حنّون مجيد: قصص قصيرة جدا

1 ــ لكي يري جيداً

استيقظ علي صوت صديقه، يقف علي رأسه، يقول:
ــ مالي أراك تنام لابساً نظارتيك ؟
أجاب:
ــ آه، لكي أري أحلامي جيداً.
بغداد 5/5/2010

2 ــ تبادل أخلاق

بعد لأي اتفق مع سائق الأجرة علي أن تكون أجرته ستة آلاف ديناراً وليس سبعة آلاف. ثم لما حط بجسده هناك سأله إن كان في السيارة جهاز تبريد. أجاب:ستة آلاف وتبريد ؟
ــ لا بأس، رد مستكيناً، فلا حاجة لي في التبريد.
عندما حرك السائق سيارته رق قلبه علي الرجل الكبير ففتح التبريد.
عندما وصل الرجل إلي هدفه رقّ قلبه علي السائق المسكين فنقده سبعة آلاف.
بغداد 10/6/2011

3 ــ غربة

من علي كرسي وثير بارد، وباسترخاء تام، مضي صوت زيد يرن متمهلاً بأذن صديقه البعيد عمرو.
ومن فوق شارع ترابي عاج وتحت شمس لا تطاق تلقي عمرو مكالمة صديقه زيد بود غامر أول الآمر.
لم يعرف زيد وما كان بمقدوره أن يعرف، وقد استرسل في حديث مسهب ممل، سر عذاب صديقه عمرو، وهو ينقل حمله الثقيل من يد ليد، كذلك لم يسمع فحيح صوته الحار وهو يرد عليه.
بغداد 16/6/2011
4 ــ ضجر

برشاقة عاليه حطّ علي شجرة يوكالبتوس جرداء , انتبذت موقعاً علي نقطة من الرصيف. جسده ممشوق ورقبته غيداء ومنقاره جميل. لحظة وغادر الشجرة بجناحين خفيفين. لقد أضجره ركام السيارات المتثاقلة علي جسد الشارع العام، وانفعالات الناس.
بغداد 20/6/2011

5 ــ قطة وبخيل

تقضي جل وقتها بالنوم حيثما يكون ثمة ظلالٌ في البيت. هزيلةٌ غافية كأنها خلقت لتنام. وبالرغم من جوعها المستديم فهي لا ترتاد شارعاً ولا تقفز سياجاً علي جار. تستيقظ علي الصبي السمين، كلما عاد بكيس فيه طعام. هناك تقعي قبالته، تنظر إليه بعينين مسكينتين تنتظر ما قد تجود به نصف يمناه.

بغداد 20/6/2011

6 ــ وحيدة

الجو قارس وهي تدبّ وحيدة أشبه بالعرجاء علي بلاط عاكس يشفّ عن صورة الماشي عليه.
وحيدة، آلمها البرد، تدرج علي بلاط كالمرآة، تبحث عن القرين الذي يمشي تحتها ولم تقبض عليه.
عمان 5/7/2011

7 ــ ليل

هبط الليل. ضغط علي أزرار كانت قريبة من أصابعه فشع الضوء. هو ذا في أول ليل له بعيداً عن وطنه. قلّب كتاباً جلبه معه من هناك، وهيأ دفتراً جديداّ واستل قلماً. ما أذهله أن وجد أوراق كتابه ملساء بيضاً، وأوراق دفتره سوداً، وقلمه جافاً. نهض منكسراً، أغلق الضوء وغرق في عاصفة ليل.
عمان 5/7/2011

8 ــ عداله

كان يريد أن يكتب رسالة يقول فيها، الجو هنا عطر كأنفاسك ورائق كطلتك، لكن لا سلوي لي فيه إلا بوجودك. ولما فكر في أي من المرأتين ينبغي أن يوجه خطابه إليها ألغي رسالته.
عمان 5/7/2011

9 ــ ذباب

نزل المكان حديثاً.. نظيفاً كأن لم يسبق أن دب عليه كائن من قبل. فتح زوادته وأكل، ثم فتحها وأكل، دخل الحمام وخرج، جال في الغرف والأبهاء، نام هنا واستلقي هناك، رمي زوائده في اليمين وفي الشمال، دهش إذ رأي ذبابة تحط علي كفه، وأخري تجثم فوق زوادته، وثالثة تهوّم في مدار أنفه وعينيه، وثم سرب أسود في طريقه إليه. صرخ في رد فعل غفل:يا إلهي، من أين أتي كل هذا الذباب ؟
عمان 6/7/2011

10 ــ في المقهي
الشبان الأربعة يلعبون الورق. الرجل يقرأ ويكتب. يتابع أحياناً لهوهم واستغراقهم، لم يلتفتوا إليه، كانو صاخبين نوعاً وكان يلفه السكون. كانوا أربعة ً سعداء، وكان واحداً شقياً.
عمان 9/7/2011

11 ــ يموتون ولا يموت

الملك الجبار يأكل ويشرب وينام ثم يموت.
التاجر السعيد يأكل ويشرب وينام ثم يموت.
العامل الشقي يأكل ويشرب وينام ثم يموت.
الخادم الوفي يأكل ويشرب وينام ثم يموت.
الخائن المحتال يأكل ويشرب وينام ثم يموت.
الكاتب يقرأ ويكتب وينام ثم يصحو ولا يموت.
عمان 10/7/2011

12 ــ أيام خضر قادمة

نظر إلي تاريخ أوراقه أمامها 11/7/2011 ونظر كذلك إلي جسدها الشاحب الهزيل. قال لها:ما أجمله من تاريخ سيكون حين يحل 11/11/2011. احفظي هذا التاريخ فلربما سيكون لكِ فيه تحقيق أمل صعب.
عندما فزت جوارحها أردف مع نفسه، ربما جعلتُ، وحتي ذلك الحين، من أيام هذه اليابسة أياماً خضراء.
عمان 11/7/2011

13 ــ ثلج ونار

سألها عبر الهاتف، كيف هو الجو في بلدكم العزيز ؟
ردت:نار، وكيف هو في بلدكم الأعز ؟
قال:ثلج.
قالت:آه.. ما ألطف ذلك. أرسل لي إذن قالبين.
عمان 11/7/2011

14 ــ إختلاط

سعد السائح بطعام يومه اللذيذ، لكنه لما دوّن حساباته اغتمّ.
عمان 12/7/2011
15 ــ الشيوخ إلي مقهاهم
الطريق متماوج شاق، فهم يسيرون مطرقين صامتين، ثم حين يصلون إلي مقهاهم يرفعون قاماتهم ويثرثرون.
عمان 12/7/2011
16 ــ ملك

منتشياً يقف علي الرصيف. أمامه وخلفه بنايات تسد الفضاء. كلما سلكت طريقاً إليه وسألته كيف أنت، أجابني:ملك. يمرر يده اليمني علي صدره بروية واعتداد ويكرر بلسانٍ خدران، ملك، ويهيم في فصاء لا خيال فيه. مرة وقد سقطت صحته تماماً، سألته وكيف أنت الآن ؟ سقطت نظرته إلي الأسفل وقال:عبد، لقد قتلني ذلك الشيء اللعين.
عمان 12/7/2011

17 ــ رسالة إلي بخيل

بعد أن أكل لذيذاً، وشرب منعشاً ألقي بجسده علي السرير, وأرسل رسالته إلي صديقه البخيل، ها أنا اليوم سعيد، بل أكثر سعادة من أي وقت، أتعرف لماذا يا صديقي الأثير؟ ذلك لأنني حررت جيبي من النقود. النقود بالنسبة لي يا عزيز مصدر للقلق والارباك، فإن لم أتحرر منها أموت.
عمان 12/7/2011

18 ــ رسالة أخيرة

كتب:فكرت أن أرسل إليك رسالة أقول فيها:كم، وأنا في عزلتي هذه، في حاجة إليك، فأحجمت لئلا تردي عليها برسالة فارغة كما فعلتِ مرتين. لن أكتب بعد الآن. سأحتفظ برسائلي تدور مع أنفاسي، كما يدور دمك في جسدي.
عمان 13/7/2011

19 ــ أفراح اللغة

فزع الصبي لما رأي خطاً أخضر يلوح محدّداً فوق شفتيه، هرع إلي أبيه الحكيم، ما هذا يا أبتاه ؟ شارب، قال الأب، إنه شارب هذا الشيء الذي ينبت علي شفتك العليا، شيء اسمه شارب. فرح الصبي وجمع أترابه، شارب هذا الخط المرسوم علي شفاهكم، اسمه شارب. تبادل الأصدقاء الاسم بفرح صبياني وجعلوا يمرحون ويهزجون، شارب، إنه شارب. ثم ما هذه أبتاه ؟ ذقن أجاب الأب، ذقن وتناقل الأصدقاء الاسم، آه ما أجمله من اسم ذقن، ذقن ويحتفلون ؛ شارب، ذقن، رجولة، رقة، جمال، حب، وقبل ذلك عرفوا، أم، امرأة، فتاة، نهر، شجرة، غاب، أسد، نمر، صديق، وكانوا يفرحون كل يوم ويحتفلون ويطربون. أفراح.. أفراح متلاحقة.. كل الأفراح ولا أفراح اللغة التي لا تنتهي ونطرب لها كل يوم.
عمان 14/7/2011

20 ــ تضرع

تخف نفسه علي قدمين خفيفتين ترتقيان به مرتفعاً نحو شارع عام، يهمس، الحمد لله، قدمان سليمتان، والعمر لم يأفل بعد. ما يفجئه بعد لحظات وقد طوي بعض الطريق، أن قلبه بدأ يضرب الأضلاع ويقطع الأنفاس فيعجز عن اتيان أيما حركة.. هناك يقف تماماً يلتقط أنفاساً مدبرة ويقول متأسياً :آه ما أغرب هذا، قدمان سليمتان وقلب معلول إذن متي يا إلهي تتناسب الأشياء.
عمان 14/7/2011

21 ــ وحدة الكاتب

يحل في الفندق، يسكن في غرفة متواضعة. ينام ثمة متأخراً ويستيقظ مبكراً، يغسل أسنانه ويلقي نظرة علي الكون الصامت إلا من تخاطف سيارات قليلة مسرعة. يهبط الشارع يبحث عن مطعم مبكر صغير صار مألوفاً لديه. يفطر ويتغدي هناك ولا يتعشي، يهيم في الشوارع ؛ كتابه ودفتره معه كلما جلس في مقهي قرأ أو كتب أو استطلع شيئاً. يعود إلي فندقه مساءاً يقرأ ويكتب وينام ويستيقظ مثل كل يوم. يحدث نفسه ؛ وحيد.. وحيد تماماً، لكن ما أوسع حريتي.
عمان 15/7/2011

22 ــ أصدقاء

كلما وفد علي بلدهم استقبلوه قلوبهم دفء وبيوتهم سلام. يفكر في الشيء الذي سيحيطهم به لو زاروه في بغداد. يستيقظ علي فتنة دجلة وما يزخر به من سمك طازج حر، والنخيل وما يجود به من تمر عذب، والحقول وما تقدمه من خبز نقي، إنما سيعرّفهم ثمة علي أن الشاي في بغداد ألذّ ما يمكن أن يذوقه لسان.
عمان 15/7/2011
23 ــ مزاح بريء !

مازح عجوز عجوزاً قائلاً لها:
ــ يحكي أن عجائز الرجال أعظم من يستطيع أن يفك لذائذ النساء.
ردت:
ــ ويحكي أن عجائز النساء أعظم في فك اللذائذ من عجائز الرجال، فإنهن، في الأقل أعرف من غيرهن بطريقة الفلي.
عمان 16/7/2011

24 ــ عنتر

وقف حافلته في نقطة ما. هبط الأرض بإشارة صامتة إلي الركاب. إتجه مترنحاً بجسد كث ثقيل صوب مكان يحجزه عن أنظارهم ساتر خشب. لم يستطع أحد من الركاب تحديد هدفه الذي توجه إليه. بين دهشة الجميع عاد يضم أصابعه علي علبة سجائر أطبق علي سيجارة منها شفتيه.
ارتقي عربته صامتاً وانطلق بها مسرعاً كأنه عنتر في الصحراء.
عمان 16/7/2011

25 ــ إلفة

هي قطة بيضاء جميلة، وهو صبي أسمر جميل. يتمازحان بود جارف ودفء لذيذ. ينصحه العجوز بأن يحذر العلاقة بالقطط وما يترتب علي ذلك من أمراض. يرد الصبي عليه، إنها “بسّي” أي قطتي، أحبها وتنام الليل في أحضاني. يصمت العجوز ويغيب.
عمان 16/7/2011

26 ــ لغز

سألته مرة ماذا تقول برجل يكره آخر، ثم حين يموت يتأسي عليه !
قال:
ــ لغز .
عمان 17/7/2011

27 ــ رغبة متأخرة

يوماً، رغب الشيخ في أن يعود شاباً , فحطم أضلاعه حصان.
عمان 17/7/2011

28 ــ صبح
فزّ الصبح علي صياح ديك، لكنه نام علي شخير أسد.
عمان 19/7/2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| حسن سالمي : “حكايتي مع الحُبّ”وقصص أخرى قصيرة جدّا .

إرثُ أمّي دخلتُ على أمّي كسيرة الخاطر ملقيةً محفظتي في ضجر… – ما بكِ؟ – …

2 تعليقان

  1. وجبه دسمة منتقاه من جُمل مذهله..وكلمات لذيذة

  2. حنون مجيد

    شكرا لك يا جمانة على رأيك الجميل بقصصي وانا مقصر بحقك لانني لم ارسل الجريدة التي لك فيها قصة من قصصك وقد يكون لاحقا تحيتي الموصولة بالاحترام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.