أ. د. عبد العزيز المقالح : الدكتور شاكر خصباك أديباً(*) (ملف/13)

إشارة :
بعد أن أكمل الناقد حسين سرمك حسن مخطوطة كتابه “شاكر خصباك وفن البساطة المركّبة” وأرسله إلى خصباك للإطلاع عليه، فوجيء بأن الأستاذ خصباك -ولأول مرة- لا يرد على رسائله برغم تكرارها. ثم جاءت الرسالة المريرة من الولايات المتحدة، من الدكتور ثامر نجم عبد الله، لتخبرنا أن خصباك الذي لعبت به يد المنافي الظالمة من اليمن إلى الولايات المتحدة قد أصيب بفقدان الذاكرة بعد وصوله الأرض المشؤومة. رحل عنا خصباك وحيدا وغريبا وبلا وداع ومن دون رعاية ؟ وفاءً لهذا المبدع الكبير والأصيل تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر ملفها عنه. (رحل المبدع شاكر خصباك هناك يوم 27/تشرين الثاني/2018)

المقالة:
في الوطن العربي، وربما في بقية أنحاء العالم، يصعب الجمع بين شهرتين، ولذلك فإن عدداً كبيراً من العلماء والمبدعين هنا وهناك يتخلون عن إحدى الشهرتين، أو أن ظروف الواقع هي التي تفرض عليهم هذا التخلي كرهاً لا طوعاً.
وأحسب أن صديقي الأستاذ الدكتور شاكر خصباك عالم الجغرافيا المعروف والروائي والمسرحي والقاص يصلح نموذجاً لجناية الشهرة على المبدع، وعليه بالذات كمبدع كبير يكفي ما كتبه من أعمال أدبية أن يجعله في طليعة الأدباء والمشاهير. ويبدو أن هذه الظاهرة، ظاهرة جناية الشهرة العلمية على العالم المبدع في الآداب والفنون، لم تأخذ نصيبها من الجدل في وطننا العربي، بوصفه -أي الجدل- مدخلاً إلى إنصاف كثير من العلماء المبدعين والعكس صحيح.
بدأ الدكتور شاكر كتابة القصة القصيرة وهو تلميذ في الإعدادية ونشر مجموعته القصصية الأولى (صراع) وهو تلميذ في الثانوية، ومعنى ذلك أن علاقته بالأدب تسبق علاقته بالعلوم تلك التي بدأت مع دراسته الجامعية. وحتى بعد أن اختار طريقه العلمي الشائك والمليء بالصعوبات سيما وقد اختار (لندن) مكاناً لدراستهللدكتوراه، فقد ظل على صلة بالإبداع الأدبي وخاض في العراق وفي مصر وفي بريطانيا معارك ساخنة من أجل الأدب. ولم يمنعه من ذلك التفرغ لإعداد أطروحاته العلمية للدكتوراه التي وضعته فيما بعد في الطليعة من العلماء الجغرافيين واكتسبت كتبه مكانةً علمية عالية في الجامعات وبين أساتذة هذا العلم الذي تطور وصار له رواده الذين يشار إليهم بالبنان.

شاكر خصباك .. تكريم في اليمن الشقيق

للدكتور شاكر خصباك مؤلفاته وترجماته البالغة الأهمية في الفكر الجغرافي، وأحدث هذه الترجمات كتاب (التحليل الموقعي في الجغرافية البشرية) الصادر منذ أيام. ومؤلفه واحد من أشهر علماء الجغرافيا في العالم وهو (بيتر هاغيت) ويقع الكتاب في (596) صفحة من القطع الكبير. وقد استخدم الدكتور شاكر في ترجمته لغة علمية راقية كانت -فيما أرى- السبب في طغيان شهرته في هذا المجال على شهرته الأدبية. إذ صار اسمه في الوطن العربي مقروناً بأعماله الجغرافية التي تربو على العشرين كتاباً، وقليل هم الأدباء العرب الذين يتذكرون شاكر خصباك مبدعاً في حين أن إصداراته الأدبية تربو على الثلاثين كتاباً موزعة بين الرواية والمسرح والقصة القصيرة.
ولعل أهم ما قدمه الدكتور شاكر خصباك للقصة القصيرة العربية في بداية حياته الأدبية كتابه الرائد عن أنطون تشيخوف ساحر القصة العالمية وكاتبها بامتياز ملفتاً بذلك انتباه المبدعين العرب إلى أهمية وجود مستوى من القصة يجمع بين واقعية الموقف وجمالية فضاء السرد الفني. كان ذلك عام 1954، فضلاً عن مشاركة الدكتور شاكر في الإشراف الثقافي على مجلة (الثقافة الجديدة) العراقية وما بشرت به -يومئذ- من انفتاح على الفكر الجديد والآداب والفنون الحديثة. ومشاركته أيضاً في هيئة تحرير مجلة (الآداب) البيروتية التي قامت بدور بارز في تقدم القصة القصيرة وفي تطوير حركة الشعر العربي الحديث.
لقد نجح الدكتور شاكر خصباك في إثراء المكتبة العربية بإنتاجه العلمي وبإنتاجه الأدبي. واللافت أن له في المجال الأخير خمس عشرة رواية هي: نهاية إنسان يفكر، وعالم مليكة، وهيلة، والهوية، وموت نذير العدل، وقصة حب، والطائر، والسؤال، وخواطر فتاة عاقلة، والخاطئة، وحكايات من بلدتنا، وامرأة ضائعة، وأوراق رئيس، والفصول الأربعة، والأصدقاء الثلاثة.
وله واحد وعشرون مسرحية هي: الدكتاتور، والبهلوان، والرجل الذي فقد النطق، وبيت الزوجية، والقهقهة، والغرباء، واللص، والعنكبوت، والغائب، والشيء، والقضية، والجدار، وتجربة مسرحية، ودردشة، والتركة، وهي وهو، وفي انتظار جودو، وليل ليس له آخر، والمخذولون، والواعظ، وأين الحقيقة. أما في مجال القصة القصيرة التي احتضنت بداياته الأدبية، فله ثلاث مجاميع هي: صراع، وعهد جديد، وحياة قاسية. إلى جانب ما كتبه من ذكريات أدبية عن أدباء مشهورين عاصرهم خلال حياته اشتملها كتابه: (ذكريات أدبية). وهناك أيضاً كتاب (تساؤلات) وهو مجموعة من الخواطر الفلسفية القائمة على أسلوب الحوار مع النفس حول الحكمة ومشاهد من تاريخنا.
ويتضح لنا من هذا أن الدكتور شاكر خصباك مبدع غزير الإنتاج متعدد المواهب، ومع ذلك يتم تجاهله بقسوة من نقاد الأدب المعروفين في العراق أولاً وفي بقية الأقطار العربية ثانياً لا لسبب فني أو سياسي، وإنما لأن شهرته العلمية طغت على شهرته الأدبية شأنه في ذلك شأن كبار المبدعين في العالم الذين كانت لهم إنجازات في الرسم والموسيقى فتجاهلها النقد بعد أن اشتهرت أعمالهم العلمية أو الأدبية وألقت بظلالها على الجانب الآخر من حياتهم الذي أصبح خافياً في حين أنه لا يقل أهمية عن الجانب المعلوم الذي أضاءته الشهرة وتركزت حوله اهتمامات العلماء والباحثين. ولعل وقفتنا هذه تحفز نقاد الأدب والسرديات خاصة على الاقتراب من عالمه الأدبي الراقي ونتاجه السردي الغزير.

شاهد أيضاً

رؤيــا الـيـقــيــن لـســـلام ابـراهـيـم*
قصص تدعو لإعادة صياغة الوعي والبحث عن الذات الأنسانية المفقودة
صباح كنجي (ملف/83)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (19) (ملف/82)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *