عبدالكريم إبراهيم : لعبة المكان في رواية (بين أمريكا وبغداد)

تلعب الأماكن دوراً في خلق حالة إنسانية معينة، قد تكون سلبية في بعض الأحيان، وتارةً تكون إيجابية تعباً لطبيعة المكان ما يشكله من اثرٍ في النفوس, ولعل إيجاد علاقة مسافة بين وجود مكاني وآخر له مدلولات قد تكون ذات بعد يمتاز بنوع من التحدي في التغلب على العاطفة التي تشد الإنسان صوب جهة معينة بحكم الولادة والنشأة ،وأحياناً الانبهار والدهشة. تأتي رواية (بين أمريكا وبغداد) للقاصة الشابة زهراء معطف الصادرة عن مؤسسة الورشة الثقافية ببغداد ضمن الروايات التي يشغل المكان فيها حيزاً و دلالة، ويمكن تلمس فيه عمق في الواقع ومعالجة بعض الأحداث بنوع من السطحية البسيطة، ولعل هذا الأمر ناجم أن (بين امريكا وبغداد) هي المنجز الأول لزهراء معطف حاولت من خلاله أثبات حالات الانبهار التي تعيشها بعض الشخصيات عندما تريد أن تجد موطأ قدم لها خارج البلاد كنوع من التحدي في المعرفة التي تحاول عبور الحدود المكانية . الكاتبة تعاملت مع المكان كنوع من حالات الإنسانية بعيداً عن البعد المكاني الذي يمكن أن يتصور القارئ على انه ذات بعد سياسي. الدخول السريع للأحداث وبدون تمهيد وسرد حكائي افقد الرواية بعض الإثارة التي يجب أن متواجدة لشد القارئ إليها .لم تراعي أيضا التسلسل الزمني السلس ” وكان شيئاً حزيناً أن ترى أصدقاءك الذين شاركوك المتعة والجنون والمقاعد والكتب قد سبقوك ” ص16 هكذا تكلم سامي بطل الرواية وهو يحاول مداواة جراحه بعد فشله في الحصول على مقعد دراسي في العراق ،ثم نجده يقول سريعاً وبشكل مفاجئ في الصفحة التالية ” ها قد فعلتها وحصلت على بعثة لأمريكا ” ص17. هذا التحول السريع في الأحداث دون مقدمة ،أربك القارئ وجعله يسأل عن سبب هذا الانعطاف السريع في الزمن.
وقد تكون رواية ( بين أمريكا وبغداد) خالية من عنصر الوصف الذي يحاول أن يقُرب نفوس الأبطال إلى القارئ ،ما خلا بعض المحاولات البسيطة ” أمي عراقية ، وقد حرصت عن ذكر عراقية لأنها شجاعة ، قوية جداً،تملك الحزم والعزم ما لاتملكه ألا المرأة العراقية ” ص11 ،وحتى صديق البطل الوحيد زياد لم يأخذ حصته من الوصف ” شاركني الغرفة شخصٌ اسمه زياد كان طفلاً بشكلٍ أو بآخر” ص20. في حين نجد هناك سرد في التعريف بجامعة كاليفورنيا ص22 ومع مبالغة في الحديث عن أنواع مرض السرطان وطرق علاجه كأننا في دورية طبية . ويمكن للقارئ أن يلمس عنصر التحدي في مواجهة مرض السرطان في كل من البطل (سامي ) وصديقته الامريكية ( كارولين ) حيث أن كلا الشخصين امتلكا أرادة قوية في تحدي هذا المرض الفتاك. ولعل عامل التفاؤل والتحدي هو الذي جعل من ( بين امريكا وبغداد ) فيها بعداً إنسانياً في العلاقات تتمثل في (وفاء الأصدقاء ، المرض ، الخوف ، الموت..الخ ) لاسيما أن العالم يعيش حالة الذهول التكنلوجولي التي حجمت المشاعر الإنسانية جعلتها تقاد من خلال مواقع التواصل الاجتماعي .
أخيراً يمكن القول أن تجربة الأولى لزهراء معطف في رواية ( بين امريكا وبغداد ) بداية موفقة لشابة تحمل تخصص علمي وقد تكون بعيداً عن دراسة الأدبية الأكاديمية.

شاهد أيضاً

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال – د. ميسون حنا) القصصية
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ …

عزاء الوسائد للشاعرة العراقية “منى سبع درباش”
التقطات صورية للبحث عن المعرفة الفكرية في عالم يثير الرثاء والغضب معا
قاسم ماضي -ديترويت

يقال وفي نظر الكثيرين من النقاد الذين لهم باع طويل في مشغلهم الفكري والإنساني ، …

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *