مهند طلال الأخرس : الجزائر؛ تاريخ منهوب ومستقبل مسروق (٨-١٠)

الكاتب في زيارة للمركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة اول نوفمبر

من لا يقرأ التاريخ لن يدرك الحقيقه أبدا، فعلى مدى التاريخ اشتهرت دول بسرقة التراث وبالسطو على ارث الدول الاخرى، ولم تكتفي عند هذا الحد فحسب؛ بل امعنت في تزوير التاريخ واصطناع الجروح في اجساد الاوطان المُستعمرة لتحدث الندب والدمامل والشروخ والجروح ولتسكب عليها الملح كلما حنت الى ارثها الاسود المقيت ولتبقي تلك الجروح غائرة لا تشفى.

وعلى مدى التاريخ البشري انتشرت السرقات وشاعت حوادث السطو، لكن كانت اقساها واكثر ايلاما تلك التي تتعلق بسرقة الارث والتراث المعرفي الانساني؛ لما تشكله هذه السرقات من هدر لسنوات من التراكم الانساني ومن منجزه الحقيقي المتمثل بالمعرفة وحفظها وتوثيقها بين دفات الكتب كميراث للاجيال الانسانية المتعاقبة وكحق لها على من سبق بغية البناء عليه والاضافة ما امكن وتمرير كل ذلك للاجيال المتعاقبة ضمن متتالية ازلية تتفق مع معيار الوجود الانساني على هذه الارض والمتمثل بالحقيقة الالهية “اعمار الارض” والمتجسد بالوصية النبوية “زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون”.

ورغم كل تلك النصوص الالهية والنبوية المتفقة مع قوانين الطبيعة وحتمية الاشياء، إلا انه ورغم كل ذلك اشتهرت عدة حوادث تتعلق بالسرقات المعرفية التي يندى لها جبين البشرية وستبقى وصمة عار في تاريخه على مدى الحياة.

وفي هذا المجال يمكننا الاشارة هنا لبعض تلك الحوادث المأساوية التي وقعت عبر التاريخ؛ ففي القرن الخامس قبل الميلاد أحرقت كتب بروتاغودراس في أثينا، وفي القرن الثالث قبل الميلاد أمر الإمبراطور الصيني شيهوانغ تي بإحراق جميع الكتب في البلاد وكان يشرف على عمليات الإعدام هذه ويتابعها بنفسه، وفي منتصف القرن التاسع عشر أسس كومستوك جمعية لملاحقة الكتب التي تشجع على الرذيلة بمقياسه ومفهومه وناشريها، وقد نجح في دفع الحكومة إلى اعتقال العشرات من المؤلفين والمثقفين وقد انتحر 15 منهم على الأقل في السجون وأتلفت مئات الأطنان من الكتب، وكان من أقوال كومستوك إن العالم سيكون أفضل لو لم تكن ثمة قراءة، هذا بالاضافة طبعا الى الحادثة الاشهر لدينا نحن العرب والمسلمون والمتمثلة بالكتب التي أحرقها المغول أو ألقوها في نهر دجلة عندما احتلوا بغداد حتى صبغت لون مياهه بالاسود، وهذا المسلسل المأساوي والمشهد الدامي لم يتوقف بل استمر وتطور مع كل حملة استعمارية وطأت اقدامها الارض العربية، وهذا ما تم واستمر عبر سرقة مئات الآلاف من الكتب والقطع الأثرية التي سرقها الصليبيون ثم الأوروبيون المستعمرون لكافة اقطار الوطن العربي والتي ظهرت آخرها عند احتلال العراق.

الكاتب في المكتبة الوطنية والاطلاع على بعض مواد الارشيف المسترد

وهذا طبعا كله دون الاشارة الى دور انظمة الحكم العربية المستبدة والفاسدة والبيروقراطية التابعة لها، بتهريب الاثار والمخطوطات العربية وبيعها في الاسواق السوداء، ولاظهار حجم الاسى تجاه هذه الظاهرة بالذات لم تتوانى الانظمة الغربية سارقة التاريخ وناهبة المستقبل من عرض هذه المخطوطات والاثار النفيسة في اشهر معارضها، والانكى تقديمه على انه تاريخ ينسب لها ومنجز حضاري يحسب لها!.

والجزائر كشعب وتاريخ لم تسلم من هذا السلوك الاستعماري البغيض؛ وهذا طبعا بعد ان اكتويت الجزائر عبر تاريخها الاسلامي كغيرها(كالاندلس والعراق والشام والجزيرة العربية وغيرها الكثير) بالخلافات الدينية والمذهبية والقومية والتي شكلت مبررا كافيا لحرق المكتبات حيث كان الحكام الجدد غالبا ما يستحوذون على كتب الطب والطبيعة والرياضيات والفلك، وذلك قبل إضرام النار في الكتب الفقهية والفكرية والفلسفية والتاريخية والاجتماعية في اعتقاد راسخ من قبلهم بانهم يحفظون انفسهم في سطور التاريخ ويلغون دور غيرهم او يطمسونه، في محاولة مع سبق الاصرار والترصد لسرقة التاريخ وتزويره، واختلاق هويات مصنعة ومضللة لاسباب واجندات متعددة ليس ابسطها انكار المعرفة والعلم على اصحابها بل سلبهم حتى دورهم الطبيعي في التاريخ.

الجزائر بدورها لم تسلم من هذه المصيبة ولم تشذ عن هذه القاعدة فعندما زحف أبو عبيد الله الشيعي (مؤسس الدولة الفاطمية) بجيشه نحو تاهرت مركز الدولة الرستمية(في الجزائر حاليا) ونهبه وحرقه لمكتبة المعصومة والتي كانت تضم 300 ألف كتاب في حينه من شتى صنوف العلم وضروب الأدب، حيث دخل المعصومة فأخذ ما فيها من كتب الرياضيات والفلك والهندسة والصناعة، وأحرق ما عدا ذلك. فقضى في لحظات قليلة على ما زرعه علماء المسلمين وفقهاؤهم في عقود طويلة حيث تعرضت المكتبة للدمار سنة 296 هجرية.

ثم مالبثت الجزائر ان وقعت مرة اخرى تحت اثر هذه المصيبة مرة اخرى ولكن بصورة اشد واقسى وتمثلت هذه الصورة على اثر الاستعمار الفرنسي الغاشم وامعانه في فرّنسة الجزائر بصورة مطلقة وكلية شملت كل المعالم والرموز ومصادرة حتى اللغة وطمس الهوية ومحاولة الاستعمار الفرنسي الدؤوبة لنزع الجزائر من هويتها واقتلاعها من سياقها التاريخي وإصباغها بهويات زائفة ومصطنعة تهدف الى ادخال الجزائر في فلك التبعية والالحاق وهذا لن يتم لها طبعا إلا بضربها في جذورها وتشكيكه الدائم بهويتها بغية تركه معرضا لهزات الريح في اي وقت وكل هذا بغية ابقاء الجزائر بلا استقرار على اعتبار ان الاستقرار يشكل الارضية الاساسية لبناء الهوية الوطنية ضمن سياقها الجمعي والانساني.

وبالرغم من ان فرنسا خرجت صاغرة من الجزائر، إلا انها أَخرجت معها ما تريد وبعد ان تركت ايضا ما تريد!

فذاكرة الجزائر لازالت ترخر بذلك الوجع الذي سببه الاحتلال الاستيطاني الغاشم، فهي خرجت وتركت ازلامها كالزوافة واصحاب الاقدام السوداء والمعمرين والكثير من الخونة والجواسيس والتبع على اختلاف مسمياتهم واثارهم، خرجت فرنسا وتركت خلفها الكثير الكثير من الندب المأساوية والجروح الغائرة.

خرجت فرنسا ونهبت معها الكثير الكثير من الاثار والكتب والمخطوطات الجزائرية النفيسة، فذاكرة الجزائر لا تزال تشكو الاغتصاب الفرنسي والذي تمثلت احد اوجهه بسرقة الكتب والمخطوطات والاثار وهو مدار البحث في هذا المقال.
مفاد القول هنا ان فرنسا خرجت من الجزائر ولم تتركه في شأنه، علاوة على أنها تركت فيه جرحا غائرا لم تتوانى للحظة من ان ترش على جراحه الملح كي لا تندمل، وكلما تريد، فتزيده وجعا والما لكنه كان في كل مرة كان يخرج محصنا اكثر من ذي قبل.

ورغم هذا الجرح الغائر حرصت الجزائر دائما على ان تشفى من جراحها وان تسترد تاريخها المنهوب والمسلوب، وهذا لن يتم إلا باستعادة تاريخها وارثها وتراثها المنهوب والمتمثل بالكتب والمخطوطات والاثار وحتى الاموال والذهب والفضة؛ وهذا كله بغية استعادة وجهها الجميل وهويتها الاجمل، وهذا ما دفعها الى ان تخطو عدة خطوات في مجال استعادة هذا الارث المنهوب وعبر عدة وسائل وطرق شتى حتى وصل الامر الى اعادة شراء ما سرقته فرنسا في فترة الاحتلال.

ورغم ان الجزائر بحاجة الى حملة وطنية اولا وحملة قانونية واعلامية ودولية ضخمة ثانيا لتشكل ضاغطا على فرنسا الاستعمارية من اجل استرداد كل المنهوبات والمسروقات الجزائرية، إلا ان التقاعس عن ذلك لم يمنع وزارة الثقافة الجزائرية في عام 2017 من شراء وثائق تاريخية نادرة يعود بعضها إلى فترة ما قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر، وذلك خلال مزاد علني أقامته دار متخصصة بمدينة تولوز الفرنسية، حيث دفعت الوزارة 94 ألف يورو مقابل كتب وخرائط وصور ومخطوطات يصل عددها إلى ستمائة قطعة.

صورتين لبعض الارشيفات والمحفوظات الجزائرية المستعادة والموجودة في مركز دراسات المجاهدين

وكما لم يرحم الاستعمار الفرنسي الجزائر كبلد وكتاريخ من حملات التغريب للهوية فهو ايضا لم يدخر جهدا في اقتراف ابشع عمليات النهب المنظم للاثار والاموال والذهب والكتب والمخطوطات المعلومة والغير معلومة للان، وهذا الجرح الغائر والذي مازالت اثاره ماثلة للعيان لن تنساه صفحات التاريخ ولن تطوى هذه الصفحة إلا بإعادة كل تلك الكتب والمخطوطات والذهب والاموال والاثار المنهوبة والمسلوبة والمعروض الكثير منها في مكتباتهم ومتاحفهم والمخبأ بعضها الاخر في مخازنهم، دون ادنى مظهر للخجل لهذا الفعل الدنيء والوضيع والذي يمثل سلوكا خسيسا ومقرفا ومقززا اعتادت سلوكه دولة كفرنسا واسست له وعبرت عنه كنهج مستمر الى الان في ظاهرة مقرفة في التاريخ تفوح منها كل روائح الخراء.

اعجبني صديقي اللئيم عندما قال لي في معرض رده على استخدامي لكلمة الخراء في هذا النص، قائلا: قد يكون كل ذلك سبب اختراع فرنسا للعطور واشتهارها باجود انواعه لتخفي ما استطاعت من رائحتها النتنة التي امتازت واشتهرت بها عبر التاريخ، اجبته: كل عطور الدنيا لا يمكن لها ان تسلب شبرا واحدا من التاريخ او ان تطمس رأئحة الحنين.

ورغم ذلك كله؛ فالفرنسيون بمجملهم وعلى شتى صنوفهم من المحتل وعديم الشرف الى الوطني الغيور يعرفون قيمة الكتب ويقدرون دورها في التاريخ، لذلك تجدهم يشتركون في هذه القيمة إضافة الى موهبتهم الاساسية المتمثلة بالسرقة.

وهذا ما يتاكد لك عند استعراض محاكمة جان جنيه بتهمة سرقة الكتب! فقد كان هذا الكاتب المناضل والمفكر الثائر الفرنسي يسرق الكتب من المكتبات العامة ثم يعرضها للبيع، فألقي القبص عليه، وعندما سأله القاضي، هل كنت تعرف ثمنه؟ أجاب: “كلاّ، ولكني أعرف قيمته”.

شاهد أيضاً

صباحكم أجمل: سلواد درة الأجداد
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
“الحلقة السادسة”

من قريتي جيوس في شمال الضفة الغربية كنت اتجه الى رام الله لقضاء عدة ايام …

صباحكم أجمل: كور وبعض من حكايات وطن
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
“الحلقة الثالثة”

هذه القصور والقلاع الضخمة التي تركتها مشيخات قرى الكراسي الإقطاعية والتي بلغت 27 قرية في …

صباحكم أجمل: كور عمامة التلال
بقلم وعدسة: زياد جيوسي
“الحلقة الثانية”

رغم الفترة الزمنية التي مرت على جولتي في بلدة كور الا انها لم تخبُ بتفاصيلها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *