طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (20)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

صبية الغابة

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
بعد أن أعدت الأم طعام الافطار ، همت أن تذهب إلى ابنتها بيتي ، وتوقظها من النوم ، لكنها توقفت مبتسمة ، فقد تناهى إليها تغريد ابنتها وأقبلت بيتي على من الغرفة المجاورة ، فهزت رأسها ، وقالت : لقد أنجبت بلبلة بدل أن أنجب طفلة .
وأقبلت بيتي على أمها ، وأعوامها الأربعة عشر ، تطل بهجة من ملامحها ، وراحت تدور راقصة ، ومغردة ، حول أمها ، فرفعت الأم يديها إلى رأسها ، وقالت : كفى ، يا بلبلتي ، لقد دخت .
وفتحت بيتي النافذة على سعتها ، وقالت : ماما ، إنه الربيع ، دعيه يدخل بيتنا .
ومدت أمها يديها إليها ، وعانقتها بحرارة ، وقالت : بنيتي ، أنتِ الربيع .
وخلال تناولهما طعام الافطار ، تناهت إليهما من الخارج ، مأمأة العنزات الثلاث ، فقالت الأم : العنزات الثلاث يطالبننا بالطعام .
ونهضت بيتي ، وهي مازالت تلوك لقمتها ، وقالت : هذا حقها ، سآخذها اليوم إلى غابة البتولا ، العشب هناك كثير ، وسأجعلها تأكل حتى تشبع .
والتمع برق في عيني الأم ، أضاء أياماً كاد يغطيها ظلام الأيام ، وتنهدت متمتمة : البتولا .
ثم نهضت ، وأعطت بيتي سلة ، وضعت فيها أرغفة خبز ، ومغزل وخيوط من الكتان ، وقالت : بنيتي ، املئي السلة بالغزل .
ولأن بيتي ليس لها ملكة مغزل ، فقد لفّت خيوط الكتان حول رأسها ، ثم أخذت السلة من أمها ، وهرولت تغرد فرحة ، وهي تسير خلف عنزاتها الثلاث إلى غابة أشجار البتولا .

” 2 “
ـــــــــــــــــــ
جلست بيتي تحت شجرة بتولا ، والعنزات الثلاث ترعى على مقربة منها ، وراحت تغزل الكتان ، وهي تغرد ، والغابة تردد صدى تغريدها .
وعند منتصف النهار ، توقفت بيتي عن النسج ، وجمعت بعض ثمار الفراولة ، وراحت تتناولها مع الخبز ، الذي أعطته لها أمها ، ثم نادت عنزاتها الثلاث ، وقدمت لكل واحدة منها قطعة من الخبز .
وعندما انتهت من غدائها ، هبت واقفة ، وانطلقت تغرد وترقص ، وأشعة الشمس تبتسم لها ، عبر الأوراق الخضراء لأشجار البتولا .
وفجأة توقفت بيتي مذهولة ، إذ رأت أمامها فتاة صغيرة في عمرها ، ذات جمال رائع ، ترتدي ملابس بيضاء ، وشعرها الذهبيّ ينساب على كتفيها ، وفوق رأسها اكليل من أزهار الغابة .
واقتربت الفتاة الغريبة من بيتي ، وابتسمت قائلة : رأيتك تغردين وترقصين ، يبدو أنكِ مثلي تحبين التغريد والرقص والفرح .
فهزت بيتي رأسها أن نعم ، فقالت الفتاة الغريبة : تعالي اذن نرقص ونغرد ونفرح معاً .
وعلى الفور ، وضعت الفتاة الغريبة يدها على خصر بيتي ، وراحت ترقص معها ، وهي تغرد ، وفي الأثناء صدحت موسيقى وتغريد رائعين ، ورفعت بيتي رأسها ، فرأت على الأغصان مجموعة من طيور الكروان والحسون والعنادل والقبرات .
وبعد حين ، توقفت الفتاة الغريبة ، ومعها توقفت الموسيقى ، وكما ظهرت الفتاة فجأة ، فجأة اختفت ، واختفت أيضاً جوقة الطيور المغردة .
وتلفتت بيتي حولها ، والشمس تميل إلى الغروب ، فرفعت مغزلها من على العشب ، ووضعته في السلة مع الكتان المغزول وغي المغزول ، ونادت عنزاتها الثلاث ، وقادتها عائدة بها إلى البيت .
آه لابد أن أمها ستؤنبها على تأخرها ، وكذلك لأنها لم تنتهِ من غزل الكتان ، كما اعتادت أن تفعل كلّ يوم ، وكلّ هذا بسبب الفتاة الغريبة ، وقررت أن لا تستمع إليها ، إذا رأتها مرة ثانية .

” 3 “
ـــــــــــــــــــ
مع غروب الشمس ، وراء الجبال البعيدة ، في ذلك اليوم ، وصلت بيتي إلى البيت ، حاملة سلتها ، وعنزاتها الثلاث تمشي متعبة أمامها ، وقد امتلأت ضروعها بالحليب .
ولمحت أمها تقف مقطبة بالباب ، ستؤنبها ، نعم ، وبشدة ، والحق معها ، فهي عادة تعود إلى البيت حوالي العصر ، وليس بعد غروب الشمس .
لكن الأم لم تُؤنبها ، وإنما أخذت العنزات الثلاث إلى الزريبة ، وحلبتها كما تفعل كلّ يوم ، ثم أعدت طعام العشاء ، وجلست مع بيتي تتناول الطعام ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة .
وبعد العشاء ، جلستا أمام الموقد ، ونظرت الأم إلى بيتي ، وقالت : أقلقتني اليوم ، لقد تأخرتِ .
ورفعت بيتي عينيها إليها ، وقالت : قد لا تصدقينني ، إذا قلتُ لك ، سبب تأخري .
وقالت الأم ، محاولة كتمان مشاعرها : سأصدقكِ ، يا بيتي ، أخبريني عن السبب .
ولاذت بيتي بالصمت ، فقالت الأم : إنني أصغي إليكِ ، يا بنيتي ، تكلمي .
وقالت بيتي : السبب هو فتاة في عمري . .
وحدقت الأم فيها متسائلة ، مستغربة ، فتابعت بيتي قائلة : ظهرت فجأة ، ترتدي ملابس بيضاء ، وعلى رأسها اكليل من أزهار الغابة ، فرقصت معي ، وأنستني الوقت ، ثم اختفت فجأة .
واتسعت عينا الأم ، ولمع فيهما برق غريب ، أضاء أياماً منسية من الماضي ، فنهضت من مكانها ، وقالت : أنتِ متعبة ، يا بنيتي ، اذهبي إلى فراشكِ .
ونهضت بيتي ، وتمددت في فراشها ، وقبل أن تغمض عينيها ، قالت لها أمها : ابقي غداً في البيت ، أنا سأرعى العنزات الثلاث .
وأوت الأم إلى فراشها هي الأخرى ، وقبل أن تسغرق في النوم ، تراءت لها فتاة صغيرة ، غريبة ، في عمر بيتي ، ترتدي ملابس بيضاء ، وتضع على رأسها ، اكلياًل من أزهار الغابة .

” 4 ”
ـــــــــــــــــــ
في وقت مبكر ، من صباح اليوم التالي ، وقبل الوقت الذي اعتادت بيتي ، الخروج فيه إلى المرعى ،
أخذت الأم العنزات الثلاث ، والسلة التي لم تضع فيها سوى أرغفة الخبز ، وانطلقت على جناح السرعة ، نحو غابة البتولا .
وطوال الطريق ، كانت أيام ربيعها المبكر ، تسير معها خطوة بخطوة ، وتسبقها أحياناً بشذاها ، وأغاريدها ، ورقصاتها المليئة بالحيوية والحياة .
وذات يوم ، من أيام ذلك الربيع ، ومثلما التقت بيتي بالفتاة الغريبة ، بملابسها البيضاء ، واكليل الأزهار على رأسها ، التقت هي الأخرى بالفتاة الغريبة نفسها ، وراقصتها حتى غروب الشمس .
وعندما عادت إلى البيت ، لم تكتفِ أمها بتأنيبها ، وإنما ضربتها بالمكنسة ، آه ما أطيب ضربات تلك المكنسة ، في ذلك الربيع البعيد .
وكما في الماضي ، جلست الأم تحت شجرة البتولا ، تنتظر الفتاة الغريبة ، نعم ، إنها ليست في عمر بيتي الآن ، لكن حنينها إلى ربيعها الأول ، جعلها بيتي أخرى ، تنتظر بلهفة ، تلك الفتاة الصغيرة الغريبة ، تحت شجرة البتولا .
ستأتي إلفتاة الغريبة ، بملابسها البيضاء ، واكليل الزهر على رأسها ، فتضع يديها حول خصرها ، وترقص معها حتى غروب الشمس .
وأتى منتصف النهار ، وارتفعت الشمس فوق اشجار البتولا ، لكن الفتاة الغريبة لم تأتِ ، لا بأس ، لعلها تأتي بعد الظهر ، فالوقت مازال مبكراً ، وبينها وبين غروب الشمس ساعات كثيرة .
وتآكلت الساعات سريعاً ، ومالت الشمس للغروب ، دون أن تأتي الفتاة الغريبة ، فنهضت الأم من تحت شجرة البتولا ، ورفعت سلتها ، ثم نادت عنزاتها الثلاث ، وقفلت عائدة بهم إلى البيت .
ولاحت لها بيتي ، في أواخر أشعة الغروب ، تنترها بباب البيت ، وتراءى لها ربيعها الأول ، بيتي هي الربيع ، وسيبقى الربيع مادامت بيتي ربيعاً .
وبعد العشاء ، وهما جالستان قرب الموقد ، نظرت الأم إلى بيتي ، وقالت : بنيتي ، خذي العنزات الثلاث غداً إلى غابة البتولا ، وخذي معكِ السلة ، ولكن لا تضعي فيها سوى أرغفة من الخبز .

12 / 9 / 2016

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *