه حتى ثيابها وعطرها ومرآتها وأمشاطها وأثوابها الحريرية . لم يستطع بالرغم من حذقه وبراعته الشعرية من الدخول إلى مملكة الأنثى الجوانية بجانبها الروحي العميق أو لجهة هواجسها وأفكارها في أكثر المناطق عزلة وسرية . حتى قصيدته لم تذهب عميقا ً في إتجاهها نحو المنحى الإنساني في جوهره العميق ككينونة وموقف في الحياة والموت ومعانيها الغزيرة .
في الجانب الآخر نرى المرأة في شعر وتجربة الشاعر ( يحيى السماوي ) وقد تجلت كأقنيم متعدد الوجوه , وهو وبالرغم من غنائيته الطاغية تراه يفكر في ثيمته ( المرأة ) ويراها كمخلوق شفاف أقرب إلى الحلم منه إلى الحضور المجسد في كتلة من لحم ودم وثياب . لقد طغت شهرة نزار قباني حتى كادت أن تحجب شموسا ً شعرية ظلت ترسل نورها قمريا ً خافتا ً بفعل الميديا من جهة وشيوع أغانيه عبر أصوات ذهبية صدحت بها بجمال وعذوبة كان للموسيقار الخالد ( محمد عبد الوهاب ) الفضل الأكبر في جعل القصيدة النزارية أليفة وقريبة من الإذهان وتضافرت جوقة من الأصوات المهمة كعبد الحليم حافظ ونجاة صغيرة وماجدة الرومي وكاظم الساهر وأصالة وغيرهم . يحيى السماوي , هو الآخر طل علينا وقد تشرب بالتراث الشعري العربي القديم , مسلحا ً بلغة ثرة وإيقاعات موسيقية جاهزة وبثروة من المفردات ينهل منها ما يشاء له الخيال ليبني عمارته الشعرية مازجا ً ما بين إيقاعات الخليلي وموظفا ً لها تارة ً وتارة نراه وقد تمرد ونفض عنه ثوب البلاغة القديم ليطل عبر قصيدة حديثة لغة ً وبناء . امرأة السماوي كائن أسمى . هو وحين يتعرض للعلاقة معها تتشابك الجوانب الروحية والجسدية في صراع يتخذ طابعا ً دراميا ً يعبر عن تمزق الذات الإنسانية وألمها العميق في مشاركة داخلية تنبع من الإعماق وتصب في الجوهر حيث التجربة في معانيها الوجودية التي تستمد من المعاناة والألم والتفكير في الحب والإحتراق في ناره لتأتي القصيدة كإبتهال روحي وصلاة ربانية تمس شغاف المعاني ( الماء ُ أودعها سريرته ُ .. وأودعت ِ الطفولة جيدها عقد البراءة .. والأمومة ؟ أودعتها رقة القلب الجليل .. والروض أودع ثغرها وهج القرنفل في الأصيل .. والليل ؟ أودع شامتها جفن َ مُقلته ِ الكحيل .. وأنا ؟ أنا أودعت ُ كوثر َ نهرها جثمان بستاني القتيل ) الحب عند يحيى السماوي ليس مادة ً بل جوهر , والمرأة ليست موضوعا ً لقصيدة إنما هي النار كما عند المجوس , نتطهر بها وتدفعنا للتأمل . هي نفسها النار التي تسري في غابة النفس النائمة وأصل العذاب البشري وعذوبته في آن . صحيح أن امرأة السماوي ليست أثيرية ولم تكون , فهي امرأة من لحم ودم أيضا ً لكنها ليست جسدا ً محضا ً , والعلاقة معها أو التعامل والنظر لها لا يكون حسيا ً محضا ً كما عند نزار قباني , فهي بحضورها الطيفي وجسدها الذي هو صنو الطبيعة بما هي باعثة للتأمل والتفكير والحب المحض . امرأة السماوي أقرب للإقونة أو الرمز والمثال حتى في حال تجسدها كحبيبة مشتهاة .. ( لا تجزعي .. لو أنني جزت ُ المفاوز َ واحتبستك ِ تحت خيمة أضلعي .. وغسلت ُ بالقبلات نخلك ِ والتراب َ بأدمعي .. قد ضاقت الأرض ُ الفسيحة ُ بي فجئتك ِ هاربا ً مني إليك ِ فأوسعي ) .
في العودة لقراءة تجربة كل من الشاعرين نزار قباني ويحيى السماوي , قراءة منصفة وواعية يجد بأن الأخير هو من تعامل مع المرأة وتناولها كمضمون وفكرة وكإنسانة ملهمة مانحة الحب والبهجة والأمل والجمال وكقيمة إنسانية متسامية في وجودها وكرمز للخصب والخير والأمومة والعطاء , يبدو لي بأن السماوي كان أكثر قربا ً ودفئا ً منها , وأكثر تمثلا ً لمكنونانتها وبالطبع الأكثر شغفا ً وولها بها والأصدق تعبيرا ً عن العاطفة البشرية في محتواها العميق الذاهب نحو الجوهر .. من هنا أقول بأن الشاعر يحيى السماوي هو شاعر المرأة بحق وليس نزار قباني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *