مهدي شاكر العبيدي: خير الدين الزركلي المؤرخ الأديب الشاعر

عاش علم الأعلام خير الدين الزركلي حياة طويلة وعريضة ، من غير توجُّهٍ إلى ربِّ الأكوان وخالق الموجودات بأنْ يَهبَها له ويجود بها عليه ، كما سبقه قبلا ً إلى إرسال هذا الدعاء بغاية التبتل والتوسُّل والالتماس والنجوى الفيلسوف والحكيم ابن سينا ، ذلك أنَّ سنة تولده وإطلالته على الدنيا صادفتْ تاريخ 1893 بعد الميلاد ، وسنة مغادرته ورحيله منها وافقتْ أخريات 1976م ، فهي بهذا الاعتبار تحتسب طويلة يبلغ المرء منها ما يشاء من رغائب وأوطار ، وأمَّا أنـَّها عريضة : فقد زخرَتْ بما يُشرِّف ويزين ، وشُحِنتْ بما يملؤها رضَىً وارتياحا ً ، ويفعمها غبطة وأملا ً في أنْ تستوي حياة الناس على العدل ، ويغمرهم الصفو ، ويعرف كلَّ ذي حق حقه ، لا يتجاوزه إلى الطمع واستحواذ ما يمتلكه غيره ، وفي اعتناق حرِّ المبادِئ للذياد عن حرية الوطن وصيانة استقلاله ، وتلقي دون ذلك شرَّ ما يُمنى به أهلُ الحِفاظ والمستمسكونَ بقيمهم من النكال الموجع والعقاب الصارم والأذى المُمِيت ، فما يكاد يتخطى العقدين ِ من سنيِّه ويجوز مرحلة تحصيله وينهي تردُّده على بعض شيوخ العلم المعروفين بدمشق الشام في أوليات القرن العشرين ، متزوِّدا ً منهم بالمعارف والثقافات على الطريقة القديمة قبل التحاقه منها بالمدارس المرتبطة بالحكومة ، على إقلال وضن ٍ بزيادة عددها والتوسُّع فيها ، لأنَّ هيمنتها على البلاد وإنْ اكتسَبتْ بعدا ً تاريخيا ً ، فهي أبدا ً مدخولة وطارئة عليها ، وإنْ تمشدقَ صُـدورها وأعيانها بالرابطة الدينية التي يحسبونها تدنيها منهم ، وتحكم صلتها بهم ، وتنهي اغترابها عنهم ؛ قلتُ : حتى غامر منذ يفاعته تلك المنطوية في مراس مهنة الصحافة ، فأصدر منها في عام 1912م ، صحيفة ( الأصمعي ) التي أوقفتها السلطات العثمانية عن الصدور ، لنشرها صورة متخيَّلة للمأمون العباسي ، ومعرِّفة بأنـَّه الخليفة العربي ، فوهم ولاة الأمر بأنَّ هذا التصرُّف العادي ينطوي على استفزاز لشعورهم ، ومس ٍ بعواطفهم ، وذلك أوَّل صِدام يعرض له مع المتحكمينَ والمراجع الفوقية ؛ ثمَّ أنشأ عُقيْبَ الحرب العظمى صحيفة ( لسان العرب ) بالاشتراك مع العراقي إبراهيم حلمي العمر ، والمقيم ببلاد الشام يومها ، غير أنـَّه تنازل له عنها بعد مُدَّة ، ليصدر صحيفة ثالثة هي : ( المفيد ) ، مع شريكٍ ثان ٍ هو : يوسف حيدر ، في ظلِّ العهد الفيصلي الاستقلالي الذي آل إلى الانطواء والتصويح باجتياح الفرنسيين لأراضي المملكة الوليدة ، وفرض وجودهم على الأهالي غصبا ً عنهم ، وذلك عملا ً بالمواطآت والاتفاقيات التي أبرموها مع حلفائهم الإنكليز في اقتسام البلدان العربية وإلحاقها بأملاكهم في ما لو انتهَتْ الحرب بانتصارهم وهزيمة الألمان ومشايعيهم الأتراك ؛ فانبرى داعيا ً لمقاومتهم ، وصدِّ زحفهم ، ذاما ً بطلان حجَّتهم ، وسماجة مدَّعاهم ، وانتفاء الشرعية منه في احتلال أراضي قوم وثقوا بهم وبذلوا لنصرتهم الأرواح والمُهج ، غير أنـَّهم حنثوا بأوعادهم ، وخيَّبوا ظنونهم ، وبان منهم الغدر والوقيعة ، كان ذلك الإشهار والمجاهرة والاستنفار من خلال مقالاته وقصائده ، وما أنْ استتمَّ لهم مقاومة شعب سوريا بعد واقعة ميسلون ، حتى أزمع على الهجرة ومغادرة دمشق هاربا ً نحو حيفا بالقطار ، وترامى إلى سمعه بعدها الحكم عليه بعقوبة الإعدام ، فصمَّم على الإقامة بالقاهرة ، فقصدها بعد مُدَّة وجيزة ، وغدَتْ هذه الحاضرة العربية مقرَّ إقامته شبه الدائمة ، ففي كنفها أسَّس ( المطبعة العربية ) ، وباشر فيها النشاط الثقافي ، فدوَّن ما يحيط به عن أعلام العرب من معلوماتٍ ومجان ٍ ، صيَّرها كتابا ً طبعه بها بثلاثة أجزاءٍ عام 1927م ، قبل أنْ يتوسَّع فيه ويُضيف إليه ويستحيل أجزاءً عدَّة ، محتوية نبذا ً عن سِيَر مشاهير العرب قدامى ومحدثينَ ، مضافا ً إليهم مَن يلفيهم جديرينَ بالإنباه والذكر من أبناء الأمم الأخرى ، من المتعاطفينَ هم وتاريخ العرب وحضارتهم وأدبهم ودالتهم على الإنسانية ، وتلاه بإخراجه كتابيه : ( ما رأيْتُ وما سمعْتُ ) ، و ( عامان في عمَّان ) ؛ ممَّا شرع بتأليفه أثناء إقامته بعمَّان سنتين منتقلا ً إليها من القاهرة ، وشفع ذلك بديوانه ، فمؤلفات عديدة من التراث القديم ، كـ : ( رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا ) ؛ ومن الحديث : ( ديوان الزهاوي ) ، الذي أحتفظ في خزانة كتبي بنسخة منه ترقى إلى قرابة تسعة عقود ، دليلا ً ناصعا ً على الإخلاص في العمل والصدق في المعاملة ، بحيث تخيَّر صاحب المطبعة أجمل الحروف ، وأمنع الورق من التمزُّق والتهرِّي ، وأكفله بالمصامدة لتغيُّر الزمن وتوالي الأيَّام وتقلبها ، فضلا ً عن تجليده الفني المُعجـِب في وقتٍ كان كلُّ شيءٍ ثقافي مألوف ومتدوال عندنا معروف عنه تدنيه وتقاصره عمَّا عند الغير .

       وأثناء إقامته بعمَّان توظف في الحكومة مفتشا ً لمرفق من مرافقها ، فرئيسا ً لديوانها ، حتى أتيح له أنْ يُدنِي اتصاله بأميرها عبد الله بن الحسين ، منتخيا ً به أنْ يعمل شيئا ً لتخليص موطنه بلاد الشام من براثن المحتلينَ ، ومُحَيِّيا ً سدَّته بقصيدةٍ أشهدُ أنـَّها من غرر الشعر العربي في قديمه وحديثه ، وكفيلة ببلوغ قصدها وغايتها من استثارة الهمم وابتعاث النخوة في أخمل النفوس وأميلها للونى والفتور والقعود عن السعي وخذلان المستجير ، نختار منها قوله :

تـَذكـَّرْتُ وَالـذِكـرَى تـَفِـيضُ جـِرَاحُهـا       دَمــَــا ً فـَجــََّـرَتـْهُ مـَـكــة ٌ وَبـِطـَاحـُهـا
ألا هـَـلْ أجـِيـْـلُ الـرَأيَ ألـْـتـَمِسُ امرأ ً       تـَطـِـيْـبُ بـِهِ نـَفـْـسٌ إلـَيهِ ارتِـيَـاحـُها ؟
رَبـَـأتْ بـِنـَفـْسـِـي أنْ تــَـذلَّ وَمـَا نـَبََـتْ       بيَ الأرْضُ ، أوْ ضَاقتْ عليَّ فِـسَاحُها
وَلـكـِـنـَّـنـِي أحـْـسـَـنـْتُ ظـَـنـِّي بــِأمـَّـةٍ       تـَعَاصَى عَلى أهل ِ الصَلاح ِ صَلاحُها
…………….
وَلـَمْ أرَ قــَبْـلَ الـعُـرْبِ في الناس أمـَّـة ً       سـَـواءٌ عـَـلـَـيْـهـَا خـُسْـرُهـا وَربَاحـُها
تــُرَجـِّـي فـَلاحـَـا ً والشِقـَاقُ حَـلِـيْـفـُهـا       وَكـَيْـفَ يـُـرَجـَّى فِي الشِقـَاق ِ فـَلاحُها
وَمــَـا بـَـرَزَتْ فـِي عـَـالــَم ِ الله أمـَّــة ٌ       وَلا كــَـانَ إلا بــِالـوفــَاق ِ نــَجـَـاحـُهـا
لـَقـَد أوْجــَسَ الـَقــَلـبُ الـمُعَـذبُ خِيفة ً       وَأقــْـلــَـقــَـهُ مـَكـْـنـُونـُهـا وَصُرَاحـُهـا
وَبـَاتـَتْ تـُنـَاجـِيْـنِي وَسـَاوسُ أطـْلـَقـَتْ       أعِـنـَّـتـَها الأيـَّامُ ، صَـعـْبٌ جـِمـَاحـُهـا
أبـَا نــَـائـِفٍ جـَازَ الرُصَـافــَة فـَيْـصَـلٌ       وَسـُـوْريـَّـة يَـعـْـلــُـو لــَـدَيـْـكَ نـُوَاحُها
فـَهـَلْ أنـتَ مُـذكِي نـَارَهـَا فـَمُجـِيـْرُهـَا       عَـشِـيـَّة إذ ريْعَتْ وَخِيْفَ افتِضَاحُها ؟
وَهـَـلْ أنتَ مـَاحِي عـَارَهـَا فـَمُـثِـيْرُهـَا       وَغـَىً كـَانَ حـِلا ً إثــْمُها وَجـُنـَاحُها ؟

*******

       فأنتَ واجدُهُ في نسجها وصياغتها ملتزما ً ما لا يلزم في التقفية ، على وجهٍ لا يشي بانتحاله وتكلفه إنْ لم يبن مترسِّلا ً بوحي تلقائيَّته ، لكنَّ هذا القصيد على ما ينضح به من الإخلاص وصدق السَريرَةِ ، لا ينتفي منه الغمز والتعريض والتحرُّش ومرُّ العِتاب ، ومناشدة الأمير عبد الله بحمل أعباءٍ يضيق بها كاهله ، وتأدية مهمَّات ووجائب لا قِبَل له بها ولا وسعٌ ، وتعجزُ عنها قدراته واستعداداته الشخصية ؛ فهذا الأمير الهاشمي يرى أنْ لا محيص من المسايرة وملاينة الأجنبي ، ما دام منجدا ً له ببعض الحُطام لتمشية مصالح حكمه ، متعظا ً بما آل إليه شأنُ أخيه فيصل من اندكاك عرشه في دمشق ؛ وذرَّ التقاطع والجفوة والتباعد في النظر لماجريات الأحوال بينهما ، بحيث تعدَّّى ذلك إلى الشروع بتأليف ذلك الكتاب الذي أشرنا إليه قبلا ً ، وهو الذي عنونه : ( عامان في عمَّان ) ، ملأه في غير موضع منه قدحا ً واستلالا ً من مكانة الأمير ، لا سِيَّما بعد اضطراره لهجران عاصمته مُكرَها ً ، بعد حصول غير عارض أودى به إلى الحبوس ، فانعدم التفاهم بينهما ، وأخلي سبيله بعد تدخُّل أعوان كلا الطرفين ِ .

       كلُّ هذه الحقائق نجتليها بتفصيل أوفى وتشخيص ٍ أدق ٍ بكتاب : ( خير الدين الزركلي ــ المؤرخ الأديب الشاعر ــ صاحب كتاب الأعلام ) ، لمؤلفه البحَّاثة أحمد العلاونة ، الكاتب الأردني الذي ألتقيه للمرَّة الثالثة حين أهمُّ باقتناء كتابٍ وشرائه من مكتبة دار القلم بدمشق ، يبحث في سيرة عالم ٍ مفكر أو أديب نابه أو فيلسوف واسع الأفق يندرج في سلسلة ( علماء ومفكرون معاصرون ــ لمحات من حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم ) التي توالي طبعها هذه الدار ، دون أنْ ألتفتَ لاسم مؤلفه ، وأهتمَّ بضبطه بعد أنْ يتوارى وينحجب عن عينيّ ، حين يجتذبني المطبوع الذي أنتوي شراءه ، فيأسرني عنوانه ، وتروقني جملة الأوصاف المغرية به والمحبِّبة له والمرغـِّبة فيه ، فأذهَل عن اسم معدِّه ومصنفه والمنفق جهدا ً فائقا ً في تبويبه ؛ قلتُ ألتقيه للمرَّة الثالثة في نفس هذه السلسلة بالتسلسل ( 20 ) ، مُسَاجـِلا ً وَمُومِئا ً إلى ما يستهويني فيه من أمانةٍ في نقل الحقائق الموثوقة من مظانها ومصادرها ، مثنيا ً على ما تتسم به عبارته من متانة وطلاوةٍ معا ً ، وتوفيةٍ لسائر ما يعنُّ له من تأمُّلات وتعليقات ، ويخطر من شُرُوح وانطباعات ، أو مستدركا ً معترضا ً على ما قد يخاله عينَ الصواب والصحَّة ، وأحسبه من الهنات التي وقع فيها وانجرَّ إليها وارتكس فيها ، قدر ما أعجَبُ بنقوله من تراث الحصفاء والحكماء ، وما نمُّوا به من آراء سديدةٍ ، وتكشَّفوا عنه من أقوال ٍ بليغةٍ بصدد ما يشيع في الوسط الأدبي من لغو ولغطٍ عن النقد ، وما يستتبعه من تناحر وشقاق وتمادٍ في سوءِ الظنِّ وارتيابٍ بسرائر مزاوليه ومحترفيه .
       فما أحسنَ (( قول العلامة محمود محمد شاكر رحمه الله وأبلغه : فإنَّ جودة العلم لا تتكوَّن إلا بالنقد ، ولولا النقد لبطل كثيرُ عِلم ٍ ، ولاختلط الجهل بالعلم اختلاطا ً لا خلاص منه ولا حيلة فيه ، وقول العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله : لكلمة حق ٍ في الانتقاد على أخلاقنا خير عند العقلاء من ألف كلمةٍ في إطرائنا ، إذ تلك تعرِّفنا عيوبنا فنتجنبها ، وهذه تنسيناها فندأبُ عليها )) .

       ومثلُ هذه الشذرات الكلامية تحتاج مدارك على شيءٍ من إحسان الظنِّ بالسرائر والقلوب ، وإلا فالمدخولونَ والمرجفونَ وذوو النفوس السود والمنتوونَ وأدَ القابليات والمواهب وكفها عن التواصل والعطاء ، منكشفونَ بغير دليل ولا برهان على دبيبهم ووجودهم .

       وعن تنقل الزركلي وإلمامه بالحواضر والعواصم قبل أنْ تناط به الأعمال الرسمية في البلاد التي عُدَّ من رعاياها ، لأنـَّه اكتسبَ أو مُنِحَ جنسيَّتها الحجازية في عهد الحسين الثائر مخاصم الأتراك ، لم يخلُ من بعض النشاط الملموس من ناحية توفير لوازم المعيشة ومتطلباتها ، فقد استأنف عمله الصحفي المهجور ، وصدرَتْ عنه مجلات وصحف منها : ( الحياة ) في القدس ، وأخرى في يافا ، وكلها مُنيَتْ بالمصادرة والتعطيل لتهجُّمها على الانتداب البريطاني وما يجترحه من مظالم أو يبديه من معاونة ومؤازرة وتعضيد لليهود في فلسطين ، ثمَّ انتظم في عداد رجال الأعمال بمصر ــ كما أسلفنا ــ دون أنْ ينقطع غشيانه المكتبات العامة في أكثر من بلاد ، مدوِّنا ً ملاحظاته ومجانيه ممَّا تصفحه من نفائس الكتب والمخطوطات ، وإفراغها في جذاذات يفيد منها بتعاقب السنين لإثراء كتابه ( الأعلام ) ، وزيادته غنىً وتوسعة ، ليصدر بطبعة ثانية بعشر مجلدات عام 1959م ، ثمَّ ثالثة عام 1969م ، مقترنة هذه المرَّة بثلاثة ملاحق آخرها للصور والتوقيعات .

       لكن دوَّى في سمعه ذات يوم صوتَ شعبه الثائر في بلاده سورية على المحتلينَ الفرنسيينَ وما يقترفونه فيها من جرائم وأوزار ، فوقف بما أسماه ديوان أحمد شوقي ( تياترو ) حديقة الأزبكية بالقاهرة ، وأمامه جمهور حاشد ، وإلى جانبه شاعر مصر الكبير ، فتباريا في نعي شهداء سورية ، وتأسَّيا على فجيعة ذويها بتهديم بيوتها ومنشآتها ورميها بالقنابل ، وكان الحفل ذاك مقاما ً باسم إغاثة منكوبي بلاد الشام ، كما يقول ديوان شوقي أيضا ً ، وكان عمره ستا ً وخمسينَ سنة ، وعمر الزركلي ثلاثا ً وثلاثينَ سنة ، ولا دخل للأعمار في التجويد والإبداع الفني للشاعرية ، ولنقرأ من قصيدة شوقي السائرة والداخلة أشتاتٌ منها في المحفوظات المدرسية والمنهج المقرر في هذا البلد العربي أو ذاك :

سـَـلامٌ مـِـن صـَـبـَا بـَـرَدَى أرَقُّ       وَدَمـْـعٌ لا يُـكـَفـْـكـَفُ يَا دِمَـشْـقُ
وَمَـعـْـذِرَة الـيَـرَاعـَةَِ وَالـقـَوَافـِي       جـَلالُ الـرَزْءِ عـَن وَصْفٍ يَدُقُّ
وَذِكـرَى عـَن خـَوَاطِـرهـَا لِقلبي       إلـَيْـكِ تـَـلـَفـُّتٌ أبــَـدَا ً وَخـَـفــْـقُ
وَبـِي مـِمـَّا رَمـَـتـْـكِ بهِ الـلـيَالـِي       جـِرَاحـَاتٌ لهَا فِي القـَلـبِ عُمْقُ
دَخـَلـْتـُكِ وَالأصِـيْـلُ لهُ ائـْـتِـلاقٌ       وَوَجْهُكِ ضَاحِكُ القسَمَاتِ طلقُ

*******

       بينا نجتلي الإحساس بالفقد والتفجُّع بهول الكارثة على منتهى ما تؤول إليه المصائب ، ولنقرأ شدو الزركلي ونواحه :

الأهْـــلُ أهــلـي والــدِّيَـار دِيَـاري        وَشِـعَـارُ وَادِي النيربين ِ شِعَـاري
مَــا كــانَ مِـنْ ألـَم ٍ بـِجـِلـَّقَ نازل ٍ        وَاري الــزِّنـَادِ فـَرَنـدُه بـِيَ وَاري
إنَّ الـدَّم الـمـهَـرَاقَ فِـيْ جَـنـَباتِـها         لـَدَمِـي ، وإنَّ شِـفـَارَها لـَشِفـَاري
ويح الحضارة كيف يمتهن اسمها         متكالبون عل الضعاف ضواري
مَـا انـْهـَارَ قـَصْرٌ فِيْ حِمَاكَ مُمَرَّدٌ        إلا لِـيـُرفـَعَ فِـيْـكَ قــَصْـرُ فـَخـَار ِ
مَـــا يَـنـْـقـمُـون عَـلـَيْـك إلا أنـَّهُـم         شَـهـِدُوك غـَيـر مَـقـُوْدَةٍ لِـصَغار ِ

********

       وينقل لنا الأستاذ العلاونة في تعقيبه على القصيدة رأيا ً للشيخ علي الطنطاوي فيهما ، مرجِّحا ً قصيدة الزركلي في بنائها السهل وتعبيرها السلس الممتلئ بالصور الجميلة الواضحة ، وشوقي وإنْ كان أسلوبه أقوى ولغته أمتن ، فإنَّ قوافيه أشبه بالطريق الوعر فيه الحجارة والصخر ، وحسب الزركلي أنـَّه تعمَّق المأساة الداهمة ولا يتصوَّر أحد ما تجرُّ وراءها كتصور ابن البلد وتسجُّره ممَّا يحيق بأهله ، والطريف أنْ عرض لي هذا الرأي والسجال بصدد حبكِ مضمونَ كلتا القصيدتين ِ ، وطالعني في تضاعيف مقالة نشرتها مجلة ( الآداب ) قبل نصف قرن ويزيد لأحد الكتاب أتعشَّم عن رميه بالسرق والانتحال .

       وعِندي أنَّ من شعره الرائع القوي التصوير هذه الثلاثة أبيات التي أثِرَتْ عنه ، وعُثِر بها في سريره بعد موته ، مستوحيا ً بها ما يجري بلبنانَ من صدام وتناحر بين طوائفه وفئاته :

مَـتـَى تتبَرَّجُ الـدُنيَا  وَيَـشْـدُو       هـَزَارُ رَبيْعِهَا بَعْدَ النحِيْــبِ
وتـَبْتـَسِـمُ الأزَاهِرُ فِي رُبَاهـَا       مُعَطـَّرَة الندَى بشَمِيم طِيْـبِ
أمَـا لِـلـكـارثاتِ مِن الـرَزَايـَا       خِتامٌ بينَ أحمدَ والصَلِيْبِ ؟

********

       ومِمَّا سجَّله المؤلف أحمد العلاونة عن الفهامة الموسوعي وعلم الأعلام خير الدين الزركلي ، في الصفحة ( 100 ) من كتابه : (( أتيح للزركلي التنقل بين الأقطار والعواصم والمدن والمكاتبات والمجالس ، ونال من المناصب ما عرَّفه بالرجال من كلِّ صنفٍ ولون ، سمع الأقاصيص ورأى الوقائع ، وكان من اليسار والثراء ، بحيث لا يقف حائل دون حصوله على مصدر ومرجع )) ؛ وهذا عين الأمانة في التوثيق ، إذ شغل الرجل منصب سفير للسعودية في المغرب ، وناب عن ملكها في التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية ، وكادَتْ السياسة تشغله وتصرفه عن اهتماماته الأدبية والفكرية ، أ تتوقع من بعد هذا أنْ يكونَ أديبٌ بهذه المنزلة معوزا ً فقيرا ً أو يُضطرَّ لبيع بعض كتبه ، ممَّا يقنع نفسه أنـَّه قد لا يتصفحها مستقبلا ً ولا يحتاجُها ويعوِّل عليها في كتاباته ، ليوفر لمَن يعيلهم نفقات معيشتهم أو مصروفهم اليومي ؟ ، ومثله من الاستظلال بظلِّ الأسرة السعودية الحاكمة ، الشاعر اللبناني فؤاد الخطيب الذي تبوَّأ مراتبَ ومناصِبَ مرموقة آخرها السفارة في بلاد الأفغان ، مع أنـَّه شاركَ في حوادث الثورة العربية في الحجاز ، وأذكى ضرامها بشعره القوي المتين ، وخُتِمَتْ حياته بوفاته ونقل جثمانه إلى لبنان وطنه الأصلي ، ليُدفنَ في فسحة منه ، وساذجٌ مَن يظنُّ أنـَّهما جاهلين ِ أو غافلين ِ عن الجفاء والقطيعة بينَ المحتربينَ والمتنازعِينَ أمس ِ على السيادة ، وظلَّ مَن بقي من أحفادهم على قيد الحياة ، متوارثينَ لهذه الأوتار والذحول ، فلا مراء أنْ انقطع الزركلي في أخريات حياته لتأليف كتاب بعنوان : ( شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ) ، طبعته دار العلم للملايين ببيروت ، بأربعة أجزاء ، مجموع صفحاتها ( 1460 ) صفحة ، بعد أنْ هيَّأتْ له الدولة السعودية جميع وسائل الاستقرار والسكنى في شقة على البحر وتحت تصرُّفه وفي خدمته خادمة وسيارة ، فأنجز هذا السفر الذي (( مثل ضربا ً من الوفاء للأسرة السعودية ، ويُعَدُّ نموذجا ً للنثر العربي الوديع القوي في جمال الترجمة الشخصية )) .

       على أنـَّني لا أوافق بل أعترض على ما جاء في هامش الأستاذ العلاونة في الصفحة ( 148 ) ، حين استرسل بتعريف القارئ بسيرة محمد بن عبد الوهاب ، وانطلاقه بدعوته ، يقول المؤلف : (( كان يَعُدُّه الزركلي الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله ، تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها ، فظهر الآلوسي الكبير في بغداد ، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان ، ومحمد عبدة ورشيد رضا بمصر ، وجمال الدين القاسمي في الشام ، وخير الدين التونسي بتونس ، وصديق خان وأمير علي في الهند )) ؛ وأرى أنْ لا مدعاة لأنْ نغلو ونطيل في اجتلاء معاني النصوص ، فنحمِّلها أكثر ممَّا تحتمل ، ذلك أنَّ أولئك الأقطاب والمصلحِينَ أبعد عن التأثر بما دعا له محمد عبد الوهاب ، ودعواتهم التنويرية وانفتاحم على مستجدَّات عصرهم ومألوفاته ، لا رابط لها أصلا ً لا من قريب ولا من بعيد بالحركة الوهابية أو بأفكار ابن عبد الوهاب هذا .

       وفي الصفحة ( 104 ) التي يطنبُ فيها الأستاذ العلاونة في شاعرية الزركلي ، خلص منها إلى أنـَّه جمع بين الشعر والنثر ، فأجاد فيهما إجادة واضحة ، وهي ظاهرة قلَّ أنْ نجدها ، وعقبها قوله : (( فإذا قرأتَ نثر الجواهري وهو شاعر العرب في العصور المتأخِّرة كان نثره في الحضيض وشعره في القمَّة )) ؛ وهنا رجوْتُ أنْ لا يكون الأستاذ العلاونة متأثرا ً من ذلك الاستقبال الجافي أو الإعراض المستهجن الذي تبدَّى به الجواهري ، حين قصده العلاونة نفسه في وقتٍ مبكر من صباح أحد الأيَّام بفندق نزله بعمَّان ، ليستقي منه مادَّته ويحيط بخبر عن الدكتور إبراهيم السامرائي ، كما نوَّه بهذه الواقعة الأستاذ صبحي البصَّام في تقديمه لمؤلـَّف العلاونة عن السامرائي , إذ ردَّ عليه الجواهري بجفوةٍ ونفور وشيءٍ من الخشونة ، وتعامل معه بما لا يليق ، بدعوى أنـَّه استيقظ من نومه توا ً ، ولم يغسل وجهه بعد ، لا أريد القول أنَّ المؤلف العلاونة متغرِّض ومتحامل على الجواهري ، فكتب ما كتب واسما ً نثره بأنـَّه في غاية الركاكة والابتذال بل إنـَّه في الحضيض ، لكن أظنـُّه لم يطلع على افتتاحيات الجرائد التي أصدرها الجواهري في العهدين ِ الملكي والجمهوري في العراق ، كـ : ( الانقلاب ، الرأي العام ، الجهاد ، الثبات ) ، وما احتوته كلها أو اشتملتْ عليه من نثر جميل وأداء رصين بأسلوب قوي محكم في مقارعة الآثمينَ والظالمينَ .
 
*******

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *