فؤاد قنديل: نساء وألغام (6)

بعد سنوات من التمني  ومعانقتها فى الأحلام  وصلت روما

  ما إن وضعت حقائبي فى الفندق حتى أسرعت بالخروج لأملأ  عيونى من  ست البنات .  روما، أو مدينة التلال السبعة .. فقد بنيت فى البداية فوق سبعة مرتفعات تفصل بينها مجموعة من الوديان الصغيرة .. تمددت عليها شوارع روما فيما بعد.

  لم أستطع التوقف عند أي معلم قبل أن أزور معلمها الأشهر الكلوزيوم.. المسرح الروماني المستدير ذي الطوابق الأربعة.. مسرح ضخم شهد عروض المسرح والإنشاد والمصارعة.. مصارعة العبيد مع السباع.

  ذهبت لأستدعي تاريخ الرومان الذى لا يزال فى أبهاء المبني وعلى درجاته العريضة وساحته الفسيحة، بل وعلى ذرات رماله وفى شرفاته وبواباته ذات الأسقف المقوسة.. بدأ بناء هذا المسرح عام 74م فى عهد الإمبراطور فسبازيان وانتهي عام 80م ، وكان يتسع لنحو مائة ألف متفرج وقد عذب فيه عدد كبير من المسيحيين الأوائل، وظل كذلك مسرحاً للتعذيب ولذبح الرجال والحيوانات ليروي عطش الحكام الرومان ويشبع رغباتهم لسفك الدماء حتى عام 313 عندما أصبحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية.

      فضلت ركوب الترام .الأرض كلها هضاب وتلال ، والترام يصعد ويهبط كأنى أركب الثعبان الضخم فى  الملاهى. . اجتذبنى ما تناهى إلى فى داخل الترام مما أستمتع بمشاهدته فى الخارج من جمال . فوجئت بأن أكثر من في الترام  شباب يتعانقون ويتلاثمون ويندمجون اندماجاً يمنعهم من الإحساس بما حولهم.. أصابني الذهول.. الشباب مخلصون جداً فى أدائهم العاطفي ولا أستبعد أن يكونوا قد تناكحوا لولا أن البنطلونات حسب ما أري ما زالت فى موضعها.

جلست وحيداً ومندهشاً وحائراً ماذا أفعل؟.. وأتساءل عن السر فى أن بعض السيدات من كبار السن وعددا  من الرجال المنشغلين بالصحف لا يقولون للمتعانقين لاهثي الأنفاس: عيب.

      أتساءل عن كيفية تنبه كل واحد منهم إلى محطته، أم أنهم بلا محطات.. وهل الترام مخصص لألعاب الحب فى أغلب الأحيان؟ 

       أخيرا توقف الترام فى المحطة النهائية فنزلت، لا أكاد ألمس الأرض. أشعر أني خفيف الحركة.. أكاد أقفز سعيداً، وأتساءل هل أوروبا كلها كذلك.. حدائق للحرية بكل أشكالها؟ إذن نحن شعوب تستحق الاستعمار !!..

   انتهيت من زيارة الكلوزيوم، ومضيت أسير.. الشوارع تغري بالتجوال والنزق.. الأرصفة الفسيحة الخالية. الجو الصحو  البديع.  أستنشق الهواء بنهم وأغسل رئتى .  تلفت نظرى النظافة. البنات المشرقات الحمراوات. الشعور الذهبية والعيون الخضراء والزرقاء. الشعر الأسود والبني والعيون السوداء والعسلية. البشرة الناعمة البيضاء.. الأجسام الرشيقة بل النحيلة والابتسام الدائم.. الشوارع فرحانة والدنيا ربيع دائم.. وأنا مفتون. مفتون .

     التماثيل الدقيقة الرائعة سحرتني.. الشرفات المزينة بالورود والنباتات تلوح لي بفرح وتدعوني للصعود لتقبيلها وتقبيل الأيدي التى نسقتها حتى تبهج الفضاء وتسر العيون.. هكذا يجب أن تكون الحياة، وأقل من هذا يمضي بنا نحو التعاسة.

    كلما  مررت بالقصور العريقة يطالعني البهاء والفخامة والحضارة والعمارة.. كم توقفت بالميادين المتسعة أتأمل نافوراتها ومقاهيها!  لا أستطيع مغادرة ساحة مثل نافونا أو تريفي حيث نافورتها الفاتنة التى تكاد تتراقص على أضواء المساء .. أمر بساحة  أسبانيا و الكابيتول  .. الساحات معارض ليس لفنون العمارة فقط، بل للفن التشكيلي الحديث. أما فى المتاحف فتطل فى زهو نماذج الفن الكلاسيكي ممثلا فى أعمال الأعلام الذين لا يحصرهم حصر.

   روما بحق.. هى المدينة المتحف أو المتحف المدينة وقد قرأت أن باريس مثلها وقد تفوقها، لكنني لم أتعرف إلا على روما.. فينوس التى بهرتني بفتنتها ورشاقتها.

أيتها الذئبة التى تفيض وحشية وحنانا ، ومن نبعيهما أرضعت ولديك ، رومولوس وأخاه .من ذا الذى يمكن أن يهنأ بحياته دون أن ينهل من ينابيعك الشيطانية الفوارة !..إننى الان أشعر بأن اللوحات والتماثيل وكل تجليات العبقرية الفنية  تحدق فى ، ثم تشق صدرى برهافة عجيبة ، وسرعان ما تتسلل بداخلى . تفتح فى أعماقى دروبا  وسراديب .

      اغسلينى ياروما . انفضينى . شيلينى واهبدينى . خذينى بين أحضانك . أغمرينى فى منقوع جسدك .اسقينى من رحيق عرقك وأحلامك وفوح مشاعرك وعبق قصصك الفاتنة . علمينى كيف أكون عظيما مثلك

كان باقياً نحو ساعتين على موعد مع صديق إيطالي وعدني بأن يصحبني إلى الفاتيكان.. وجدت نفسي إلى جوار سينما.. دون تفكير دخلت، وبحثت عن طريقي فى الظلام الذى  لا تؤثر فيه المشاهد الملونة التى تضئ شاشة كبيرة.

عثرت على مقعدي بعد كفاح واعتذار فى الصف الأخير من الصالة.. جلست على أحد الكرسيين الشاغرين.. حاولت أن أميز المشهد الذى على الشاشة، فلم أتعرف عليه فى البداية.. ليس هناك نساء أو رجال أو مباني أو شجر.. هناك لقطة كلوز جداً على كرة ضخمة بها فتحة.. الكرة محمولة على عمود بمبي غامق و ضخم ، فى نهايته شعر أصفر وبني.. و. يا نهار أسود.. إنها صورة مقربة لعضو ذكري يحتل كل الشاشة .

دق قلبي بعنف وشعرت بالحرج الشديد والصدمة.. نكست  رأسي لحظات، ثم تلفت حولي.. البعض يتابع باهتمام، والبعض يتلاثم، والبعض فتح بناطيله وتعالى  فحيح أصوات غريبة ضائعة فى أنفاس لاهثة. فكرت فى مغادرة السينما فمن المؤكد أن الشرطة سوف تكبس وتجمع كل هؤلاء من مشجعى ومروجى الفساد . أجلت التحرك حتى أفهم  مالذى يجرى  ؟

عدت إلى الشاشة . كانت  قد صعدت  إلى ثدي أبيض وردي فى حجم بطيخة صغيرة . احتل الثدي الشاشة لحظات، وهو يفيض على المشاهدين من فضله المثير.. أكاد ألمسه وأحسه وأشم عطره وأتذوق لحمه الناعم الطري المهيج..أشاع الثدى النور  فى الصالة .. مضى الجميع يحدقون فيه  ويتمتمون.. هل يعبدونه  أم يدعون له  أم تراهم يطلبون الرحمة ؟؟  كان له حضور طاغ .. اجتمع الثديان على الشاشة  وتوجها نحونا كجبلين من البهاء والسحر الغريزى المثير . حدق الجميع فى المشهد المستفز وتخليت عن فكرة المغادرة . طردت فكرة الفارق بين أوروبا وبين بلاد العرب التى أشار إليها روجيه صانع العلامات الفرنسى .

 فوجئت بيد متعجلة تفتح سوستة بنطلوني، وتقبض على ما فيه. أوسعته ضغطاً وجذبا كأنها تمسك بضرع جاموسة، وهجمت بشفتيها على شفتي وأنا مشغول بالتفكير فى الكرسي الذى كان فارغاً، متى شغلته هذه الفتاة ؟. لم تمنحني أية فرصة لا لمتابعة الفيلم ولا لتبين شكلها ولم تستأذني.. بل جذبت يدي ودفستها فى صدرها حيث كان ثدياها الصغيران فى انتظارى . تركت يدى لهما  وانشلغت بمنتهى الإخلاص فى عجنى  واستنهاض الغرائز الخجولة أو النائمة . لا أذكر أنى أمسكت ثدييها ، ولكنهما قبضا على يدى لا أدرى كيف .. هذا لابد هو الفارق بين  أوروبا وبلادنا العربية .. كلما تكاسلت دفعتني بشدة.. تولت هى كل شئ فى الناحيتين .. تمادت وتصاعدت حتى كتمت أنفاسي، الغريب أن أحدا لم يعترض.

ظلت تهرس فىّ وتلتهم شفتي بعنف نحو عشر دقائق ويزيد،وأنا مجرور جرا لما تريده وأصبحت ولو مرغما راضيا عما يجرى لولا اعتراضى على هذا العلن وحاجتى للاستعداد والتأهب نفسيا وجسديا . يبدو أن هذا أيضا أحد الفوارق بين  الحضارتين .

 أخيرا .. هدأت وتنهدت واستقرت على كرسيها واسترخت أعصابي. همست فى أذني بكلمات لم أفهمها، وقبلتني عدة قبلات ثم جلست هادئة تتابع الفيلم باهتمام،.

    لم يكن الفيلم مجرد أداء جنسي، لكنه كان يحكي حكاية عن رجل فى قرية حصلت ابنته على شهادة من المدرسة المحلية وتود دخول الجامعة ، فذهبت لتعيش مع أختها المتزوجة فى المدينة وحازت اهتمام زوج أختها الذى بدأ يبتكر الوسائل التى تمكنه من نيل الفتاة إلى أن تحقق المراد.. اعتاد عليها واعتادت عليه حتى اكتشفت الأخت ذلك فأصرت على عودة الصغيرة إلى البلد . اضطر  الزوج للذهاب  إليها ثم أجر لها غرفة فى المدينة حتى تكمل دراستها ويتمتعا معاً بالجنس الذى  كانت حقوله نضرة لدي الصغيرة، وكانت بالفعل ذات تكوين  جسدى مرعب، ومن حق من يعرفها ألا يتركها لحظة ..إنها الثروة والجنون معا .

قبل أن ينتهي الفيلم.. عادت جارتي تعبث فى صدري وبنطلوني وتقبلني، ولما أدركت أنها تتأهب لهجوم جديد، أفلت منها بصعوبة، قائلاً:

ـ دقائق.. سأذهب إلى التواليت.

  أسرعت بالفرار خارج السينما ووقفت أرتب ملابسي المبعثرة وسرعان ما عثر علىّ صديقي الإيطالى الذى سيقودني إلى الفاتيكان.. طلبت أن يؤجل الزيارة ليوم آخر، وعندما سألني عن السبب حكيت له عما جري، وبأني غير طاهر.

فضحك طويلاً، وهو يقول:

ـ هذه أنسب حالة.

 

 

 

  كنت مشوقاً لرؤية ذلك الصرح الكاثوليكي الكبير.. حرصت على ألاَّ أضيّع الفرصة، وكنت أشعر ببعض الأسف لأني فى حالة سيئة ليس جسدياً فقط ولكن نفسياً أيضاَ، فقد عجنتني وهرستني تلك الفتاة الغريبة.. والأغرب أني بعد خطوات لمت نفسي لأني تركتها، فكان يجب أن أصحبها إلى الفندق وأغيب تماماً عن موعد الصديق. وكم من فرص ضيعتها وأنا ممزق بين التربية والرغبة.. بين الروح والجسد. بين الواقع والمثال. فهل تراه الزواج هو الحل الوحيد، لأنه الزواج بينهما؟.

 الرجل ليس الروح دائما وليس الجسد، والمرأة كذلك.. إذن فالزواج ليس زواج المرأة بالرجل، ولكن زواج الواقع والمثال، أو الأخلاق والشهوة أيا كان موضعهما.

      استدرجنى مايكل انجلو الجبار إلى كنيسة سستين . أوسعنى فنا وعشقا وتأملا. مررنى بين الأنبياء ، وأفضى إلى بسر خلق آدم وحواء . فى مكتبة الفاتيكان استحوذ على رفاييل ودافنشى  وفنانى فلورنسا الذين تألقوا فى القرن السادس عشر .

تجمدت عدة مرات وأنا أحاول فض الاشتباك بين الدين والفن ، لكنى فشلت ومن ثم نجحت فى إدراك أن التأمل الدينى   يذوب فى أعماق الفن وضمائر ومصائر الخالدين .. أنفاس الإبداع التشكيلى  تحمل أنغام الوجد الدينى نحو الملكوت.

    أنظر إلى قمة كنيسة القديس بطرس من الخارج  ومن الداخل فأحار. لمن أتوجه بالعبادة  إلى الله أم إلى الفنان ؟ ! . لن يحدث خلط على أية حال ، فسوف يعلو إعجابى بالعبقرية الفنية لأنها الماثل والمتحقق إلى المبدع الأكبر الذى غمر الفنان بفيضه ثم رفعه إلى سماوات الخلود.

    عندما  تأملت تمثال العذراء المرمرى وهى تحمل على ساقيها ولدها الكبير المصلوب لمايكل انجلو ، و تمثال موسى لذات الفنان  الملهم وأعمالا كثيرة لغيرهم  اكتشفت فى لحظة  علاقة الفن بتطور الوعى لدى الشعوب . والدليل من بلادنا حيث كان الشعب المصرى القديم متحضرا فى السلوك والوعى بالمقدار ذاته الذى تفوقت فنونه . أسرعت المسلة المصرية تؤكد كلامى ، وهاهى تقف بثبات  وثقة لا تخطئها العين ، بارزة الحضور رغم نحولها  الذى يعلن عن تجردها المادى وتألقها الروحى والثقافى .

       أمر بميدان نافونا البديع ، حيث معارض اللوحات ، والنافورة التى تخلد “برنينى” صاحب اليد السحرية ، تزينها تماثيل البشر وأسود يتعاونون فى ملء ساحتها بالماء . .         أصعد درجات السلالم المؤدية إلى كنيسة ” ترينتا ” الواقعة فوق أحد جبال روما التى اكتست جميعها  بالعمارة والجمال . الدرجات العريضة التى تتجاوز مائة درجة ، حافلة من الجوانب  بالورد الأحمر والأبيض  والنباتات ، وكذلك معارض اللوحات ، وبين كل هذا الجمال يمر العابرون إلى الكنيسة ، وقد يكتفون بما رأوا .. أرى المصريين الآن بالملايين  يهجمون على القاهرة المهيضة يخرجون جميعا وفى وقت واحد كميات هائلة من النفايات والغضب والكوابيس والغوغائية والألسنة الملوثة والصراخ ، ويلقونها على وجه المدينة المعذبة .

 

      عدت إلى الفندق مجهدا من طول المسير وإمعان النظر فى كل أثر أو جدار من جدران الفاتيكان، حتى دهمني الصداع.. قررت أن أتناول طعامى  أولا ثم أنام. تذكرت بأسى  ما قاله صديقى الصحفى الإيطالى الذى يعمل فى الكورييرا دى سيرا  عن موت بوتزاتى ..لما علمت أنه يعمل بالصحيفة التى يعمل بها أديب إيطاليا الكبير ، قلت فرصة يساعدنى فى تحديد موعد ولقائه ، فاجأنى  لوتشيانو بأن بوتزاتى مات منذ سنتين وبالطبع أثناء وجودى فى ليبيا ،لم أكن فى ظروف تسمح بالمتابعة  .عرفت بموهبة بوتزاتى من صحراء التتار ثم من قصصه القصيرة الفاتنة .

  فى ردهة الفندق فوجئت بكل النزلاء بعضهم فوق بعض فى كومة واحدة، أو هى على وجه الدقة دائرة بشرية ولكنها بدورين. تذكرت الحاوي فى بلدنا حين كان ببراعة ولباقة يعد قبل أن يمارس ألعابه سورا جماهيرياً كثيفاً على شكل دائرة، ثم يبدأ العمل محاولا أن يشرك الناس فيما يفعل، وهو فى كل حركاته يمسك بهم ولا يتركهم لأنفسهم لحظة  وإلا انفضوا من حوله.. وخلال ذلك كله يحصل على انبهارهم وتصفيقهم.. وأموالهم.

  لم أستطع أن أري شيئا مما يجذبهم لأنهم كانوا جميعاً طوال القامة، على الأقل الذين احتلوا الصفوف الخلفية.. دفست رأسي فيما بينهم. فلم أر شيئا من كثافة الزحام. اعتذرت للبعض وواصلت زحفي إلى أن طالعنى وجه السادات.. عاجلني السؤال، وما الداعي أن يجمع حوله كل هؤلاء الناس. هل هو الحاوي؟.. كان السادات يلبس حلة بيضاء مرصعة بكل نياشين وأوسمة العظماء.. والقمر الصناعي ينقل كل ما يجري إلى العالم أجمع.

  حينما تبتعد الكاميراً عن وجهه، يستطيع المرء أن يميزه بوجهه المعتم الذى يشغل المسافة بين غطاء رأس ضباط البحرية والحلة البيضاء وتحتها الحذاء الأبيض.. إلى جواره بدا ضيفه الوحيد الطفل الإيراني ولد الشاه.

    تذكرت أن اليوم هو الخامس من يونيو 1975.. استقل السادات وضيفه الصغير لنشا بحرياً بمناسبة إعادة افتتاح القناة ومن حوله عشرات الزوارق والسفن الصغيرة واللنشات تحمل الجماهير.. تتزين بالأعلام والورود ولافتات تهتف بعبارات التهنئة والترحيب.

  كان الجميع يزغردون فى ليلة زفاف القناة، كانت تتألق بصباها المديد ومجدها العائد. مهرجان كبير يستحق أن يتفرج عليه كل إنسان إلا أنني لم أجد فيه ما يبهر، فالطعام الآن والراحة أجدي.

    عدت إلى الفندق.. تمددت على السرير فى انتظار النوم الذي يتعين عليه أن يداهمني بلا رحمة.

  منذ أن وصلت إلى روما لم يقع بصري على امرأة عادية،أو غير ملفتة للنظر. كلهن جميلات وأكثرهن باهرات الجمال، قطع من النور والحيوية والتألق.. شموس صغيرة تتسكع فى الطرقات وتتنقل بين الأركان وتقف على محطات الترام.

  كل الشوارع تحتشد بهذه المخلوقات التى ليست غير بطاقات دعوة للحب والفتنة بل إنها دعوة للتفكير من جديد فى الاعتقاد الديني السائد أن الإنسان مخلوق من طين، وهل هو طين واحد خلق منه كل البشر.

  لم أعد أستطيع السير بشكل منتظم نحو هدفى.. تحولت إلى إنسان آلي لا يهمه سوي الجمال ويحرص على أن يطل فى كل وجوه النساء.. تجذبني الجميلة إلى هذا الطريق فأمضي وسرعان ما تأخذني الأجمل إلى طريق آخر.

  سألت نفسي عن سر تبلد الرجال الإيطاليين.. كيف يستطيعون التماسك بهذا الشكل الزائد عن الحد إزاء البهاء الذى يميز بنات روما؟، كيف لا يصابون بالجنون أو حتى بالفشل والتدهور؟.

   كان أجدادهم من الحرارة والصدق مع النفس بحيث أفضي الأمر فى عهدهم إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية، ولعل نيرون نفسه أقدم على حرق روما لهذا السبب.. الحق أن الرجال لم يكونوا كلهم متبلدين لأن الشوارع كانت مطرزة بالفتية والفتيات يتلاثمون فى الأركان وعلى الحوائط وفى كل وسائل المواصلات وفى المقاهي والحدائق والميادين.. وفى المتاحف،ومثل ذلك فى البحر حيث الزوارق وتحت الجسور.. ومؤكد أن مثله يجري أيضاً فى الجو.

  راجعت نفسي فيما أراه.. ألست مبالغا فى نظرتي؟.. أليس قدومي من ليبيا مباشرة إلى روما بعد فترة عمل صعبة فى صحاريها تجاوزت عاماً ونصف عام هو السبب فى انبهاري؟

    أليس انتقالي من صحراء لا زرع فيها ولا نساء وحياة لا تعرف إلا الرمال إلى عالم مزدهر بالجمال والحب مفعم بالربيع مبررا قوياً لدهشتي؟

   لقد رأيت عددا قليلاً من نساء بلاد البترول، لكنهن جئن فى الأغلب من بعض الدول العربية والآسيوية مع أزواجهن أو بدونهم طلبا للمال اللعنة.. وهل تسافر الجميلات سعياً وراء المال ؟!.

جئت إلى هنا لقضاء ثلاثة أيام ولابد أنها ستمتد لعشرة، يبدو أن الأوضاع سوف تنزع عني جديتي السقيمة، لابد أني مضطر للبحلقة فى كل شئ، وليس فقط فى لمسات الفنانين العظام التى تحتشد بها المتاحف والكنائس.. على أن أرحب بكل شئ فيه اكتشاف للحياة، التى عشت طويلاً أتحاشاها وأتجنب إغراءاتها مكتفياً بالكتب.

آمنت مبدئياً بأني لست ملكاً لنفسي تماماً.. أنني ملك للظروف بدرجة كبيرة

  لما صحوت من نومي لم أشأ أن أذهب إلى أي مكان غير المقهى الذى رأيته فى ميدان فينسيا.. يمكنني من خلال موقعه الفريد أن أراقب الجميع.

   الدنيا صيف.. المقهى مفتوح على الميدان.. الكراسي نصف شاغرة.. الشمس حريصة على أن تبعث بأرق أشعتها وهى توشك على الرحيل.. نسمات ناعمة تصافح الوجوه المبتهجة، والوجوه كلها ـ لا أدري لماذا ـ مبتهجة ومقبلة على الحياة.

 طالماً أنا فى المقهى لن أشبع من الفرجة، كل شئ جدير بأن أحدق فيه بعيوني الشرقية الظمآنة، وأفكر فيه بعقلي الشرقي المكمور.. أمامي مباشرة نصب الجندي المجهول، نصب فيكتور عمانويل الثاني.. مبني أبيض رحب. تكاد جدرانه المرمرية تضئ وحدها ولو لم يمسها نور الشمس.. مجموعات التماثيل التى تزين النصب وتتوزع على أربعة مستويات متدرجة تشكل عالماً مكللا بالعظمة والمجد.. التماثيل غاية فى الدقة.. أبدعها لا شك فنانوها بمزاج ومتعة وحب.. كل مجموعة على مستوى ما ترمز لسمة من سمات إيطاليا التاريخية والدينية والسياسية، ومهما اختلفت المذاهب وتعددت الفرق فإن الكيان الفني المتكامل يحتضن الجميع، وكما هو رمز لإيطاليا فى تشكيله الخارجي فإنه يمثل أعماق إيطاليا أيضاً فى محتواه، إذ يضم المبنى المكتبة والأرشيف والمتحف ومعهد التاريخ الإيطالي.

على اليسار مبان عتيقة تصطف على أسطحها تماثيل صغيرة، وعلى اليمين مبني وقور، منمق فى حدة.. أنه قصر فينسيا الذى كان مقرا للحكومة الفاشية حتى سنة 1943 ثم أصبح متحفاً.

الميدان النظيف المتألق بكل ما فيه صورة موحية بالفن والإحساس بالجمال، تحملك على أن تشعر بالخوف على كل هذا من أي إساءة، بل من أن تلمسه يدك.

بكل رهافة تمتد يدك وبكل رقة تنظر عيناك، وبكل الحب تفكر فيها وفيما سواها، وتنحني، وتتضاءل، وتنسحب إلى داخلك حتى تلامس بطنك ظهرك.

تسلل إلىّ شعور بأني فى حالة حب وأن سعادة غامضة فى الطريق إلىَّ.. ألحت علىّ رغبة متحمسة أن أطلب زجاجة بيرة.. يجب أن أتمرد قليلاً، وأفسد بعض الوقت، أنا هنا وحدي، وقد جئت خصيصاً لكي أعرف وأتذوق، لم أمتلك الشجاعة يوماً لأجرب فى بلدي إلا قليلا.

هل ستدور رأٍسي؟ وماذا لو تدور ؟.. فلنجرب.. ليتني ألاحظها وهى تدور، ربما يختل توازني إذا حاولت الوقوف وقد أقع.. لماذا أتوقع أن يحدث كل هذا ؟.. الناس يشربون أمامي أكثر من زجاجة ثم ينهضون كالخيول.. ولم أر أحدا ذهب عقله أو اختل توازنه.

أشرت للمتردوتيل ولما جاء طلبت منه زجاجة بيبسى كولا، كان المقهى يزدحم بسرعة.. على بعد منضدتين جلس رجل عريض الصدر، أصلع وكبير الرأس، على عينيه نظارة طبية بيضاء، ويبدو أن إحدى عينيه من الزجاج.

كان ينظر نحوى. أطلت النظر إليه. انشغل بوضع سيجارة فى مبسم.. أشعلها وعاد ينظر إلى.

لم أشعر بارتياح لرؤية وجهه المستدير الأحمر، ونظراته المريبة المصوبة نحوى، داهمني شعور بالقلق حين تذكرت فجأة تعرض بعض العرب للاعتداء على يد اليهود المتطرفين فى أوربا وخاصة فى أعقاب حرب 1973.

شغلت نفسي بمص البيبسى من العلبة، إلى أن أشرقت على المقهى فتاة وأي فتاة.. آية من الجمال.. سحر.. فتنة.. غواية، لو حكمت شعباً لعبدها بأكثر مما تعبد الشعوب المتخلفة حكامها. سبحان الخلاق الذى أبدع الجمال من الرأس إلى القدم.

شعر يتدلى على جانبي وجهها أسلاكاً من الذهب، وجه مرمري يتفجر منه الدم.. ملامح دقيقة ومنسجمة، عينان خضراوان واسعتان.. ترتدي بلوزة بيضاء فضفاضة، تتجمع عند الخصر الرهيف، على جانبي الصدر وردة حمراء يحملها غصن أخضر يمتد إلى نهاية البلوزة وتنتشر حول الوردة أوراق نضرة. 

تلفتت فى المقهى الكبير تبحث عن مقعد، استدارت نحوى وتقدمت بخطوات رشيقة وجسد أبدعه الله بصبر، كانت إلى جواري منضدة خالية، جلست بالطريقة التى تجلس بها الملكات على العرش، وأين هى الملكة التى تفوقها حسناً وشباباً، يكفي أنها تبعث الأمل فى قلب كل من يرنو إليها وتدفعه للحياة.

تساءلت عن السر فى أن أحدا لم يكن ينظر إليها غيري، لم يكن معها. غير علبة سوداء صغيرة وسلسلة مفاتيح.. تطلعت إلى الرعية فى بهاء، ثم فتحت العلبة الرقيقة السوداء. أخرجت منها سيجارة. تمهلت قليلاً، وعادت ترنو إلى الرعية، كنت أقرب الجميع إليها.. أنظر إليها مشدوها.. قررت ـ مادامت قد جلست بالقرب منى ـ أن أخصص الليلة للتفرج عليها.. الليلة ستكون لها ولن أنظر إلى غيرها.. سأظل أحدق فيها، أزن كل حركة وأحلل كل نظرة وكل كلمة وكل إشارة.

نهضت فجأة وأنا معلق بها وأصبحت فوق رأسي، تقول بالإيطالية، والسيجارة فى فمها: ولعة.

ـ هه.

ـ ولعة.

  نسيتها لحظة وأخذت ألعن كل من حذرني من التدخين، ماذا لو دخنت عمري كله لكي أسعد بلحظة كهذه، أظل نحو خمس ثواني أنظر إليها عن قرب بينما أشعل لها السيجارة.. التدخين سلوك جذاب ويعرف بالأصدقاء.

اعتذرت لها فمضت عنى إلى الرجل الأصلع، انحنت عليه فأشعل لها سيجارتها.. قدم فى غيابها شابان وفتاة، جلسوا فى منضدتها، ولما عادت ترددت لحظة وقد رأت المنضدة مشغولة، ثم طلبت منى أن أسمح لها بالجلوس فأسرعت بالسماح، وقد أدركت أخيرا أنني برغم كل ظروفي من المسعدين.

اكتشفت أن التدخين فعلاً أسوأ شئ فى الدنيا، فلو كنت أدخن لأشعلت سيجارتها وظلت عنى بعيدة، أما الآن فليس بيني وبينها غير سنتيمترات.

تطلعت إلى اللوحة المتكاملة الروعة.. هى أمامي، وخلفها نصب عمانويل الأبيض وعن يمينها الطريق الفضي إلى الكلوزيوم الذى تبدو من بعد بعض جدرانه المتآكلة.

تحولت إلى وقالت:

ـ أنت لست إيطالياً

فرحت بالمفتاح الذى التقطته لتبدأ حديثاً معي، ولم أخجل لخيبتي، قلت لها:

ـ كشفتني لغتي المحطمة.

ـ ليست سيئة جداً.

  شردت، فخشيت أن يكون الحوار قد انتهي.. قلت:

ـ ولكنها سيئة.

  قالت ببساطة وهى ترنو فى اتجاه الرجل ذي العين الزجاجية:

ـ شهور قليلة تمكنك من نطقها بطلاقة.

ـ لاحظت ذلك فعلاً خلال الأيام القليلة الماضية.

  سحبت نفساً من سيجارتها وقالت قبل أن تنفثه:

ـ متى وصلت ؟

ـ منذ أربعة أيام.

ـ هل ستبقي طويلا ؟

ـ عدة أيام أخرى.

مالت نحوي وقد انتشر على وجهها مشروع ابتسامة صافية، ثم قالت ببطء:

ـ هل استمتعت بوقتك؟

من كل قلبي قلت: جداً

ـ كيف؟

ـ لقد زرت أماكن هائلة الجمال، وكان يكفي أن أمر فقط بالميادين.. سواء أسبانيا أو ناقونا.. منيرفا أو كلونا.. رأيت فيللا بورجيزي ونافورة تريفي.. والفاتيكان معجزة بكل معني الكلمة.. و..

ـ كان الرئيس الأمريكي “فورد” هناك بالأمس.

ـ لذلك أجلت زيارتي إلى اليوم.

ضحكت بصوت مسموع، وتفجر جمالها مع ضحكاتها، لكنني كنت مستفزا ويبدو أنها أدركت ذلك فقالت:

ـ صحة البابا لا تساعده أن يستقبل رئيسين فى يوم واحد.

 فهمت وضحكت بلا حماس، لكنني كنت فى الحقيقة فرحاً لأنها تضحك.

ـ هل قابلت “البابا” اليوم ؟

ـ وهل هذا ممكن؟

ـ نعم ولكن طبعاً بموعد

ـ إذا حدث أن قابلته فماذا أقول له؟

انفجرت بالضحك، وتبعثرت جلستها حتى كادت تنقلب على ظهرها.. التفت نحونا بعض الرواد. لمحت الرجل الأصلع يصب نظراته علينا.. نظراته ثابتة وملامحه جامدة.. بدا كتمثال شخص يستعد للانتقام.

أحسست أن هذه الحسناء تجد سعادتها ولذتها فيما أقول، ويبدو أنني أخرف.. تساءلت وأنا أنظر إلى علبة البيبسى، أيكون ما بها خمر شربته دون تمييز.. فلماذا تضحك إذن؟

حسن أن أكون سبباً فيماً نالته من ترويح، ولكن ماذا قلت؟ رنت إلى بطرف عين. اكتشفت ما بداخلي، أو كشفتني ملامحي، كان شعوري مزيجاً من الغضب والخجل والحيرة. لم أحسم أمري.سكنت فجأة واعتدلت فى جلستها، وكأنها ضبطت متلبسة بالخروج عن الأدب، أطفأت نصف السيجارة.رفعت عيني إليها.نظرت إلى باحترام وود.

سألتها: ماذا تشربين؟

ـ يكفي كوب من البيرة.

حدثت نفسي.. لابد الآن من شرب البيرة، ناديت المتر وطلبت زجاجتين.. سألتني:

ـ من أي بلد؟

عادت صورة الأصلع ذي الوجه المستدير تهاجمني، وقد بدا وراءه بكل غلظة مبني الحكومة الفاشية.. تذكرت من جديد حوادث اعتداء اليهود على بعض الشخصيات العربية.. الحرب.. السادات ومعه الطفل الإيراني والإيطاليين الذى يتفرجون على صورة السادات فى التليفزيون وعند باعة الصحف.. ويتأملون لفترة طويلة وجهه على أغلفة المجلات.. يضحك وأسنانه بارزة، ما الذى يحاولون اكتشافه؟

 أعادت سؤالها: من أي بلد؟

ـ من إيران.

ـ هل يمكن لأي شخص أن يسافر إلى إيران؟

خشيت أن تحملني الكذبة إلى مناطق مجهولة، فقلت:

ـ ولماذا إيران بالذات؟

ـ أريد أن أترك أوربا وأعيش فى بلد شرقي.

ـ نحن نترك بلادنا لنأتى إليكم، وأنتم تريدون الرحيل عنها، والعيش فى بلادنا.

ـ مهما طالت إقامة بعضكم فى أوروبا فإنكم عائدون، والعودة دائما إلى الشرق أمنية حتى لأبنائه.

ـ الشرق فى معظمه تخلف.

ـ من قال هذا ؟

ـ أنا.

ـ وأنا أقول لك لا. لا تحكمي على شئ لم تعرفيه.

ـ بل عرفته.

جاء المتر ووضع الزجاجتين وكأسين، ملأتهما وتجرعت كأسي ثم ملأتها من جديد وسألتها:

ـ هل ذهبت إلى بلد شرقي؟

ـ ذهبت إلى إسرائيل.

  تريثت لحظة وكأني أسمع عن دولة لا وجود لها، لم يكن اسم هذه الدولة قد ورد بخاطري على الرغم من أنها كفكرة ملعونة لا تبرح رأسي.. أدركت أن بابا جديدا فى الحديث قد فتحناه على مصراعيه وعلى أن أستعد.. لن أقرب هذه البيرة.. سألتها:

ـ ولماذا إسرائيل بالذات؟

ـ فيها أهلي وأقاربي.

ـ هل أنت يهودية؟

ـ نعم..

 طارت مني نظرة إلى الرجل الأصلع، فوجدته كما عهدته.. تمثال لا ينظر إلا إلي. وكأنه جهاز مثبت نحوي، نظراته تدور حولي، ثم تلتف وتمضي داخلي بنعومة كالخدر.

 زاد قلقي بنسبة وتوجست، اللعبة بلا أسرار، أوراقها غير مقلوبة، وكلها فوق المنضدة.. استردتني إليها قائلة:

ـ لم يكن هناك فارق كبير بين إسرائيل وأوروبا، على العكس كانت المشاكل أكثر وعلامات الاستفهام بلا نهاية والجميع غرباء.. لم تدم إقامتي أكثر من خمسة أشهر.

ـ هل تكفيك شهور خمسة كي تكتشفي مالا يسرك؟

ـ أنا اكتشف بسرعة.

ـ ألست هنا مع أسرة؟

ـ لا..

ـ والعمل.

ـ فى شركة كوك للسياحة.

ـ ولماذا لا تكونين أسرة ؟.

ـ أجريت تجربة غير موفقة.

ـ هل كنت تبحثين عن الحب؟

ـ الحب ليس مهما.. المهم توافق عناصر أخرى.

ألقت فى فمها نصف كوب البيرة وملأتها لها.. أشعلت سيجارة وارتاحت فى جلستها أكثر.. بدت كأنها تتأمل العالم وتزنه، بينما تدخن بعمق ولذة، نظراتها شاردة.. احترمت حضورها المسافر.. انتهزت الفرصة كي أتأملها.. لم تكن لدي الفرصة وأنا أحدثها، كنت مشغولاً باللغة.. بالبحث عن الكلمات وتجميعها فى جمل.

 كان شعرها يتمدد على كتفيها وصدرها، كأنه يقوم على حراسة الوجه الجميل.. فى وسط الوجه تتألق العينان والأنف المدبب فى شموخ كالمسلة المصرية فى قلب الفاتيكان.. الفم صغير وشامة إلى اليمين قليلاً تحت الشفة السفلي.. فى دفعة واحدة ألقيت بجوفي بقايا كوب البيرة الذى انتظرني طويلاً.

دنت مني قليلاً ونظرت إلى، فهمت أنها تدعوني أن أقترب ففعلت.. فتحت أذني وعيني، قالت:

ـ هل تحب أن تقضي وقتاً ممتعا؟

سألتها فى شبه ترحيب:

ـ كيف وأين؟

ـ فى الفندق الذى تقيم فيه.

ـ إنهم هناك يتفرجون على “السادات”

ـ هذا مناسب.

ـ لا أفهم.

حدقت فى وجهي بحدة وكأنها تلومني، تمهلت قليلاً ثم قالت:

ـ ألا تود أن تمارس الحب ؟

الحب.. أي الجنس.. غير معقول.. هل هذه الفتاة النادرة.. يمكن أن.. مستحيل.. هذا الوجه المضئ الذى خلق للعرض.. فقط.. هذه التحفة التى يكفى النظر إليها كي تتحقق سعادة البشر المستحيلة تعرض على أن..

أدركت فجأة أن أيامي الماضية كانت مثقلة بالبلاهة والعفن والدخان، وأن هذه البلاد تريدني وتراودني. ترحب بي وتتشبث حتى لو لم تفهم ثرثرتي الفارغة، أما أنا فأفهم ولو بالجهد كلامها النادر. تجذبني هذه البلاد إليها.. تفتح لي بابا فبابا.

ـ لم أفهم بالضبط ما تقصدين.

ابتسمت ونظرت إلى فى حنان.. فضحت ابتسامتها ونظرتها ما فيها من الرثاء لحالي قالت: هل تعرف الفرنسية؟

ـ قليلاً.

ـ هل يمكنك أن تفهم بها؟

ـ ممكن.

ـ وهل تعرفينها؟

 قالت بالفرنسية: هل تود أن تمارس الحب معي؟

فهمت بوضوح ما تقصد.. يا ناس غير معقول ما تدعوني إليه.. قلت لها.

ـ لم أفهم تماماً.

ـ هل تعرف الألمانية ؟.

دهشت لهذه الثقافة اللغوية ولم أخف فرحي لأنها تحاول معي كي أفهم.. قلت:

ـ إلا الألمانية.

ـ الروسية إذن.

ـ وهل تعرفينها ؟.

ـ ما يفي الغرض.

عادت تبحث عن إجابة، وقد بدا أن المسألة ليست عبثاً كما أتصور.

ـ أنا فى الروسية بالضبط كالألمانية.

ـ لم يبق غير الأسبانية والإنجليزية.

ـ لا زالت هناك لغات كثيرة.

ضحكت على مضض وهددتني بعينيها، فخشيت المرأة العالمية.

ـ لم تجبني.

ـ لتكن الإنجليزية.

ـ إذا لم تكن تعرفها سأنهض.

ـ أعرفها.. أعرفها.

  غرقت فى الضحك من جديد بينما هى جادة ومتربصة بي، لن تتركني إذا لم أفهم، ولكنها ستنقض على وتخنقني، وأنا “مزقطط” وفرحان باللعبة الغريبة، والدهشة فى الحقيقة هى أصل كل ما أنا فيه.. عالم غريب.. كل هذا الجمال يطلب إلى أن أوقع عليه بإمضائي والفضل لكوبين من البيرة.

قالت ما قالته سابقاً، ثم سألتني:

ـ هل فهمت؟

أنقذتها من الضيق وأنقذت نفسي من فراقها.

ـ نعم فهمت.

ـ يمكنك أن تدفع ثلاثين ألف ليرة.

ـ أنا !

ـ لا .. أنا.

ـ المفروض

 ـ سأنهض.

ـ لقد كنت تضحكين منذ قليل وأنا.

ـ وأنت الآن تضحك.

   تحسب أني أستهين بها.. أنا فقط غير مصدق، كلما مضت فى تفاصيل الصفقة، كلما أسرفت فى عدم التصديق، وهذا سر ما يعتريني.. لم أستطع أن أقول لها ذلك.

ـ هل توافق على الثلاثين؟

ـ فى الليلة !

ـ كثير ؟

ـ حتى الصباح ؟

ضحكت هى هذه المرة، وبدا عليها أنها أخيرا تأكدت أنني أعبث، ولم تجد ما يبرر ألا تعبث هى الأخرى.. سألتني بعين متحدية:

ـ وهل تقدر ؟

ـ لا..

ضحكت وعدت أضحك أنا أيضاً. لأني تصورتها راضية بالحوار، فعلي افتراض أنها لم تعثر على زبون الليلة، فقد استمتعت بالحوار مع أبله لا يقدر قيمة النعمة التى هو فيها.. أخذت كأساً وأخذت.

كنت أود أن أسألها.. لماذا اختارتني أنا بالذات لهذه المهمة ؟.. ما الذي يرتسم على مظهري حتى دفعها لأن تعرض على أنا دون رواد المقهى المزدحم أن أمارس معها الحب ؟ وأنا أعرف أن منظري لا يغري أبدا بذلك، هل هى مجرد مصادفة ؟.. أو بحكم وجودي معها على منضدة واحدة.. من الذى اختار الآخر؟.

أنا الذى يتعين عليه أن يجيب، لقد اختارتني اليهودية.. ها هو الرجل الأصلع، وها هى ليلة حمراء يشعلها الدم.

قررت ألا أعود إلى البيرة. ما الذى يحاك ضدي ؟.. علم ذلك عند ربي.. لكنني أريد هذه اليهودية ما دامت لا تمانع.. فهل أريدها لأنها جميلة أم لأنها يهودية؟.. ما كل هذه الأسئلة؟ إنك لم ترد شيئا وإنما هى التى أرادت ورسمت، وأنت لا تملك إلا الموافقة.. لا.. أنا أوافق لأني أريد.

أريد هذه اليهودية بالفعل.. لابد أن أريدها، وليس عندي الآن رغبة إلا فى هذه اليهودية بالذات.

ـ هل تجيئين كل يوم إلى هذا المقهى؟

ـ غالباً.

  استدركت: فهمت قصدك.. ربما لا تصدق إذا عرفت سبب قدومي.

ـ قولي سأصدق.

ـ أريد أن أتزوج.

ـ وهل تبحثين فى المقهى عن زوج؟

ـ التفاهم فى ممارسة الحب هو أهم سبب لنجاح الحياة الزوجية.

ـ هذا إذن التفاهم الذى كنت تقصدين.

ـ نعم.. لابد أن اختار زوجي بعد أن نتفاهم، ولا تشغل بالك بغير ذلك من عوامل، كالعلم والمال والأهمية الاجتماعية.

ـ رائع.. ولم تعثري بعد على من يصلح زوجاً.

ـ لا..

ـ وإذا حدث أن وجدتني صالحاً.

ـ هذا لم يتحدد بعد.

ـ افرضي.

ـ أتزوجك.. هل تمانع؟

ـ أنا مسلم.

ـ لا يعنيني.

ـ وأنت يهودية.

ـ لا يعنيني.

 لا يزال يرقبنى بثبات غريب.. قلت لها:

ـ سيكون هناك دوماً من يعجبك، ولكنه يرفض الزواج.

ـ لست فى عجلة.. سوف ألتقي يوماً بمن يوافق، وحتى لو لم أجد، المهم أن هذه هى الطريقة المناسبة.

 مؤكد أن هذا الرجل الأحمر ذا العين الزجاجية له علاقة بهذه اليهودية.. هذه اليهودية تلح بشكل مخيف ومرعب، وهي أيضاً جميلة بشكل باهر، والندم سيلاحقني العمر كله لو انسحبت من التجربة.. الصهاينة لا تنتهي حيلهم.

كيف أقبل أن أسعي بقدمي إلى الشرك المعد، تلفت حولي كأني أبحث فى الأفق عن دليل.. لقد انطفأ النهار، واشتعلت الأضواء بالفرح، وعمانويل الثاني يركب حصانه، وإيطاليا كلها حوله فى الموكب الأبيض، وأعلى النصب تتحفز أربعة جياد على اليمين، لجر عربة الوحدة وأربعة جياد لجر عربة الحرية على اليسار، وعلى كل عربة قائد ذو أجنحة.. من تراه يسبق.. الوحدة أم الحرية.. أم هما معاً.. نحن فى مصر لم ننل أيا منهما مؤكد هناك سر فى المسألة كان عبد الناصر هو الآخر يمضي وسلاسة نحو الشك.

السماء لا تزال هناك.. معتمة وخالية من أي نجم، تحلق فيها سحب تأخذ أشكالا فنية رائعة وتلقائية، تتحرك فى نعومة وتعيد التشكيل بسحر خاص لا يسمح بالانصراف عنها.. بدت السماء كما لو كانت سقفاً لكنيسة، وقد استعرض الفنانون عليها أجمل إبداعاتهم.. قالت:

ـ هيا بنا نذهب.

ـ إلى أين ؟

ـ إلى الفندق الذى تقيم فيه.

تمهلت لحظة وسألتها:

ـ ألست تقيمين وحدك؟

قالت وعلى شفتيها بسمة مشجعة:

ـ الأفضل فى هذه المسائل أن يكون المكان لك.

دغدغتني صراحتها فاندفعت قائلا:

ـ هل تلعب الأرض معي؟.

ـ نعم..

ـ لا داعي للفندق.. لن أكون مرتاحاً.

 عدت إلى الأصلع القمئ أو عاد إلى.. لابد أن أبتعد عن هذا الرجل وخروجي الآن سيحدد موقفه.. أنقذتني من أفكاري.

ـ هيا بنا.

نهضنا واقتادتني إلى سيارة صغيرة جداً ومستديرة، قبل أن أنثني وأدخل تطلعت ورائي.. كان الأصلع الضخم واقفاً يصوب نظراته علينا.. ما أضعفني.. بل ما أضيعني!

 دخلت السيارة كأني يد تختبئ فى قفاز، إنها يهودية ولابد أن أمضي فى الشوط إلى نهايته، حتى لو لم تكن على هذه الدرجة من الجمال والعذوبة.

نظرت إليها فابتسمت.. كانت ملامحها توحي بأنها عادت بصيد ثمين.. بي رغبة خفية ومجنونة أن أعرف هذه اليهودية، ربما فضولي الذى يسحبني كالثور إلى ميدان المصارعة.. لقد نزل الزورق إلى الماء الهائج والأمر متروك للموج.

 لم تمنعني خواطري التعسة من المضي فى طريقي متعلقاً بالعربة المندفعة دون أن أعبأ بالاتجاه المجهول.. الأمر يبدو كما لو كان مرتباً من قبل جهات علياً.. علياً جداً.. تدفعنا وتراقبنا.

بأناقة وثقة أشعلت اليهودية سيجارة.. أخذت نفساً عميقاً ممتداً ومشتاقاً.. نفثت كمية كبيرة من الدخان.

بعد عدة شوارع توقفت أمام فيلا مظلمة.

ـ هل تسكنين هنا؟

ـ نعم.

ـ ولكنها فيلا عظيمة.

ـ وأنا أيضاً.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.