د. محمد شحرور : نظرية المعرفة القرآنية (2) (ملف/4)

قد يقول البعض إن صوت النون زاد في التقليم والتصنيف في اللسان العربي فما حال بقية الألسن؟

إن الشيء المؤكد في صوت النون هو أنه موجود في كل ألسن أهل الأرض قاطبة وبدون استثناء.

وبالإضافة إلى صوت النون يوجد الأصوات التالية في كل ألسن أهل الأرض قاطبة:

الألف أ

اللام ل ألر

الراء ر

الياء ي

السين س

ولقد ميز الصحابة الذين خطوا المصحف بين يس. {يس}. التي هي مقطعين صوتيين “ي س” والتي تلفظ بالدمج (YES) وبين ياسين الكلمة التي وردت في سورة الصافات في قوله: {سلام على آل ياسين} (الصافات 130). أي أن “يس” و”ألر” و”ن” هي مقاطع صوتية موجودة في ألسن أهل الأرض قاطبة.

الفرع الأول: جدل الأضداد في معرفة آيات الله (العقل الرحماني والعقل الشيطاني)

أولاً: أسس العقل الرحماني:

لقد عبر القرآن عن جدل الأضداد في ظواهر الطبيعة في مصطلح آيات الله وذلك في قوله:

{ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} (الروم 22).
{إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين} (الجاثية 3).
{وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون} (الجاثية 4).
{واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} (الجاثية 5).
{تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} (الجاثية 6).
لقد أعطى الكتاب في سورة الجاثية ثلاثة مستويات مختلفة لظواهر الطبيعة سماها في الآية رقم 6 بآيات الله. هذه المستويات هي:

1 – المستوى العام: هو ظواهر الطبيعة فيا لوجود المادي كله في قوله: {إن في السموات والأرض}. هنا نلاحظ قوله: {في السموات والأرض}. ولم يقل “إن السموات والأرض”. حيث أن تصديق الظواهر العامة في السموات والأرض هو من أركان الإيمان لذا قال: {لآيات للمؤمنين}.

2 – المستوى الخاص الأول: هو ظواهر الحياة العضوية في قوله: {وفي خلقكم وما يبث من دابة}. وقد جعلها في مستوى يقيني حيث أن الخلق والبث والحياة والموت هي من قوانين الجدل “التسبيح” اليقينية التي يعتبر البعث نتيجتها لذا قال: {لقوم يوقنون}.

3 – المستوى الخاص الثاني: ظواهر الطبيعة غير العضوية كالليل والنهار والأمطار والرياح وقد جعلها في مستوى عقلي أي أنه يربط فيها المقدمات والنتائج ويمكن تقليدها على مستوى صغير لذا قال {لقوم يعقلون}.

والآن: ما هي المركبات المعرفية لظواهر الطبيعة؟ لقد أعطى الكتاب المركبات المعرفية لظواهر الطبيعة في الآيات التالية والتي سماها “كتاب مبين”.

{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (الأنعام 59).
{وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (يونس 61).
{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} (هود 6).
{وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} (النمل 75).
{وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكن عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا اصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} (سبأ 3).
هنا نلاحظ أن الآيات التي ورد فيها مصطلح “كتاب مبين” تحتوي على ظواهر معرفية وهذه الظواهر يمكن أنه تجمل بالبنود التالية:

{ويعلم ما في البر والبحر}: تركيب الأشياء (Ingredients).
{وما تسقط من ورقة إلا يعلمها}: الحركة الميكانيكية للأشياء “الانتقال من مكان إلى آخر”. (Movement).
{ولا حبة في ظلمات الأرض}:
{وما من غائبة في السماء والأرض}: مواقع الأشياء (Position).
{ولا رطب ولا يابس}. الحركة الحرارية والعضوية للأشياء (Transformation of motion).
{وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر}: الكتلة والوزن وقد بين وحدة الكتلة والوزن في الذرة وذكر أن هناك أصغر من ذلك وأكبر من ذلك.
{ويعلم مستقرها ومستودعها}: حركة الحياة العضوية للكائنات الحية بما فيها البشر.
{ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه}: أعمال الإنسان الواعية “السلوك الواعي” مهما استرسل فيها وذلك في قوله: {إذ تفيضون فيه}.
هنا يجب أن نذكر الملاحظة الهامة وهي أنه في الآيات السابقة يتكلم عن أشياء وظواهر موجودة فعلا في العالم المادي.

فطبقا لآيات الكتاب إذا أردنا معرفة ظواهر الطبيعة فما علينا إلا أن نحدد العناصر التالية لهذه الظواهر:

1 – مواقع الأشياء (Position): ففي الموقع يظهر مفهوم النسبة والأضداد، فإذا أردنا أن نحدد موقع جسم ما فما علينا إلا أن ننسبه إلى جسم آخر ثم نحدد موقعه بالنسبة لهذا الجسم، فيظهر مفهوم الفوق والتحت واليمني واليسار والشمال والجنوب.

2 – البعد (Dimension): ففيا لبعد لا يظهر مفهوم النسبية وإنما يظهر مفهوم المقارنة، فعندما نحدد بعد جسم “أبعاده الثلاثة” نحتاج إلى مقياس للمقارنة حيث أن أبعاد الأجسام موجودة في ذات الأجسام غير منسوبة إلى غيرها، وإنما لها مقياس للمقارنة وفيها الصغير والكبير.

3 – حركة الجسم (Motion): في الحركة تظهر الأنواع المختلفة للحركة وفيها مفهوما لنسبية والوقت والأضداد. فهناك الحركة الميكانيكية والحرارية والعضوية وانتقال شكل من أشكال الحركة إلى شكل آخر، فمن الحركة الميكانيكية نحصل على حرارة، ومن الحرارة نحصل على حركة ميكانيكية.

4 – كتلة الجسم: نعبر عنها بالكتلة ثم بالوزن وقد اعتبر الكتاب أن الذرة هي وحدة الوزن “الثقل” وهي وحدة مركبة الأجسام المختلفة.

5 – تركيب الجسم: وهو معرفة العناصر المركبة لهذا الجسم.

6 – الكم في الوحدة أو الكتلة أو البعد أو الحركات بأنواعها.

هذه هي مركبات العلوم الطبيعية كلها، ولكن علينا أن نعلم أن هناك مفهومين متناقضين في هذه العناصر الخمسة الأولى وهما حركة الجسم وموقع الجسم، فلا يمكن للإنسان أن يدرس بنفس الوقت حركة جسم وموقعه. فإذا أردنا أن ندرس موقع جسم في لحظة ما، فهذا يعني أنه لا يتحرك. وإذا أردنا أن ندرس حركته فهذا يعني أن موقعه متغير. فلإزالة هذا التناقض تم تقسيم العلوم إلى فرعين رئيسيين هما:

أ‌ – حركة الجسم دون النظر إلى موقعه، وهذا ما عبر عنه في الطلب بمفهوم الفيزيولوجيا وما عبر عنه في التاريخ بمسار التاريخ. وما عبر عنه في اللغة بمسار تطور اللغة. وعندما ندرس مسار صاروخ من الأرض إلى القمر فإننا نعتبر الصاروخ نقطة مادية.

ب‌ – موقع الجسم وأبعاده ومركباته دون النظر إلى حركته: وهذاما عبر عنه في الطب بالتشريح، فالتشريح يأخذ مقطعا من جسم الإنسان إما في الجنين أو لطفل أو المسن ويدرسه في اللحظة التي تم أخذ المقطع فيها وما عبر عنه فيا لتاريخ بالفترات التاريخية. فالمؤرخ إما أن يدرس حركة مسار التاريخ أو يدرس تاريخ العالم في القرن الثالث قبل الميلاد. ففي هذه الحالة يذكر الشعوب والأسماء والمعارك والوضع الإنتاجي والاقتصادي بكل تفاصيله الممكنة.

إن موقع الجسم وأبعاده يسمى بالمواصفات الهندسية للجسم (Geometrical Properties) وهي من أهم المواصفات التي يدرسها الإنسان في العلوم. فمثلا في الهندسة ظهر عزم العطالة من بعد الجسم وموقعه. فالجسم له ثلاثة أبعاد M3 وله موقع واحد بالنسبة إلى شيء آخر منسوب إليه. وهذا الموقع الواحد له بعد M1. ففي هذه الحالة يصبح عزم العطالة M4.

طريقة التعبير عن المعارف:

قلنا إن أساس المعرفة هو التقليم ثم التسطير “التمييز والتصنيف” وقد تم التعبير عن المعرفة بالأشكال التالية:

1 – التعبير التشكيلي: وهو أن يرسم الإنسان شكلا ما شاهده مشاهدة مشخصة وقد رسم الإنسان فعلا في الكهوف القديمة بعض الحيوانات التي كانت لها صلة مباشرة معه “تعبير فؤادي” ثم تطور هذا التعبير إلى أبجدية بتطور اللغة المنطوقة ووسائل الإنتاج وتطور إلى فنون النحت والرسم والتصوير. أي أن بداية التعبير التشكيلي كانت بداية فؤادية لها علاقة مباشرة بالسمع والبصر ثم تطورت إلى تعبير مجرد عن قيم “انظر فصل المفاهيم في الباب الرابع”. وما زالت هذه التعابير تستعمل حتى يومنا هذا بالرسم في علوم الهندسة والطبيعة والطب.

2 – التعبير اللغوي: وهو أعم وأساس التعابير عن المعرفة الإنسانية وقد بدأ بداية فؤادية مشخصة بالسمع والبصر ثم انتقل إلى التجريد وقد شرحت هذا في مقالتي حول نشأة اللغة وارتباطها بالفكر.

3 – التعبير “الكمي” العددي والرمزي: وهو التعبير الأكثر تجريدا من التعبير اللغوي لذا ظهر في مرحلة متأخرة “حيث ظهر في الرياضيات”. وظهرت فيه العلاقات المجردة بأرقى تعابيرها.

فمثلا عندما نريد أن نعبر عن دائرة، فأما أن نرسمها تشكيليا أو نقول هذه دائرة لغويا أو نكتب معادلة دائرة بالشكل التالي:

R² = X² + Y²

– التعبير العددي “الكمي”:

لنبدأ الآن بتعريف العدد والرقم. إن الرقم والعدد مصطلحان يعبران عن الكم. فالرقم يعبر عن كم معرف والعدد عن كم غير معرف، أي أن الرقم عبارة عن عدد معرف. فإذا قلنا مثلا لإنسان: عد الطلاب الموجودين في القاعة وقال إن عددهم “45” طالبا.

ففي هذه الحالة يكون قد أجابا لطلب، وإذا قلنا له رقم الطلاب الموجودين في القاعة فقال إن زيدا رقمه واحد وعمرا رقمه اثنان… وهكذا دواليك، فالعدد هو واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، والرقم هو الأول، الثاني، الثالث، الرابع. فالفرق بينهما هو كالفرق بين المعرفة والنكرة. فالعدد منكر والرقم معرف. لذا فعندما نمارس علوم الكم فإننا نتعامل مع الأعداد لا مع الأرقام فنقول: الضرب العددي، لا الضرب الرقمي. فإذا أردنا أن نبحث في كيفية ظهور الأعداد والأرقام عند الإنسان فما علينا إلا تتبع نفس خطوات نشأة اللسان، فبداية نشأة اللسان كانت بداية فؤادية أي أن بداية العد كانت بداية فؤادية متصلة بحاستي السمع والبصر. فالطفل الآن لا يجرد الأعداد بل نضع له تفاحة ونقول هذه تفاحة. ثم نضع تفاحتين ونقول هاتان تفاحتان.

والإنسان القديم عندما بدأ بالعد لم يجرد العد من مدلولاته. فمهمة الفؤاد في العدد هي “هل يفيد العدد الدال على الشيء المدلول المشخص أم لا يفيد” أي المطابقة بين الكم ومدلولاته المشخصة وبالتالي الكم والكيف معا.

وهكذا نرى في الحضارات القديمة أن أسماء الأشياء وأعدادها مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا بالمعادلة التالية:

1 “تفاحة” + 2 “تفاحة” = 3 “تفاحة”.

ثم جاءت المرحلة التالية وهي مرحلة التجريد وهو فصل العدد الدال عن الشيء المدلول أي فصل الكم عن الكيف وهو ما يسمى بالتجريد العددي، وقد تعلم الإنسان التجريد في الأعداد من اللغة المجردة، فهو لم يستطع تجريد الأعداد إلا بعد أن جرد اللغات وأصبح عنده علاقة اصطلاحية بين الصوت والمدلول. لذا ظهر التجريد العددي عند الإنسان متأخرا عن التجريد اللغوي أي أصبح عنده جمع مجرد وهو:

1+2=3.

أي أعداد مجردة عن مدلولاتها. وهكذا ظهر علم الحساب عند الإنسان القائم على استعمال العلاقات المنطقية القائمة على عدم التناقض بين المقدمات والنتائج. أي أن علاقات التأثير والتأثر المتبادل بين الأشياء أصبحت علاقات تأثير وتأثر متبادل بين الأعداد طال قانونا لثاني للجدل” فأصبح:

1+2=3

3-2=2

1+1+1=3

1+1-1=1

أما كيفية التطور في التعبير عن الأعداد فهو بحث خاص مشابه لتطور التعبير عن الأصوات اللغوية “الأبجدية”:

P1-343

– القدر والمقدار:

لقد بدأ العد بتعبير كمي عن كيفيات متماثلة أو مختلفة، ثم انتقل إلى تعبير كمي مجرد عن الكيف. لذا وجب علينا تمييز مصطلحين وردا في الكتاب وهما القدر والمقدار فكلاهما له أصل واحد وهو فعل “قدر”. وهذا الفعل في اللسان العربي أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته. فالقدر مبلغ كل شيء والقدر قضاء الله تعالى الأشياء على مبالغها ونهاياتها التي أرادها وكذلك القدر ومنه جاءت قدرة الله تعالى وهي استطاعته على نفاذ أي شيء يريده في كمه وكيفه: {وهو على كل شيء قدير}. وقوله: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} (القمر 55). فالقدر كما ورد في آيات الكتاب هو وجود الأشياء بكمها وكيفها معا “كنهها” خارجا لوعي الإنساني حيث أن الكم والكيف لا ينفصلان عن بعضهما في الوجود الموضوعي وفي كنه الأشياء وغايتها وهو التحول “تغير الصيرورة” والتطور.

لذا قلنا إن القرآن فيه قوانين القدر وهو الحق. وهكذا نفهم قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر 49). وقوله: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} (الفرقان 2). وقوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} (الواقعة 60). وقوله: {وقدر فيها أقواتها} (فصلت 10). وقوله: {من نطفة خلقه فقدره}. عبس 19). وبما أن القدر فيه الكم والكيف معا وفيهما تكمن وظيفة الأشياء قال: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} (الأعلى 1، 2، 3). هنا لا حظ كيف ربط {قدر فهدى}. أي أن وجودا كميا وكيفيا معا يؤدي إلى هداية الشيء للقيام بوظيفته. لذا وضع {والذي قدر فهدى}. في صيغة مطلقة وليس لها أي علاقة بالسلوك الإنساني الواعي.

أما المقدار فقد عبر عنه الكتاب على أساس أنه كم مجرد عن الكيف وهو صيغة معرفية مجردة لأنه لا يمكن أن يجرد الكم عن الكيف إلا في الصيغ المعرفية المجودة، ففي الواقع الموضوعي يوجد:

تفاحة + تفاحة = تفاحتان “قدر” كم وكيف معا.

أما في الواقع المعرفي المجرد فنقول:

1 + 1 = 2 “مقدار” “كم مجرد فقط”.

ولقد جاء المقدار في الآيات التالية:

أ- الله يعلم ===> معرفة.

ب- ما تحمل كل أنثى ===> كيف، وهو الحمل.

ج- وما تغيض الأرحام وما تزداد ===> كم مرتبط بالكيف، تغيض وتزداد “زيادة ونقصان في “الكم” أرحام “كيف”.

د- وكل شيء عنده بمقدار ===> كم مجرد حيث عمم الكم على معرفة الأشياء.

2 – {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} (السجدة 5).

{تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} (المعارج 4).

هنا نلاحظ كيف أتبع مصطلح المقدار بتعبير عددي “كمي” مباشر. وهكذا نجد أن نفخة الروح بدأت بقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها}. والتجريد اللغوي. ثم تطورت إلى التجريد الكمي الذي تم التعبير عنه بالأعداد والرموز الرياضية. وهكذا نجد أن اللغة والرياضيات هما وجهان لعلم واحد وهو “قانون عدم التناقض والعلاقات المنطقية” أي أن مادة علم المنطق هي اللغة والرياضيات. فإذا كانت اللغة قائمة على التجريد، فالرياضيات هي مرحلة متقدمة وهي تجريد التجريد.

وإذا أردنا أن نعرف علم الله في الأشياء فهو علم رياضي بحت، أي في علم الله لا يوجد أصفر فاتح وأصفر غامق، وتفاحة كبيرة وتفاحة صغيرة، ولكنها في علمه كلها علاقات رياضية عددية بحتة وهي مفاتيح الغيب لأن العلاقات الرياضية تتصف بالدقة والتنبؤ وعندما يريد الله أن يخبرنا عن شيء من علمه فهناك طريقتان:

أ‌ – إخبار رياضي مباشر غير لغوي. وقد جاء هذا الإخبار في السبع المثاني.

ب‌ – تحويل هذا الإخبار إلى لغة إنسانية. وهذا ما حصل في ليلة القدر عند إنزال القرآن، أي تحويله إلى صيغة لسانية قابلة للفهم من قبل الإنسان وهذا هو الجعل {إنا جعلناه قرآنا عربيا}.

ولكي نفهم كيف تحصل المعرفة بالمقدرات “القدر” من خلال الأعداد “المقدار” ما علينا إلا أن نشرح المفهوم التالي:

– العد والإحصاء:

العدد في اللسان العربي جاء من فعل “عد” وهو أصل صحيح يدل على مقدار ما يعد. ويقال ما أكثر عديد بني فلان وعددهم ومنه جاءت العدة: ما أعد لأمر يحدث والاستعداد له، وجمع العدد أعداد، وعداد الملدوغ أن يجد الوجع ساعة بعد ساعة، وعداد السليم أن يعد له سبعة أيام، فإذا مضت رجوا له البرء، ومن الباب العدان لأنه محدود بزمان. وأن عداد القوس أن تنبض بها ساعة بعد ساعة.

والإحصاء في اللسان العربي جاء من فعل “حصو” وهو المنع والعد مع الإطاقة وشيء من أجزاء الأرض ويشتق منه الحصاة “العقل” كقول الشاعر:

وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل

لنر الآن كيف جاء العدد والإحصاء في الكتاب وبأي معنى تم استخدامهما:

{فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} (مريم 84).
{لقد أحصاهم وعدهم عدا} (مريم 94).
{قالوا لبثنا يوما أوب عض يوم فسئل العادين} (المؤمنون 113).
{قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين} (المؤمنون 113).
{قال كم لبتم في الأرض عدد سنين} (المؤمنون 112).
{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} (يونس 5).
{فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا} (الكهف 11).
{فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} (الجن 24).
{وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} (الجن 28).
{وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} (إبراهيم 34).
{وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} (الحج 47).
{أحصاه الله ونسوه} (المجادلة 6).
{لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} (الكهف 49).
{وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس 12).
{وكل شيء أحصيناه كتابا} (النبأ 29).
{فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} (الطلاق 1).
{ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} (الكهف 12).
إن الآيات الواردة أعلاه تدل على أن العد والإحصاء فعلان متغايران مع وجود علاقة ما بينهما. فلو كان العد هو الإحصاء لأصبحت الآية: {لقد أحصاهم وعدهم عدا}. لا معنى لها أي تصبح “ولقد أحصاهم وأحصاهم” أو “لقد عدهم وعدهم” وكذلك الآية 28 من سورة الجن تبين أن هناك فرقا وعلاقة بين الإحصاء والعدد وذلك في قوله: {وأحصى كل شيء عددا}. فكونه قال “عددا” وهي هنا حال لفعل أحصى فهذا يعني أن هناك إحصاء من نوع آخر غير عددي. فالإحصاء هو أن نعقل الأشياء. فحن نرى نخلة فنعقلها عن طريق الحواس ولكننا نراها كقطعة واحدة متكاملة علما بأنها تتألف من آلاف الجزيئات أي نراها كما متصلا ووحدة متكاملة “نحصيها” بحيث إذا ضمت هذه الجزيئات المتألفة منها النخلة “كم منفصل” بعضها إلى بعض أصبحت نخلة “وحدة متكاملة”.

لذا فإننا نميز عدة أنواع من الإحصاء وهو أن نعقل الشيء ككل وذلك ما بأن نعرض صورة له ونرسمه وهذا ما نفعله الآن عندما نريد أن نعقل خلية فنضعها تحت المجهر ونرسمها “إحصاء كيفي” وإما أن نعقل الشيء عن طريق الوصف اللغوي كأن نصف شخصا وصفا عن طريق التعبيرات اللغوية بحيث أن المستمع يأخذ صورة كاملة عنا لشخص الموصوف “إحصاء لغوي” أما النوع الثالث من الإحصاء فهو الإحصاء العددي، أي الإحصاء عن طريق الكم أي أننا نأخذ صورة كاملة عن الكم المتصل “الإحصاء” بواسطة الكم المنفصل “العدد”. لذا قال عن إحصاء الله للأشياء بأنه إحصاء عددي لا إحصاء لغوي أي أن علما لله للأشياء كما قلت علم رياضي تجريدي بحت.

فإذا قلنا لشخص ما: كم عدد الطلاب في القاعة فيقول مباشرة إن عددهم مثلا عشرة طلاب وإذا قلنا له أحص الطلاب الموجودين في القاعة فيجب عليه أن يعطينا صورة كاملة عن كل الطلاب الموجودين في القاع بحيث يمكننا أن نأخذ صورة كاملة “متصلة” عنهم من خلال إحصائه لهم دون أن نراهم. وعندما نسأل عن عدد سكان سوريا في عام 1988 فالجواب يأتي في عدد واحد وعندما نسأل عن النشرة الإحصائية للجمهورية العربية السورية عن عام 1988 فالجواب يأتي في مجلد كبير يقدم لنا صورة متكاملة “كما متصلا” عن الجمهورية العربية السورية ولكن التعبيرات في هذا المجلد عبارة عن معلومات عددية منفصلة بعضها عن بعض بحيث أن مجموع هذه المعلومات يعطينا صورة متكاملة عن سوريا، وكلما زادت المعلومات العددية المنفصلة زادت الصورة وضوحا.

لذا قال: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} أي أننا يمكن أن نعدد نعما لله علينا بشكل منفصل ونقول: النعمة الأولى البصر، والثانية السمع، وهكذا دواليك. ولكننا مهما عددنا هذه النعم واستغرقنا في عدها منفصلة لا يمكن لنا أن نعقل “نحصي” نعمة الله علينا ككل متكامل متصل.

ونفهم قوله: {قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين}.

فالسنة وحدة زمنية منفصلة إذ نقول: سنة.. سنتان. ولكن السنة الواحدة تحوي على وحدات زمنية أصغر منها وهي الشهور والأيام…الخ. فإذا قلنا سنة سنتان فيكون الانفصال في العد بين العدد والذي يليه هو سنة. لذا كان السؤال {عدد سنين} فجاء الجواب {فسئل العادين}.

وبما أن الإحصاء هو كم متصل متكامل فعندما نسجل على إنسان عمله صوتا وصورة ثم نعرضه له، فهذا إحصاء لأن المشاهد يأخذ صورة متكاملة عن عمل الإنسان، فالإحصاء يمكن أن يكون لشيء واحد متكامل تنطبق عليه مقولة أصغر وأكبر، ولا تنطبق عليه مقولة أكثر وأقل. وهكذا نفهم قوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} (الكهف 49).

هذه الآية تبين لنا بشكل واضح الأمور التالية:

1 – أن أعمال الإنسان غير مكتوبة وغير مسجلة سلفا.

2 – أن الله يأخذ صورة وصوتا عن أعمال الإنسان حين قيامه بها وقد أكد هذا في قوله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (الجاثية 29).

3 – ولكي يؤكد أن الصورة والصوت المنسوخة عنه والمكتوبة “المجمعة والمصنفة” ستعرض عليه يوم القيامة ويراها “يعقلها” بنفسه فقد قال: {ووجدوا ما عملوا حاضرا}.

4 – ولكي يؤكد معنى الإحصاء بأنه كم متصل استعمله في حالة المفرد واستعمل مصطلح الصغير والكبير معه نال: {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها}.

أما العدد فإننا نستعمل معه الكثرة والقلة. فعندما يرد مصطلح {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (الأعراف 187). فإنه يقصد أكثر من شخص واحد وعندما نقول “ولكن أكبر الناس لا يعلمون” فإننا نقصد شخصا واحدا ككل.

لذا قال عن معركة حنين {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} (التوبة 25). وقوله واضح أنه عن الكثرة والقلة، وأن الكثرة أكثر من واحد فقال {لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} (الفرقان 14).

وعندما نقول إن العدد سبعة أصغر من ثمانية فإننا نقارن بين العدد سبعة ككل وبين العدد ثمانية ككل ونستنتج أن الثمانية أكبر من السبعة. أي أننا نقارن بين ما يحوي الرقم سبعة ككل مع كل أعداده ومركباته الجزئية، وبين الرقم ثمانية ككل مع كل أعداده ومركباته الجزئية.

والآن بعد أن عرفنا أن الإحصاء هو “التعقل” نقول بأن له عدة أنواع، فعندما يكون نوع الإحصاء عدديا يصبح كما متصلا. والعدد كم منفصل. فالكم المتصل والكم المنفصل يخضعان للمساواة والترجيح. فعن الكم المتصل نقول:

Y = X

أو

Y > < X

وعن الكم المنفصل نقول:

4= 3 + 1

5 > 4

5 < 6

والآن كيف نحول الكم المنفصل إلى كم متصل؟

لكي نعرف كيف يتم التحويل نورد المثال التالي:

P1-349

إذا أخذنا المستقيم AB ولنقل إن هذا المستقيم هو حرف طاولة ذو لون أخضر. ثم غطينا هذا المستقيم بقطعة من القماش ذات لون أصفر. ووقف متفرج فإنه يرى قطعة القماش ذات اللون الأصفر ولا يرى شيئا من حرف الطاولة. فعند ذلك نقول إن لون حرف الطاولة مجهول. فإذا ثقبنا قطعة القماش في النقطتين A وB فإن المشاهد يرى نقطتين خضراوين أي إنه يعرف لون حرف الطاولة في نقطتين. فعند ذلك نقول إن المستقيم معرف في نقطتين. وإذا أخذنا الآن نقطة ثالثة C وثقبناها. فسيرى المشاهد ثلاث نقاط ذات لون أخضر، والباقي مجهول. وتبقى باقي المسافات مجهولة. فإذا استمرينا بتثقيب النقاط يزيد عدد النقاط المعرفة، وتقل المسافة بينهما. وهذه المسافة نرمز لها بـ X وهي مقدار حسابي عشوائي ليس له إشارة. فكلما قلت المسافة X بين النقاط زاد عدد النقاط المعلومة. فإذا انتهت X إلى الصفر فإن عدد النقاط المعلومة ينتهي إلى اللانهاية. ففي هذه الحالة نرى نقاطاً متقطعة “كما منفصلاً” ونرى خطا مستقيماً “كماً متصلاً” أي أننا أحصينا المستقيم “عقلناه” من خلال عدد لا متناه من النقاط المنفصلة.

P1-350

ونرى أن أحسن تعبير عن الكم المنفصل هو X وأحسن تعبير عن الكم المتصل هو dX. أي عندما تنتهي X إلى الصفر تحصل على dX.

وهذا هو الفرق بين الكمبيوتر والمعادلات الرياضية “التفاضلية” فالكمبيوتر يعمل على Y X أي يعمل على الكم المنفصل. لذا فإنه يعبر عن نتائجه من خلال نقاط منفصلة (dots) وكلما قربت النقاط المنفصلة من بعضها زادت دقته. أما المعادلات الرياضية فتعمل على dY, dX النهايات والمشتقات وتعبر عن الكم المتصل. أي تابع ومتحول من خلال التعبير (Y = f(X وبما أن المعادلات التفاضلية تعبر عن كم متصل فإن أحد أسس صحتها هو الاستمرارية. وبما أن الاستمرارية غير متوفرة في عالم الذرة فإن الرياضيات الكلاسيكية تصبح غير صالحة لهذا العالم. ولذلك لجأنا إلى مفهوم جديد هو ميكانيك الكم Quantum Mechanics.

وبما أن الرياضيات هي تعبير مجرد رمزي لها رباط منطقي قائم على عدم التناقض فهي تحمل خاصية اللغة التي هي تعبير مجرد أي تحمل خاصية الأضداد في التعبير. فهناك الموجب والسالب. وإنه من الخطأ الفاحش أن نقول إن -3 و +3 هما أزواج. بل هما أضداد لأنه يعدم أحدهما الآخر.

0 = 3 – 3 +، 0 = X – X +

وهناك أيضاً الحلول الحقيقية والحلول الوهمية، وهما من المتناقضات لأنهما ملتبسان بعضهما مع بعض في نفس المعادلة فعند الحل ننسف الحل الوهمي ونأخذ الحل الحقيقي.

وبما أن الكم المنفصل والكم المتصل يعبر عنهما من خلال الأضداد فهناك لمرحلة الانتقالية بينهما كالفجر بين الليل والنهار وهذه المرحلة الانتقالية هي الصفر. أي أننا يجب أن لا نفهم الصفر على أنه عدد بل هو كيف، يعبر عن انتقال الأعداد “الكم المنفصل والتوابع “الكم المتصل””. من ضد إلى الضد الآخر. فالصفر في الأعداد هو مرحلة انتقال من كيف إلى كيف آخر. والصفر في المعادلات يعبر عن التجانس. وفي المشتقات يعبر عن النهايات.

وكذلك يجب أن نفهم اللانهاية على أنها حالة تمثل حالة انتقالية من كيف إلى كيف آخر.

والآن يمكن لنا أن نطرح السؤال التالي:

هل هناك أعداد لها صفات المتصل والمنفصل معا؟؟

فإذا كان هناك أعداد تحمل هذه الصفة المميزة جدا عن غيرها، وجب أن يكون لهذه الأعداد صفات أساسية لها علاقة في الطبيعة حيث أن الطبيعة يتمثل فيها المنفصل والمتصل معا.

هذه الأعداد أطلق عليها اسم الأعداد المتعالية أو الأعداد السامية (Transidental Number). وسنطلق عليها نحن مصطلح الأعداد الرحمانية لأنها حوت الثنائية. هذه الأعداد يجب أن تحمل الصفات التالية:

لا يمكن أن تكون عددا صحيحا كالعدد 2.
لا يمكن استنتاجها من تقسيم عددين صحيحين كتقسيم 5÷2=2.5.
ليس لها نهاية كسرية كالعدد 4.5667.
ليس لها نهاية كسرية تحمل صفة الترداد. كالعدد 1.33333 أو كالعدد 1.181818.
وبالتالي يمكن استنتاج هذه الأعداد من سلسلة غير متناهية. فإذا نظرنا إلى الأعداد التي تحمل هذه الصفات رأينا أن فيها عددين أساسيين هما (e) أساس اللوغاريتم الطبيعي، والعدد الذي يمثله الرمز (Pi) اللاتيني أساس التوابع الجيبية. هذان العددان يستنتجان من سلسلة غير متناهية وليس لها نهاية مترددة. فضمنا كل منهما يحمل كل الأعداد المنفصلة وهما في ذاتهما يمثلان كما متصلا. فإذ نظرنا إلى هذين العددين رأينا أن العدد e يرصد التوابع الأسية. والعدد الذي يمثله الرمز (Pi) اللاتيني يرصد التوابع الجيبية. فالتوابع الأسية تمثل التزايد والتناقص في الطبيعة.

والتوابع الجيبية تمثل الترداد في الطبيعة والتابعان الأسي والجيبي هما تابعان أوليان في الرياضيات أي أن حلا لمعادلة هو أن تصل إلى تابع أسي أو تابع جيبي أو تابع أسي جيبي.

وكذلك نجد أن الجذر التربيعي لـ 2 هو عدد رحماني. والذي يستنتج من علاقة فيثاغورث للمثلث القائم الزاوية والمتساوي الساقين حيث كل ضلع قائم يساوي الواحد والوتر يساوي الجذر التربيعي لـ 2 أما في مفهوم الجذر التربيعي الموجب فتظهر وحدة الأضداد فنقول إن جذر 4 هو +2 و-2. أما إذا أخذنا حالة السالب مثلا – 4 فنقول إن – 4 =-1×4. فجذر 4 هو + 2و-2. ويبقى لدينا جذر الـ -1 الذي يظهر لنا أن هناك حالة وهمية وحالة حقيقية. فظهرت الأضداد في السالب والموجب وظهر النقيضان الملتبسان معا في الحقيقي والوهمي.

وبما أن اللغة هي تجريد والرياضيات هي تجريد وترميز معا فكلاهما قائم على قانون عدم التناقض وقانون التأثر والتأثير المتبادل “العلاقات المنطقية” ففيهما التعريف والتنكير. فـ “ال” تعتبر أداة تعريف في اللغة يقابلها الإحداثيات في الرياضيات. والإضافة في اللغة للتعريف، والإضافة في الرياضيات x1, x2, x3 أيضا للتعريف.

التغيرات الكمية والكيفية:

قلنا إن الكم والكيف مرتبطان في الطبيعة ارتباطا لا ينفصل والمعرفة الإنسانية تميز بعضها من بعض بعملية التقليم فالمعرفة الإنسانية إما أن تهتم بالكيف أو بالكم وهذا يتبع مستوى المعرفة الإنسانية فالأذن تميز النغمات المختلفة في الأصوات أولا وهي كيف والعين تميز الألوان وهي كيف والجلد يميز درجات الحرارة والنعومة والخشونة وهي كيف. فبداية التمييز كيفية فؤادية تحولت عن طريق التجريد إلى تعبير كمي علما بأن الكم والكيف مرتبطان معا في الطبيعة من قوله تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} (الأعلى 1-3) أي أن وظيفة كل شيء تتبع المقادير الموجودة فيه وأن أي تغير كمي في الأشياء يتبعه تغير كيفي وظيفي.

ولولا هذا القانون لأصبحت كل علوم الرياضيات علوما ليس لها أي معنى ولا تعكس أي واقع موضوعي. أي أن التعبير المعرفي القائم على الأضداد لقانوني الجدل الأساسيين في الأشياء الأول والثاني هما التغيرات لكمية التي يلازمها تغيرات كيفية، ولولا هذا التغير الكمي والكيفي لما أمكننا فهم قوانين الجدل في الطبيعة وفي الإنسان. فقانون التغير الكمي الذي يلازمه تغير كيفي هو قانون تابع لقوانين الجدل 1، 2 وغير منفصل عنهما وهو القانون الذي مكنا لإنسان من فهم قوانين الجدل الأساسية فعندما نقول: حين تبلغ درجة حرارة الإنسان 43 فهذا يؤدي إلى الموت فالحرارة كم والموت هو انتقال من كيف إلى كيف آخر. وارتفاع الحرارة في الماء يؤدي إلى التبخر فارتفاع الحرارة تعبير كمي والانتقال من حالة سائلة إلى حلة بخارية حالة كيفية وقابلة للانعكاس وتكاثف بخار الماء يؤدي إلى انخفاض الحرارة وهذا التكاثف له تعبير كمي، وانخفاضا لحرارة له تعبير كمي. وكلاهما يمثل كيفا متميزا عن الآخر ولكنهما متعلقان ببعضهما وهذا ما شرحته في قوله تعالى:

{خلق الإنسان من علق} (العلق 2). أي أن الوجود الموضوعي عبارة عن علاقات متداخلة بعضها ببعض فما علينا إلا أن نميزها ونفصلها عن بعض “التقليم” وهذا الفصل هو فصل معرفي بحت يجري من قبلنا، أما فصل كيفيات مختلفة بعضها عن بعض أو فصل بين كم وكيف وفصل بين كميات مختلفة بعضها عن بعض والتي تعبر عن كيفيات مختلفة فهذا أرقى أنواع التقليم الذي هو التقليم الكمي من كيفيات مختلفة. وهو الذي قلنا عنه بأنه أرقى أنواع العلوم فهو “الإحصاء العددي”. {وأحصى كل شيء عددا} (الجن 28).

وعليه يمكن أن نقول إن قانون الكم والكيف هو الذي سمح للإنسان بمعرفة الطبيعة عن طريق التقليم وإنه سمح للإنسان بفهم الطبيعة وقوانين الجدل وهو الذي سمح للإنسان بالسيطرة على قوانين الطبيعة لمصلحته. فالله مسيطر على الطبيعة ومعرفته لها معرفة رياضية ونحن أيضا نمتلك معرفة رياضية وكلما زادت معرفتنا الرياضية بالطبيعة زدنا سيطرة عليها حيث أن المعرفة الرياضية تتصف بصفتين أساسيتين هما الدقة والتنبؤ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *