المقترب الفلسفي للمعاينة النصية في نصوص الشاعر العراقي كرم الأعرجي
(الإهداء إلى المعتصمين في ساحة التحرير)
كتابة : علاء حمد – العراق

إشارة :
أمام هذا النشاط الثر والمُثقل بالأطروحات الجديدة للناقد العراقي المبدع “علاء حمد” لابُدّ من تقديم التحية له على هذه السلسلة من الكتب والدراسات التي تحمل بصمة نقدية مُميّزة وسمة أسلوبية خاصة ، والأهم هو وفاؤها للابداع العراقي ورموزه التي تعاني قلّة الاهتمام من نقّاد وطنها برغم علوّ كعب منجزها. تحيي أسرة موقع الناقد العراقي الناقد علاء حمد وتشكره على ما يخص به الموقع من دراسات وتتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد. كما تحيي روحه العراقي الغيور وهو يهدي دراساته (إلى انتفاضة ساحة التحرير المجيدة).

المقترب الفلسفي للمعاينة النصية
في نصوص الشاعر العراقي كرم الأعرجي

الإهداء
إلى المعتصمين في ساحة التحرير

كتابة : علاء حمد – العراق

المقاربات الفلسفية تعددية وليست محصورة بزاوية فضائية معينة، فعندما نكون مع الصورة الشعرية وتعددها، فنحن في منطقة اللغة الفلسفية، والتي تقودنا إلى عناصر الاختلاف، وكذلك إلى عنصر الدهشة ومنظومتها المتعددة، لذلك ومن خلال النصّ والنصية والحالات الفنية التي تتمتع بها قصيدة الشاعر العراقي كرم الأعرجي، نحاول أن نبين المتناهي واللامتناهي، وكذلك قيمة البنية النصية في الشعر العربي الحديث..
النصّ الشعري كما يبدو لنا نتيجة انفعالات غير واعية، أي تكون التلقائية مشدودة بالضرورة، لذلك وجلّ مانلاحظه أن النصّ في مساحة من الجنون خارج العقلنة المتوارثة أو المتتبعة في بقية الفنون، والتي تعتمد على التفكير المباشر؛ بينما في الشعرية نتجاوز تلك المباشرة حتى من ناحية تفكيرنا، وعندما نؤكد حول التفكر، فنحن في حالة من الخيال التفكري والتي تمنحنا مساحتها الواسعة بالسطو على الجمل غير المألوفة لكي نبرقع بها النصّ الشعري..
تتلاقى المادة الفلسفية بالمادة الشعرية على عدة مستويات، لو أخذنا المستوى اللغوي فسوف نكون مع فلسفة اللغة وتشعباتها التي يرسمها الباث عادة، ولو أخذنا الصيغة الرمزية فسوف نلاحظ أن الرموز تلاحقنا بشكليها الغامض والتوضيحي، ولو كنا مع أساسيات النصّ، والشاعر يهدم ويبني من جديد فسوف نكون في فضاء التصوير والتصورات النصية وكذلك الأبعاد الخيالية والتي لها الأثر والفعالية في تراكمات الصور وإن كانت جزئية ولكنها من أساسيات النصّ الشعري في التأسيس والبناء.. سنكون مع أساسيات اللغة باعتبارها تغلف المحسوس والتجريدي وهي الوسيلة العظمى في النصّ الشعري، ومنها يوظف الشاعر قصديته المعتمدة في الهدم والبناء وإعطاء المنحى الدلالي وقواعد دلالة النصّ الشعري.. وفي هذه الحالة تتصدى اللغة لكلّ ماهو غريب عن النصّ وتطرد الهفوات والاعتناء بآليات الاستعارة وتحولات المعاني من المعنى المتداول إلى حالات التأويل الخاصة..
1-باعتبار اللغة لها القدرة على التحولات من المعنى العام إلى المعنى الخاص؛ وفي هذه الحالة نكون مع فلسفة التأويل في رصد النصّ الشعري، زائدا حالات الاستدلال المتشعبة والتي تخدمنا في الغور بواسطة اللغة إلى أعماق النصّ والوقوف مع الدال والمدلول..
2-باعتبار اللغة حالة مجردة تحيل إلى التركيبات اللغوية مع علاقاتها في النصّ الشعري، حيث تتزاحم المعاني والتأويلات من خلال هذه الاشتغالات والتي تؤدي إلى النوع، وتفسير لحالة الجملة المتواصلة والتي تعتمد اللامألوف باعتبار الشاعر في ديمومة تلقائية خارج المباشرة..
3-باعتبار اللغة شبكة من الخصوصية النصية والتي تنتمي إلى الكليات الدلالية.. وهذا يساعدنا إلى الاندماج مع النصّ الشعري وتفاعلات الدال والمدلول..
4-باعتبار اللغة حالة من الرمزية، ولا ينسف الجمال إلا الجمالية، وفي هذه الحالة هناك علاقات متواصلة مع العالم الداخلي المدجج بالمعاني والعالم الخارجي والباعث للمعاني، وهذه العلاقات تؤدي إلى اللامتناهي، فالرمزية حالة دلالية غير متناهية وهي التي تؤدي إلى مبدأ التأويل اللامتناهي..
(( لاتوجد علامة تكون استدلالية أو مرجعية أو اختلافية لذاتها. وتكون هذه العلاقات مُفضلة في مخلتف النظريات، ولكن المسارات التأويلية الفعلية هي أشدّ تعقيدا ولا يُمكن تحليلها بإيجاد علاقات قابلة للوصف بطريقة بسيطة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الاستدلالات التأويلية ليست صورية، ولكنها تنتمي كما يسميه راسل الاستدلال الحيواني، أي إذا قارنا بين المسارات التأويلية وبين العمليات الحسابية والمنطقية، فإنّ المسارات التأويلية هي الأكثر قربا من السيررورات الإدراكية المتعلقة بالتعرف على الأشكال… – ص 141 – فنون النصّ وعلومة – فرانسوا راستيي – ترجمة: ادريس الخطاب ))..
إنّ الشبكة الكبرى والتي تدعم النصّ الشعري في العمق الفلسفي، هي تلك الشبكة التي تبدأ بتأويل وتنحدر إلى تأويلات أخرى، ويكون للنصّ معرفة تقابلية نصية، أي إمكانيات تواجد أدوات جديدة في عمق النصّ الشعري والتي تقودنا إلى تمثيل موسوعي غير متناهي.. نحن هنا نبيّن مدى إمكانية وتأثيرات جسد النصّ، باعتبار العنونة لها خاصيتها المستقلة، ومن العلاقات التي تكونها، هي تلك التأويلات التي تنحدر نحو النصّ أو نحو الباث أو لها مناسبتها الخاصة؛ وليس من الضروري أن يبين الشاعر تلك المناسبة من خلال جسد النصّ، فالإستقلالية لها مملكتها في التعبير التأويلي..
إنّ الكتابة وضمن القول الشعري لاحدود لها، فهي تجتاز الزمنية وتلغي تحديدها، فالفعل الزمني ومن خلال تأثيره في الجملة، نلاظ ظهوره بين الحين والآخر، وإلا فالزمنية لايفكر بها الشاعر عندما يغوص في الفعل الكتابي، طالما المكانية لها رصدها التوضيحي من خلال تواجد الشاعر ومن خلال بيئته التي ينتمي إليها ومن خلال الفعل المكاني أيضا، فليس من الضروري تحديد زمنية الكتابة، فهي حالة مفتوحة لجميع الأزمنة، لذلك نقول أن الشاعر يجتاز المحدود ويبقى في مناطق لامحدودة، أو يعبر مافوق المحدود، ليختار عالمه الخاص بواسطة الذات التي تدور من حولها العوالم..
عندما نذهب إلى الاستعارة، ومنها الاستعارة المتقابلة والاستعارة المشابهة، فسوف نلاحظ في نصوص الشاعر العراقي كرم الأعرجي، تختلف مضامين الاستعارة، فالاستعارة المتقابلة، يقابلها بالضد، بينما الاستعارة المشابهة فيقابلها بالشكل، ومن خلال هذه المضامين، ليس فقط الاستعارة تكون نافذة مابين الشكل والضدّ، بينما هناك الحالة الاستدلالية التي لها الأثر الفعال واشتغالاتها في موضوع الاستعارة، وكذلك موضوع تجسيد الأثر الدلالي، وهي من الحالات المهمة التي تقودنا نحو المألوف واللامألوف، فعلاقة الفعل الفلسفي مع الجملة المألوفة يختلف مع الجملة اللامألوفة، وبواسطة الاستدلال نستطيع أن نبين ذلك الأثر وتأثيره في الجملة الشعرية، بالإضافة إلى حركة الأفعال الانتقالية وتموضعها في الأماكن الصالحة وتأثيرها على المعاني وامتدادها من جملة إلى أخرى..
تتقبل المادة الفلسفية الأشياء نفسها، والمادة الشعرية تحافظ عليها، ومن خلال هاذين المبدأين، نلاحظ أن هناك علاقة من ناحية مضمون الأشياء، فتحديد التعيين التفكري، يتم من خلال المادة الفلسفية، بينما عندما ننطلق بنفس التعيين نحو اللامحدود، فتكون من نصيب القصائدية والتي لها انفتاحها بهذا الفضاء الواسع، لذلك فالذات لم تكن حبيسة الفكر، وخصوصا التفكر المباشر، فلابد من حركة فعالة لهذه الإمكانية من التفكر، فيميل الشاعر إلى التفكر الخيالي، ويكون المتخيل ذا ملابس خيالية ينقلنا عبر التجريد للصور الشعرية، وهذا مانسعى إليه والوقوف على ساحله في التنقيب عن المكون التصويري وأبعاده في النصّ الشعري الحديث وفي مملكة الشاعر العراقي كرم الأعرجي..
يشكل الفعل الفلسفي فعالية نشيطة مع الفعل التخييلي، والاثنان يكونان مادة تعبيرية من ناحية البعد التصويري الآني والمستقبلي، أو من ناحية تكوين الفعل الاسترجاعي عبر منطقة الفلاش باك، وتمرّ النقطة الثانية في محفظة الذات المتحولة، حيث تشكل خير خزان معرفي للمرجعية التصويرية، وكذلك المحفظة البصرية والتي تساعد على التذكر والتفكر من خلال الخزان المشهدي الذي مرّ بها..

-23-

الأساطير..
أسرارها..
مدافن الأميرات
أما مدافننا..
فأسرارها..
في خزائن البيت الابيض..!!

-27-
لأنني..
لم أحاول الجلوس..
خلف المكاتب العاليةْ
أتمنى ان أكون مخطئا..
كي لا أشاهد المارةْ..
وهم يلتفون بالعباءاتْ
خوفا..
على الرجولةْ

فوضى صور.. نصوص – كرم الأعرجي – العراق
نعتبر في بعض الأحيان ومن خلال الخطاب الشعري أن ” عقلنة “، لها موروثها المتادول مابين الآخرين، ولكن وفي نفس الوقت عندما تكون في الذات العاملة تختلف الحالة تماما، فالشاعر يسخرها مابين المحدود واللامحدود، لذلك فهي تقفز من نظام ” العقلنة ” إلى النظام التلقائي في التوظيف القصائدي والاهتمام بما تشرّعه اللغة الفلسفية من جهة، وما توظفه اللغة التعبيرية من جهة أخرى..
-23- =الأساطير.. + أسرارها.. + مدافن الأميرات + أما مدافننا.. + فأسرارها.. + في خزائن البيت الابيض..!!
إنّ تجديد اللحظات هي التي تؤدي إلى الاختلاف في التعبير اللغوي، وتؤدي إلى إيجاد الأشياء الطبيعية والأشياء المصنوعة، وكلما كانت اللحظة بتفاعلات تفكرية، يميل الشاعر إلى الأشياء الطبيعية ويتجاوز المصنوع والتكلف في الخلق الشعري، لذلك نلاحظ أنّ التلقائية تخترق النصّ الشعري؛ ونلاحظ من خلال المعنى الذي رسمه الشاعر العراقي كرم الأعرجي، وهو يعدد المدافن، ويرسم مدافننا المستقبلية وسيطرة البيت الأبيض على العالم بشكل وحشي..
-27- = لأنني.. + لم أحاول الجلوس.. + خلف المكاتب العاليةْ + أتمنى ان أكون مخطئا.. + كي لا أشاهد المارةْ.. + وهم يلتفون بالعباءاتْ + خوفا.. + على الرجولةْ
اشتغالات انعكاسية.. ولكن كيف يشتغل هذا القصد الانعكاسي لدى الشاعر العراقي كرم الأعرجي؟ .. نحن مع مبدأ الاختلاف في الخلق الشعري، ولكن الذي تبيّن لنا من خلال النصوص المقطعة هناك مبدأ الانعكاس في الجملة الشعرية لإيجاد المعاني الأكثر غموضا، وهذا مايجعل المتلقي بدهشة مستمرة.. وهي تلك المعاني التي تثير الحدث الاستثنائي من خلال التفكر الخيالي من جهة، وإعطاء الفكرة المصغرة من جهة أخرى.. والفكرة المصغرة، تكبر وتكبر من خلال قوّة المقطع الشعري الذي يعتمده الشاعر في رسم دورتها الدموية.
إنّ تقديم صورة على صورة أخرى، يتم امتدادها بالألفاظ، وهو المبدأ اللفظي الذي يجسد المعاني والفهم وصنع الاختلافات وكذلك الاشتغالات الانعكاسية، كما نلاحظ في المقطع الأخير للشاعر كرم الأعرجي. حيث سخّر الحدث الشعري كفكرة مستعارة وراح يدجنها ضمن القول الشعري، وهي الأشد حسية عندما أثار مبدأ الجنسين من خلال ( العباءة ) والتي خصصت كملبس للنساء في بلاد مابين سيفين..
عندما نعتبر النصّ الشعري ( المشهد الشعري ضمن عدة نصوص متواصلة ) كحالة انفرادية يؤدي إلى الوحدة الأساسية للنصّ، وكوحدة لغوية أيضا، نلاحظ أنّ الشاعر يعتني بالمتن أكثر وأكثر، وهي وجهات النظر والأفكار التي نعتبرها كمرجعية خصوصية للشاعر وللنصّ أيضا..

-33 –
دارت الأقداح
على الحضور
وأنا أنظر..
وبصيرتي..
فتحت منافذها..
على الخليقة..
فلم اشاهد سوى..
دماءنا..

في الاقداحْ

فوضى صور.. نصوص – كرم الأعرجي – العراق
من خلال المشهد الشعري التقطيعي للشاعر كرم الأعرجي، نعتبر أنّ اللغة ألفاظا دالة، وذلك لارتباطها بالتفكر النصي ومايطرحه الشاعر… فمركزية المعنى في المقطع هي الأقداح، والتي تكررت في المعاني وتكررت في الألفاظ؛ حيث تسعفنا المعاني على إيجاد وسيلة لتضمين المعنى كدلالة واضحة تدور وتقودنا من زاوية إلى أخرى؛ وهي خارج التجزئة في حالة التركيب يتم إتمام المعنى.. اعتمد الشاعر أيضا على بعض الأفعال الانتقالية ومنها: فتحت وشاهد.. وهما فعلان انتقاليان بمعنى البصرية والمشاهدة، فالأول ( فتحت منافذها )، فحالة الانفتاح هنا للرؤية، بينما الفعل الثاني، للمشاهدة.. اعتماد الأفعال الانتقالية في المقطع الشعري يؤدي إلى تجزئة المعنى الضمني، مما يقودنا إلى المعنى العام كمنظور خارجي ننظر للمقطع من خلاله بصورة شعرية جزئية، وهذه الصور متواجدة من خلال علاقتها بالمعاني من جهة وعلاقتها بالألفاظ كعلاقة مطابقة..
-33 – = دارت الأقداح + على الحضور + وأنا أنظر.. + وبصيرتي.. + فتحت منافذها.. + على الخليقة..
فلم اشاهد سوى.. + دماءنا.. / في الاقداحْ
الاشتغالات التأويلية تقودنا عادة نحو دلالة الالتزام، وذلك، لأنّ كلّ لفظة دليلة على الأخرى ( وقد أكد ابن القيم حول هذا الموضوع معددا أنواع الدلالات، وثبت ذلك على أسماء الله الحسنى ).. ونحن مع اشتغالات متجانسة الحضور مابين الجمل المرصودة، نتقبل المعاني التي يطلقها الشاعر، لأن التجانس الحضوري مابين الجمل يؤكد لنا بأنّ هناك موضوعا مطروحا من خلال الذات ومن خلال البصرية.. وهذا ما نشاهده في المقطع المرسوم للشاعر العراقي كرم الأعرجي..
هناك ثلاثة اتجهات من الممكن أن نميل إليها من خلال دراستنا لنصوص الشاعر العراقي كرم الأعرجي..
فالخلط الذي ينتاب الآخرين، هو الموضوع الحسي الجامد، أي كموضوع متقولب خارج الحركة، حيث يجرنا إلى الحالات الجامدة وغير الناطقة بالحراك الذاتي، حيث تكون الذات غير قابلة لإنتاج تلك المواضيع وذلك لعدم تجانسها مع حركة الذات وتدخلاتها.. وبين الموضوع الحسي القابل للحركة؛ وهو من المواضيع غير الثابتة، فإما يميل بتأرجح تام مع دلالاته إلى المواضيع المتأرجحة والتي عادة يصيبها الجمود، أو يعوم على سطح من الحركة يحاول أن يدخل ويتفاعل مع الموضوع الحسي الحركي.. والاتجاه الثالث، والذي من الممكن جدا أن يتبيّن لنا من خلال نشاطه وحركته هو، الموضوع الحسي الحركي، والذي تتبين دلالالته ونشاطها مابين الجمل الشعرية، حيث يكون الشاعر بحسية تامة مع تفاعلات الذات العاملة، حيث هناك تراسلات إضافية مابين الفعل الحركي، وبين فعل الذات الحركي..

أروحن الكون
واختم على حراب الطاعة زمني
أهندس الدموع والرياح ..
من يبصر العميق ..؟
من يسحب الماء من الماء ..؟
هلوسة وعطل
تصافيف للثغات العارية
أجنحة تتأبط ” الهجاء ”
قفزات لتعطيب الروائح
تلافيف تقمط البسالات
سطوة غائبة

مناطيد مثقبة ” بليزر ” العيون
تجرح الفضاء
والبائر في صلعته ،
يطير غموض الرياحين
فوق خرق الارتجاج هو احتقان
لا يعيه الواصفون
غاز أثري يراهن
.. كفّارة تهدى للفساتين القصيرة
واخرى
لبنطال ” ياجنز” أحلام الخراتيت

من قصيدة : فضاء العصي الثلاث – من المجموعة الشعرية – فضاء العصيّ الخمس – ص 41
الاختلاف لايعطي بالشكل المباشر، وإنما هناك وسيلة لكي نتصل به، فهو يعطي للمعطيات، ومن خلال هذه الوسيلة، نستطيع أن نوجد علاقة مابينه وبين المعطيات المباشرة، لذلك فالنصّ الشعري لدى الشاعر كرم الأعرجي، يعتمد حالات الواقع بشكل غير واقعي، أي يقفز النصّ بنا إلى ماوراء المحدود، ولكي نكون معه أكثر.. هناك المألوف الحسي، وهناك اللامألوف الحسي، فالأول مرآة لواقع يومي نعيشه، يعتمده الباث من خلال ذات البصيرة، والثاني، يعتمده من خلال الذات العاملة والتي تعوم على مساحة من الخيال المجنح..
أروحن الكون + واختم على حراب الطاعة زمني + أهندس الدموع والرياح .. + من يبصر العميق ..؟ +
من يسحب الماء من الماء ..؟ + هلوسة وعطل + تصافيف للثغات العارية + أجنحة تتأبط ” الهجاء ” +
قفزات لتعطيب الروائح + تلافيف تقمط البسالات + سطوة غائبة
يعيد الشاعر لنا البنية الواقعية والانتماء البيئي الذي يرافقه في النصّ الشعري، والتحولات التي يكونها النصّ تحولات تصويرية كأنها التقطت بعدسة الذات أو العدسة البصرية وتم الاحتفاظ بها، مما تكوّن هذه الحالة الهدم والبناء، حيث هدم المعقول المباشر وبناء القول الشعري اللامألوف وخارج المباشرة؛ فيَنتج لنا نصّين، النصّ المقروء،والنصّ المكتوب المعتمد كتابيا، حيث يتكئ في نهاية المطاف على دلالات خاصة، كأن يخبرنا بأن هناك دلالات كبرى ودلالات صغرى من خلال النصّية التي يعتمدها الباث.
نلاحظ من خلال التعبير الدلالي للمحتوى، أنّ كلّ بنية مغايرة للتعبير هي مغايرة بالمحتوى كما في: أهندس الدموع والرياح ../ من يسحب الماء من الماء.. فالتغييرات التي اعتمدها الشاعر، عمق الاختلاف اللغوي مابين البنية الدلالية للتعبير وبنية اللغة المختلفة.. مما أثار المشهد الشعري لدى المتلقي وجعل المؤثرات عائمة مابين المحتوى ومابين المرسَل إليه.. ويقول: أ . ج . گريماص، في بحث له ترجمة : أحمد الفوحي ((ومن السهل أيضا ملاحظة أن التناظر المقام بين البنيات الدلالية والفونولوجية الكامنة في مستوى من اللغة عميق، لا يمكن أن ينطبق عندما يتعلق الأمر بتقويم أبعاد الوحدات المتجلية في مستوى اللغات الطبيعية السطحي. ))..
ومن هنا تكون اللغة سماتها التعبيرية العميقة والتي تناصر النصّ الشعري وتبعث فيه الروح النشيطة، مما نعطي الأهمية العليا للوظيفة الاجتماعية للغة.. فالهدف من ذلك هو دراسة المعنى حسب المنهج السياقي، فمعنى الكلمة، تركيبيا أو انفراديا، لايمكنه أن يتبيّن إلا من خلال وضعه بسياقات مختلفة..

حارات السواحل .. مجانيق الجفاف
تمرّ باللذات على دلال خاوية
قفزات
نصنف الحشو في اللغو
ولبة الارض تختار الرواسي
لتصريح معتق يداول ..
محاضرة بأزرار الحاسبات
البورصة محاضرة
لمحاضرين .. يؤكسدون الدم
مصنفات للعجين ..

“وبورخس ”
مازال مدججا بعاصفته الفارعة
يقاوم اللحظات وشكوك الأبد
العصر غريب في المدن
أخطبوط يلفّ عنق الحضارة
الشوارع تقمّر على آشور دخلتها
والبائعون عند ساحلها
يتلصصون بأناملهم
رقيّمات تفور بالشجاعات

من قصيدة : فضاء العصي الثلاث – من المجموعة الشعرية – فضاء العصيّ الخمس – ص 41
المغامرة الشعرية، تصبح لعبة، لعبة قولية خارج التيه، لأننا سوف نميل إليها كمعنى، لذلك عندما يغامر الشاعر بمفرداته، فهي خارج التفاهم المباشر، فالذات ترتد على الذات، وهنا لدينا الذات الأولى والذات الإضافية، وإلا لانحصل على تلك الارتدادات الذاتية التي يقصدها الباث، وبما أنّنا في غرفة شاعر غير طبيعي، يعتمد الجملة كقبول واختراق للمعنى، فمن هنا تبدأ المغامرة الداخلية، وتحديد اللامحدود والتعالي النصي المؤدي إلى الرمزية..
حارات السواحل .. مجانيق الجفاف + تمرّ باللذات على دلال خاوية + قفزات + نصنف الحشو في اللغو +
ولبة الارض تختار الرواسي + لتصريح معتق يداول .. + محاضرة بأزرار الحاسبات + البورصة محاضرة + لمحاضرين .. يؤكسدون الدم + مصنفات للعجين ..
طالما النصّ الشعري ممارسة إنتاجية، فمن الممكن أن يتحول من بنية إلى أخرى، ولو تفحصنا جيدا فسوف نلاحظ أنّ هناك البنية الصغرى والبنية التامة، والبنية التامة نهاية المنظور الشعري وعدم انتقاله، وهنا يكتفي الباث بما رسمه من جمل شعرية نعتبرها ضمن البنية الصغرى..
من خلال الجمل الامتدادية، تتم الانتقالات وتحافظ على غور المعاني، لذلك فالارتباطات المتواجدة، والمراسلات مابين الذات والمحسوس، يكون الخط الذاتي سلسلة من القول الشعري، ومن خلال هذا البديل، نلاحظ أنّ النسيج التفاعلي يتغير حسب الانفعالات الحسية لدى الشاعر.. ومن هنا يخبرنا الشاعر عن بعض الأشياء ولكننا نتعرف على أشياء إضافية: (حارات السواحل .. مجانيق الجفاف + تمرّ باللذات على دلال خاوية ).. تبقى المعاني مؤجلة مع تبيان المنظور التوضيحي لدى الشاعر، والمعاني المؤجلة ترتبط بالجمل التي تليها، كما ذكر حول بورصات الدم، والمتاجرة بدماء الآخرين..
وبورخس ” + مازال مدججا بعاصفته الفارعة + يقاوم اللحظات وشكوك الأبد + العصر غريب في المدن +أخطبوط يلفّ عنق الحضارة + الشوارع تقمّر على آشور دخلتها + والبائعون عند ساحلها + يتلصصون بأناملهم + رقيّمات تفور بالشجاعات
نلاحظ من خلال المقطع الشعري للشاعر كرم الأعرجي، أنّ مفهوم القول، متضمّن بالقول، لذلك عندما أشار إلى الكاتب ” بورخس “الامريكي اللاتيني، يكفينا بأن هذه الإشارة لها علاقة مع الشعر، لذلك نقول هنا بأن الشاعر اعتمد اسم الاعتماد، فامتد هذا الاسم إلى جمل دلالية صغرى، لكي يكون الشاعر ضمن الفهم القولي، وبالتالي ضمن النصّ التام وإن كان النصّ مقطوعا، فهنا تحكمنا الحالة النصية وتواجدها ضمن تضمين القول..
إذا أجرت الذات محسناتها، في علاقة متواصلة مع الحسّ الوصفي، والحس التركيبي، والحس الأسلوبي، فتقودنا هذه الأحاسيس إلى محسنات، تعلنها الذات من ناحية الاستعارة ومن ناحية الاستدلال ومن ناحية جمالية الجملة الشعرية، ولا تزيل الذات إلا الذات الإضافية، كما نلاحظ من محسنات الوصف والتركيب في جمل الشاعر العراقي كرم الأعرجي، ومن خلال تعدد المحاسن نلاحظ، تعددية المعاني بواسطة الأفعال الانتقالية، والتي كلّ فعل له ميزته الانتقالية من وإلى..

إشارات :
جزء من مادة مطولة لكتاب عربة الشعر – الجزء الثالث –

المادة : خاصة بالناقد العراقي

علاء حمد : عراقي مقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

د. وليد العرفي: النهايات المفتوحة قصيدة (خلجات) للشاعر “عادل الحنظل” أنموذجاً

تتناول قصيدة الشاعر عادل الحنظل موضوعة الغربة والبعد عن الوطن ، وطالما كانت الرحلة من …

صباح هرمز: رواية النبيذة. . . ولعبة كتابة الميتاسردية

رواية (النبيذة) لإنعام كججي واحدة من الروايات العراقية الجديرة بالتصدي لها في دراسات جادة ورصينة، …

عباس خلف علي: كونتيجين (1) بين النبوءة وقِراءة الواقع

ما كدت أنوي الحديث عن هذا الموضوع لولا العديد من التعليقات التي أثارها – كونتيجين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *