حسين سرمك حسن : المبدع الكبير (شاكر خصباك) والبساطة المركبة : رواية ( الطائر ) أنموذجا (ملف/14)؟

إشارة :
بعد أن أكمل الناقد حسين سرمك حسن مخطوطة كتابه “شاكر خصباك وفن البساطة المركّبة” وأرسله إلى خصباك للإطلاع عليه، فوجيء بأن الأستاذ خصباك -ولأول مرة- لا يرد على رسائله برغم تكرارها. ثم جاءت الرسالة المريرة من الولايات المتحدة، من الدكتور ثامر نجم عبد الله، لتخبرنا أن خصباك الذي لعبت به يد المنافي الظالمة من اليمن إلى الولايات المتحدة قد أصيب بفقدان الذاكرة بعد وصوله الأرض المشؤومة. رحل عنا خصباك وحيدا وغريبا وبلا وداع ومن دون رعاية ؟ وفاءً لهذا المبدع الكبير والأصيل تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر ملفها عنه. (رحل المبدع شاكر خصباك هناك يوم 27/تشرين الثاني/2018)

المقالة : 

( هذه ليست رواية … إنها قصيدة شعرية )
الشاعر ( سليمان العيسى )
كم قصر النقد العراقي في حق المبدع العراقي الكبير ( شاكر خصباك ) ؟ لقد قصر تقصيرا كبيرا ، بل مارس ظلم الإهمال على منجز هذا المبدع الفذ . وكم قصرنا كنقاد عراقيين في حق هذا المبدع ؟ لقد قصرنا تقصيرا فادحا في ملاحقة إنجاز شاكر خصباك ، وانتظرنا كعادتنا أن يقوم (ملحن) من حي مجاور بـ ( تزكية ) صوت مطربة حينا الصادح . أخيرا حصلت على الأعمال الكاملة لشاكر خصباك ولا أعلم أي جهة تعهدت بإصدارها ، فهي بالتأكيد ليست جهة عراقية ، لأن الجهات العراقية متخصصة بشأن آخر ، وهو الإلتهام ( الميدوزي ) ، فالثقافة العراقية هي القطة التي تأكل أبناءها . والشاعر سليمان العيسى يصف رواية شاكر خصباك هذه ( الطائر ) بالقول : هذه ليست رواية … إنها قصيدة شعرية . وقد تجد الوصف مفرطا في النظرة الأولى ، لكنك حين تكمل قراءة الرواية تشعر أن العيسى وجد هذا الوصف الذي يرتبط بـ ( اختصاصه ) الشعري ليعبر به عن ( تخمة ) شعرية فعلية أحس بها وهو يحلق في أجواء هذه الرواية الباذخة التي هي في الواقع من نوع الروايات القصيرة ( 43 صفحة) . لكن هذا الوصف قد يضيّع الوصف المركزي والمستحق وهو أن رواية ( الطائر ) هي نص متفرّد وغريب على نسيج الإبداع العراقي الروائي . للمرة الأولى نجد رواية تقوم على أساس الحوار المتصل ، وهو الذي يبرع فيه خصباك بحكم اشتغاله على الكتابة المسرحية لأكثر من نصف قرن ( قد يجد بعض النقاد وصف المسرواية أكثر مناسبة لهذا النص ) . إن الحدث المركزي في الرواية يُسرد في صورة حوار بين (شخوص) الرواية ، وقد وضعت مفردة شخوص بين قوسين لأن القاريء سيفاجأ حين يعلم أن شخصيات الرواية أربع ، زوجان ( هناء وحازم ) ، وطائران ( طائر صغير وأمه ) . أما المكان فهو محدود أيضا حيث تجري أحداث الرواية في منزل الزوجين من ناحية ، وعش الطائرين ( أو الشجرة التي بنيا عشهما عليها ) . والحدث المركزي غريب ولامعقول حيث يدور حول قصة حب عجيبة بين الطائر (الشاب) وهناء زوجة حازم الذي تزوجها بعد تجربة حب ساخنة . لكن شبح الكآبة والتذمر بدأ يخيم على حياتهما لأنهما لا يرزقان بأطفال . وقد أجرت هناء ثلاث عمليات جراحية من أجل الإنجاب ولم تتكلل بالنجاح . والروائي يضعنا أمام مقابلة مهمة بين هناء الزوجة كأنموذج للأنثى المعطاء المتسامحة والغيور على حياتها العائلية ، وعلى إدامة شحنة الحب المخلص مع زوجها ، وبين حازم الزوج الذي تفوح منه رائحة الأنانية الذكورية المقيتة . فهو أنموذج للرجل المهدد بالخصاء والذي يستميت للحصول على طفل حتى لو كان ذلك على حساب حياة زوجته التي تعرضت لمخاطر ومضاعفات جسيمة بسبب العمليات الجراحية الثلاث . إن المفردة الأثيرة على نفس الزوج هي كلمة ( الحيف ) التي يكررها – بتخطيط مقصود من الروائي – عشرات المرات إلى حد أن القاريء سيمقت حازما بسبب تكراره المزعج لها وتباكيه كالطفل على حظه العاثر : ( حازم : أنا واثق أن الحيف سيرفع عنا يا هناء .. وإلا إلى متى يبقى هذا الحيف يرافقنا ؟ كل أصدقائي الذين تزوجوا في نفس عام زواجنا لهم ولدان وثلاثة ونحن لانزال نجري وراء الولد . فما ذنبنا ؟ هناء : سيأتي الولد حينما يشاء الله يا حازم . حازم : نعم آن الأوان لأن يُرفع عنّا هذا الحيف – ص 112 ) . استولى التفكير بالطفل على تفاصيل حياة حازم كلها ، حتى في أحلامه . كان كلما فشلت عملية يضرب عن الطعام ويعزل نفسه تماما عن أصدقائه والعالم الخارجي ، ويفترسه الإحباط لأسابيع . أما هناء فرغم أنها تفكر بصورة قدرية وتؤمن أنهما سيرزقان بطفل حين تقرر الإرادة الإلهية ذلك ، إلا أنها كانت تسعى واقعيا لتغيير هذا القدر من خلال المعالجة الطبية ، فقد أجرت ثلاث عمليات كما قلنا ، كانت في كل منها تعيش عذاب قلق وخوف هائلين . هي ترى أن حبهما كزوجين يمكن أن يستمر ، بل يتصاعد حتى لو لم يرزقا بطفل ، أما حازم فهو – وهنا يتكشف موقفه المنافق – يؤكد جازما أن حبهما سيموت وستحل محله الكآبة والملل إذا لم يرزقا بولد . وحتى في خيالاتهما عن مستقبل الطفل المنتظر يتضح الفارق الجذري بين الموقفين : فهناء تتمنى أن يصبح ابنهما طبيبا كي يعتني بصحتهما إذا مرضا ، أما حازم فهو يريده محاميا لأنه إذا شارك في السياسة فسيكون وزيرا !! . موقف أنثوي مفعم بالحياة والنماء ، وموقف ذكوري لاهث وراء النفوذ والسلطة ومظاهر الموت . وحتى في اختيار الإسم نجد بونا شاسعا بين نظرتين وسيكولوجيتين . فحازم اختار له اسما ( عنيفا ) هو : صارم ، لأنه يريده صارما لأن الحياة لا تحتمل الهزل ، وهو لا يريد له اسما مائعا حديثا . إنه مسكون بهاجس القلق من تهديد الخصاء ، ولابد أن ( يعوض ) ذلك بـ ( امتداد ) ذكوري حتما وباسم ذكوري صادم . أما هناء فترى أن هذا اسم عكر وهناك أسماء كثيرة أجمل منه قديمة وحديثة . وحازم يغالط نفسه حين يقول أنه لا يريد أسماء قديمة أكل الدهر عليها وشرب ، ناسيا ( أو متناسيا بفعل سطوة عقد لاشعوره ) أنه اختار الاسم الأكثر تقليدية وقدما . لكن من بين إيحاءات الـ ( صارم ) هو السيف الذي هو تعبير ومكافيء للسلطة الذكورية . وتصل تضحية هناء أقصى مستوياتها حين يخبرها حازم بمجيء طبيب جديد ماهر يستطيع إجراء عملية رابعة لها ، فتوافق رغم أن الطبيب يخبرها بأن في العملية خطرا على حياتها وأن نسبة نجاحها لا يزيد عن ثلاثين بالمائة . وقد كانت مشاعر زوجها وانفعالاته غريبة ومشبوهة وهو يرافقها إلى العملية . تقول هناء : والذي ملأ قلبي غما .. أن حازم كان وهو يرافق النقالة يطفح وجهه سرورا . وكنت أسارقه النظر وقد استخفه الفرح فتفيض نفسي بالمرارة . أفلم يكن يدرك كم كنت خائفة ؟ أفلم يخطر على باله أنني قد أموت في هذه العملية ؟ – ص 134 ) . ولعل الحوار الأخير في الرواية بين هناء وحازم بعد فشل العملية الرابعة التي لا إجراء جراحيا متاحا بعدها ، يكشف بنيتي الطرفين النفسية بصورة جلية ويفضح أنانية حازم الذكورية مقابل عطاء هناء الأنثوي . ولكن إلى الآن والحكاية التي يقدمها لنا خصباك تقليدية وقد عولجت مرارا في أجناس أدبية شتى . فما هو الفريد في روايته ؟ إن المعالجة الباهرة تتمثل في إدخال (الشخصيتين ) الحيوانيتين : الطائرين إلى ساحة الرواية . فالطائر (الشاب) مغرم بهناء الإنسانة حدّ الإنسحار ، لكنه انسحار من جانب واحد وهو جانب لطائر المتيم . إن خصباك يؤسس لعلاقة غرامية بين طائر وامرأة ، ويرسم محورين علائقيين يمرّر فلسفته ورؤاه تحت أستارهما .وهنا تكمن الحالة الاستثنائية في هذه الرواية . ويعمل أحد هذين المحورين : العلاقة بين الطائر وهناء ، عمل السطح المرآوي للمحور العلائقي الثاني : العلاقة بين الطائر المتيم وأمه . فكل الانطباعات الإنتقادية والرؤى الفلسفية التشاؤمية حول بني الإنسان التي تطرحها الأم الناقمة على انسحار ابنها بهناء البشرية ، تجد ساحتها التطبيقية ودعمها البرهاني في تفصيلات الصلة بين الزوجين البشريين واالتي تنلها هناء إلى الطائر العاشق حين تبثه شكواها المريرة . فالأم ( الحكيمة ) تطلب من ابنها أن لا يعشق هذه الأنثى البشرية ، فبني البشر لا يحبون الطير حبا خالصا ، وإذا أحبوه فلكي يحبسوه في قفص ليتسلوا به بعد أن يسلبوه حرّيته . وحين يقول الطائر الإبن لأمه أنها متحاملة على البشر ، ترد عليه الأم بالقول بأن البشر لا يمكن أن يحبوا الأجناس الأخرى لأنهم أصلا لا يحبون بعضهم بعضا : ( بالطبع أنهم لا يحبون بعضهم بعضا . وإلا فكيف يرتضون أن يتخم البعض منهم بينما يجوع الآخرون ؟ أفلا ترى كيف نتقاسم فيما بيننا ما يتوفر لنا من طعام ؟ ثم كيف يرتضون الإقدام على قتل بعضهم بعضا بالألوف إذا كانوا يتبادلون الحب حقا ؟ – ص ص 115و116 ) . ورغم أن التاريخ الإنساني يثبت صحة كلام الأم حول سفالة الجنس البشري وعدوانيته – فالإنسان هو الوحيد الذي يقتل أبناء جنسه ولكن ليس بالآلاف كما تقول الأم بل بالملايين – إلا أن الروائي – وهذا واجب الإبداع الأساسي – يقرّب أمثلته ويشخصنها ، فيجعل الساحة التطبيقية هي العلاقة بين هناء وحازم البشريين ، من خلال تفصيلات احتدام العلاقة بينهما وخلافهما حول الإنجاب من ناحية ومن خلال ما تسرّه هناء للطائر العاشق عن طبيعة تلك العلاقة من الناحية الأخرى . فالزوج البشري أناني يربط حبه لشريكة حياته بشرط نفعي هو أن تنجب له ولدا يكون محاميا ووزيرا و( صارما ) ، وكأنه قد تزوج آلة تفريخ ، وهاهي الآلة تخل بشروط تعهدها . وهو في إصراره المدمر على الذكورة ، لايهمه أن تتهدّد حياة زوجته المحبة والمخلصة بالموت من أجل منافعه النفسية الأنانية . بني الإنسان لا يعرفون إلا الطرق التي تشبع رغباتهم من خلال تحقيق الأذى للآخرين ، في حين أن الفلسفة الإنسانية تأتي على لسان طير : ( الطائر : إنها حزينة لأنها لم تنجب ولدا يا أمي وستخضع لعذاب الأطباء . الأم : ولماذا يحزنها مثل هذا الأمر ؟ ألا يجدر أن تطيب نفسا يكل أطفال بني البشر وتتبنى أحدهم بدلا من أن تحزن ؟ الطائر : لا تلوميها يا أمي ، فهي تريد ولدا لكي تسعد زوجها . وهو يريد ولدا من صلبه . الأم : لا تحزن هكذا يا بني فالبشر معتادون على الحزن ، وهي عادة متأصلة فيهم . ويندر أن تجد واحدا بينهم سعيدا لا يعرف الحزن . الطائر : ولكن لماذا هم كذلك يا أمي ؟ الأم : لأنهم حمقى يا بني ولا يحسنون الاستمتاع بالحياة ولا يقدرون قيمتها . فهم يحزنون لأتفه الأمور التي تجري خلاف رغبتهم فيفسدون حياتهم . ويندر أن يستخدموا عقولهم بصورة سليمة بل يخضعونها لعواطفهم دائما . ولذلك فنادرا ما يكونون سعداء – ص ص 120و121 ) . إن هذه التركيبة السادومازوخية في النفس البشرية ، هي داء متأصل ، وهو الذي أفسد الحياة البشرية وخنقها بالقسوة والعنف والخراب . فالإنسان هو – بتعريف بسيط – ليس حيوانا ناطقا أو اجتماعيا حسب بل هو حيوان قاتل . فحازم ( الإنسان ) مستعد لـ ( قتل ) زوجته الحبيبة من أجل ولد يحفظ إسمه ويخلصه من ( العار ) الاجتماعي الذكوري المتمثل بالعجز والإنخصاء ، في مجتمع يتأسس على ركائز الثقافة الذكورية العدوانية . تقول هناء للطائر : ( يا طائري العزيز .. لقد خضعت حتى الآن لثلاث عمليات جراحية ، ومع أن كل عملية كانت تملؤني خوفا لكنني كنت أتظاهر باللامبالاة لكي لا أفسد على حازم بهجته . فهو يكون في قمة السعادة قبل إجراء العملية ، ولكنه ما أن ينكشف فشلها حتى يفترسه الإحباط – ص 124 ) . إن من المفارقات الكبرى في الرواية أن هناء تشكو همها وأسرارها للطائر الأعجم – كما تسميه لأنه لا ينطق – في حين أنها تعجز عن بث لواعجها إلى زوجها حازم ( الحيوان الاجتماعي الناطق والعاقل ) . وإن ما تحذر الأم ابنها الطائر منه ، وهو غدر البشر ومن مغبة عشقه لامرأة بشرية وتركه لبنات جنسه ، الأمر الذي سيعود عليه بأبلغ الضرر بسبب طبع البشر المخادعين ، يجد مثاله الحي في الغدر المغلف الذي يقوم به حازم تجاه زوجته الوفية تحت غطاء الحرص على الإنجاب والحصول على ولد بخلافه تتحطم حياتهما الزوجية : ( الأم : يا ويلك منها .. يا ويلك من حبها .. الطائر : إعلمي أنني لن أكف عن حبها أبدا .. الأم : ولماذا أنت منزعج عليها يا بني .. الطائر : أخبرتني أنها ستقوم بعملية جراحية قد تموت فيها الأم : وهل هي مريضة ؟ الطائر : كلا يا أمي .. إنها تقوم بالعملية لكي تأتي بالولد .. الأم : ألم أقل لك أن بني البشر حمقى يا بني ؟ بماذا ينفعها الولد إذا كانت ستموت ؟ الطائر : قلت لك أنها تريد الولد من أجل زوجها يا أمي . الأم : أليس المفروض أن يخاف زوجها على حياتها ؟ ألم تقل لي إنه يحبها جدا ؟ الطائر : هكذا قالت لي يا أمي . الأم : أفلا ترى أي نوع من الحب يتبادله بنو البشر يا بني ؟ فنحن بنو الطير نفارق الحياة إذا مات إلفنا . أما هم فلا يعرفون الوفاء . فلماذا تضيع شبابك في حب واحدة منهم ؟ ص132 ) . إن الزيف الذي يلف العلاقات البشرية ويكتسحها يقابله هذا الحب ( الحيواني ) من طائر هش لامرأة لا تعرف أبدا أنه يحبها ، بل يعشقها ، وتكتفي فقط بأن تستخدمه كمنفذ لـ ( التفريغ ) عن نفسها لأن زوجها ( الإنسان ) وأقرباءها ( الناس ) لم يوفروا لها فرصة للتفريج عن همومها وخصوصا قبيل ليالي رعب العمليات الجراحية . وكانوا كلهم يستغلون عذابها من أجل إرضاء طموح زوجها الاجتماعي المرائي، والمدمر في الوقت عينه . إننا كبشر نخادع بعضنا بعضا ولا نكشف عما في نفوسنا بحق . ولذا نلجأ إلى حبس الطيور في الأقفاص والحيوانات في حدائق للفرجة ، وكل ذلك لتوفير شعور آمن لنا بقدرتنا على ( التحكم ) في مصائر كائنات أخرى ، يخفف عنا تحكم الموت المتعسف بمصائرنا . وما حبسنا لتلك الكائنات المسالمة في أقفاص إلّا تعبير مُسقط عن قلقنا المتأصل من عدم قدرتنا على حبس شحنات عدوانيتنا الوحشية . ولعل أكثر النتائج تدميرا والتي تتأسس على الغرور البشري المعزز بالعدوانية هو – كما تقول الأم – عدم اعتراف البشر بأن للطبيعة الأم أحكامها التي عليهم احترامها . إن ما نسميه بـ ( القدرة على التحكم بالطبيعة ) قد أوصلنا إلى نتائج خطيرة جدا تتمثل في سخط الطبيعة الأم على تلاعب الإنسان المستخف بمقدراتها ( وسيأتي يوم تعاقبهم فيه الطبيعة على استهتارهم فتتعذر عليهم الحياة في كنفها . فهم يكادون يدمرون كل شيء فيها – ص 138 ) . إن إصرار حازم على تكرار العمليات الجراحية رغم فشلها هي محاولة مستميتة ومستخفة في الوقت ذاته لتخريب منطق الطبيعة وتحدّي أحكامها . لقد كلف إصراره زوجته ثمنا باهضا جسديا ونفسيا . ولا أحد يشعر بمعاناتها غير الطائر العاشق الذي تسره بكل شيء ، فينفعل ويلطم نفسه بجناحيه ألما وحزنا . إنه يتمنى أن يتعلم اللغة كي يتفاهم معها ويسري عنها ، لكن هذا مستحيل ، ويبدو أن البشر اخترعوا اللغة من دون كل الكائنات التي تتفاهم دون الحاجة إليها لأننا بحاجة لمثل هذا الغطاء الماكر لإخفاء نوازعنا العدوانية . والطائر في غمرة تعاطفه الملتهب مع هناء ومحاولته إسعادها يتمنى ويدعو الله أن يصبح بشرا رغم أحاديث أمه التفصيلية عن الصفات السيئة لبني البشر ، وأنه إذا تحول إلى بشر فسينضم إلى جنس شرير مجرد من المثل والعقل السليم . لكن الطائر عاشق ألقى العشق غشاوته على بصيرته فلم يعد يرى سوى صورة الحبيبة ولا يسمع غير نداءاتها التي طغت على نداءات الأم وتوسلاتها بأن يقلع ابنها عن هذا الحب المميت الذي لن يحصد منه غير الدمار . وهي لا ترى عدم تكافئه لأنه يجري بين طائر وامرأة ، ولكن لأن المحبوبة بشرية لا يؤتمن جانبها . وتأتي اللحظة الختامية باعثة على الذهول في نفس المتلقي ، لحظة يصمم الكاتب إخراجها بأعصاب باردة تشبه أعصاب مخرجي أفلام الرعب ، لكنها تأتي عاصفة ومدوية انفعاليا من جانب وكاشفة لأبغض دوافع القسوة والوكر والوحشية من جانب آخر . لقد قام الكاتب بتقسيم روايته إلى وقفات : حوار ومناجاة وزقزقة ، وهو تقسيم موفق ومدروس نفسيا وفنيا . فالـ (حوار) يجري دائما بين الزوجين ، بما يعنيه من مقابلة في الآراء وتبادل واع لوجهات النظر . وهو حوار حول المعضلة المشتعلة بينهما . أما الـ (المناجاة) ففيها يطغى الجاني الوجداني ، وهو ما يسم حديث هناء مع الطير الذي يأتي من جانب هناء دائما ، حيث تبثه همومها وتشكو إليه معاناتها بعبارات حزينة لا تتوقع لها صدى من الطائر الأعجم كما تصفه والذي بدوره يحاول مناجاتها بلغة جسده الحركية . وتجري الـ ( زقزقة ) بين الأم وابنها الطائر العاشق . وهي مفردة موفقة لطبيعة ( اللغة ) التي تحكم التفاهم في عالم الطير . كما أنها تناسب الإرتباط العاطفي بين الطرفين . وقد صمم الكاتب عدد كل مقطع حواري ليعبر عن الأهمية الفنية والموضوعية والنفسية التي يعبر عنها في بناء الرواية ، فجاء العدد على الشكل التالي : حوار : 5 مرات مناجاة : 8 مرات زقزقة : 8 مرات . ولا يستحق الحوار بين الزوجين أكثر من هذا العدد لأنه سيقع – وقد وقع – في التكرار الثقيل واجترار فكرة الحيف المملة والإصرار على الإنجاب من قبل الزوج . لكن التساوي في عدد مقاطع المناجاة والزقزقة كان ضروريا ، بل أن قصدية الكاتب كانت واضحة في جعل كل مناجاة بين هناء والطائر متبوعة بزقزقة بين الطائر وأمه . فقد أقام مقابلة بين انهمام الطائر بحبه الصامت المعذب لهناء التي ( تستغله) نفسيا كموضوع للمخاطبة والتنفيس دون ( مراعاة ) لانفعالاته الجسدية العنيفة ، وبين انهمام الأم بحال ابنها الذي يسقط في براثن الحزن وتتمزق روحه بعد كل لقاء بهناء ومحاولاتها المضنية إقناعه بحتمية العدوانية البشرية التي لا يمكن أن تتصالح مع براءته واندفاعته التلقائية المحبة . وفي آخر ( مناجاة ) في الرواية يفجّر الروائي الموقف لتأتي الصدمة مذهلة ومثقلة بالدلالات النفسية والفلسفية الموجعة ، فهاهي هناء التي تعلقت بالطائر المحب وكانت تطعمه وتحتضنه لا تتورع عن (قتله) مادام يشبع أغراضها المصلحية في الإنجاب إرضاء للزوج البكّاء : (اعذرني يا طائري العزيز . كم يشق علي ما سأفعله بك . فمن الذي سيؤنس وحدتي من بعدك ؟ لكن عليك أن تضحي بحياتك من أجلي وإلا فقدت حازم . لقد زودني الشيخ بخليط من الأعشاب وأوصاني أن أمزجها بدم طائر متميز .. أنت طائري العزيز وأنا أحبك كثيرا ، ولكنني لا أعرف طائرا متميزا غيرك . تسلق الطائر كتف هناء ومسح خدها بمنقاره – ص 148 ) . ويبدو أن الكاتب يريد تقرير جبرية النزوع العدواني في النفس البشرية ، فغرائز الموت راسخة وبعمق فيها مثل رسوخ غرائز الحياة ، بل إن الحبكة التي نسجها الكاتب توصلنا إلى شعور بأن دوافع الموت أكثر أصالة من دوافع الحياة في السلوك البشري وأن الأخيرة مسخرة لخدمة الأولى . أما في ( الزقزقة ) السوداء الأخيرة ففيها يعلن الطائر ، وبفرح يناقض كآبة الأيام الماضية ، أمام أمه التي لا تعرف سرّ ابتهاجه ، وتعتقد أن هناء ستحبس ابنها في قفص . لكنها تطلق زعيقا متواصلا وتخمش رأسها حين تعلم أن ابنها سيضحي بنفسه راغبا من أجل ( حبه ) . الأم كائن يعيش ( ضمن ) الطبيعة ملتحما بها ومنسجما معها ، أما البشر فهم كائنات تعيش ( ضد ) الطبيعة مخالفين شرائعها ومخربين إيقاعها . ومقابل النبرة الهادئة و( المسالمة ) التي تخاطب بها هناء ( البشرية ) الطائر كي تذبحه وتستخدم دمه كعلاج !! ،حيث انساقت مع اصرار زوجها على مخالفة حكمة الطبيعة ، تقف نبرة الأم (الحيوانية) وهي تلاحظ ضياع ابنها من يديها فتسقط ميتة وهي تراقب ابنها ينطلق كي يضحي بحياته من أجل هناء . وهكذا تتحول البساطة على يدي شاكر خصباك من تهمة إلى امتياز .. هكذا تأتي البساطة مركبة ومحملة بالرؤى والأفكار ومثقلة بالجمال الآسر .

شاهد أيضاً

سلام إبراهيم: أصدقائي الأدباء.. الروائي والشاعر حميد العقابي (ملف/84)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم*
قصص تدعو لإعادة صياغة الوعي والبحث عن الذات الأنسانية المفقودة
صباح كنجي (ملف/83)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (19) (ملف/82)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

2 تعليقان

  1. صالح الرزوق

    ليس خصباك وحده سقط سهوا من ملف المتابعات. بل أيضا اغفل النقاد محمود جنداري و غيره من الرعيل الأول.
    و هذا الاغفال يترك صفحات مجهولة كثيرة في تاريخنا الفني و الفكري و يتركنا امام تساؤلات ندفع ثمنها الآن.
    شكرا للدكتور سرمك على خدماته الثمينة و تعريفنا ببداياتنا.

  2. شكرا جزبلا أخي الناقد البارع الدكتور صالح الرزوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *