حسين سرمك حسن: الجواهري مركب النار .. النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح (5)

يقول الجواهري في قصيدة «الوتري» :
الشعرُ أصبح وهو لعبة لاعبٍ
  إن لم يسلْ ضَرَماً وجَمْراً لاهبا

وقد انصرف عن الشعر كلعبة لاعب ، إلى إسالة الضَرَم والجمر ، حتى بات الناس ، كلما تأزمت الأمور ، أو اضطربت الأحداث ، يتوقعون من الجواهري أن يهيئ لهم ما هو أشبه بتطهير مراسيمي ، وذلك بنظم قصيدة جديدة تؤجج الخواطر وتنفّس عنها ، في آن معاً ، لقد أصبح له مكان في الكيان الشعبي أشبه بمكان الشاعر العربي القديم من الكيان القبلي»(40) .
لكن انفعالية الجواهري وتوتره الدائم والحاد جعله (( لا ينتظر الظفر بالعدو ليستحثه الشعر، بل كان التأزم هو الذي يطلق لسانه سلاحاً يشهر في وجه العدو، ويضعف مقاومته تهيئة للانقضاض عليه.)) (41) فتجربة الجواهري هي(( تجربة المجابهة والمقارعة والقتل ، فكأن الموحي الوحيد هو الغضب الماحق، وإذا غُلب هذا الغضب على أمره استشاط شواظاً في وجه كل من يقف أمامه، وصاحبه لن يخشى شيئاً، لأنه، كما يقول في شعره، ليس لديه ما يخشى ضياعه :
بماذا يخوفني الأرذلون
   وممَ تخافُ صلال الفلا

أيسلبُ عنها نعيمُ الهجير
  ونفحُ الرمالِ وبذخُ العرا؟

بلى أنّ عندي خوفُ الشجاعِ
  وطيشُ الحليمِ وموتُ الردى

إذا شئتُ أنضجتُ نضجَ الشواء
  جلوداً تعصّتْ فما تُشتوي

وأبقيتُ من ميسمي في الجباه
  وشماً كوشم بنات الهوى..

                                              (المقصورة – 1948)
يقول الجواهري عن نفسه في حوار مع مجلة «المثقف العربي» :
(( أنا في حقيقتي أكره العنف ، وأشعر أحياناً أنّ عنفي في غير محلّه فأشجب نفسي ، ولكنني لم أستطع إلاّ أن أكون كذلك.. أنا مثل بطل (بلزاك) في رواية (الزوج الضائع) حسن التفكير سيئ التصرّف.. وحين قرأت الرواية قلت: هذا أنا…».(43)
والغضب والعنف كوجهين من وجوه العدوان حين يسبقان التفكّر والتبصّر.. أي حين ينفلتان ويحاول العقل اللحاق بهما كي يعقلهما فإنهما يؤشران بقوة سمة (الاندفاعية – impulsivity ) في الشخصيّة والتي تؤجّجها وتفاقمها الانفعالية العالية الممتدة.. وغضب الجواهري بسعة انفعاليته.. كاسحاً شاملاً لا يُبقي ولا يذر.. ويخطئ من يظنّ أن غضب الجواهري موجه إلى الطغاة المستبدّين والساسة المتخاذلين مستغلي الشعب فقط .. لقد شملت غضبته العارمة الدائمة حتى جماهير الشعب .. الأمثلون من السواد الذين عدّهم كفءً خاطباً لرجولته المتقحّمة .. وهناك العديد من قصائده التي تضم مثل هذا الموقف ، ولكن أشهرها قصيدتان هما «أطبق دجى-1941» و«تنويمة الجياع – 1951» وفيهما غضب طافح وهجمة مستعرة على من ارتضوا المهانة والإذلال قدراً لهم وبنبرة تجعلك تشعر ظاهراً وكأنّ الشاعر قد يئس ونفض يديه نهائياً من تراب أقدس قضاياه : قضايا السواد المستغل المحطّم . في (أطبق دجى) تكرر فعل (أطبق) أربع عشرةَ مرة :
أطبق دجى، أطبق ضبابُ
  أطبق جهاماً يا سحابُ

أطبق دمارُ على حماة دمارهم، أطبق تبابُ

أطبق جزاءُ على بناة قبورهم
  أطبق عقابُ

أطبق على متبلدين
  شكا خمولهم الذُّبابُ

لم يعرفوا لونَ السماء لفرط ما انحنت الرقاب

أمّا في قصيدة «تنويمة الجياع» التي كرّر فيها فعل الأمر (نامي) اثنين وستين مرّة فيقول :
 نامي جياعَ الشعب نامي
  حرستكِ آلهةُ الطعامِ

نامي على زُبدِ الوعود
  يُدافُ في عسلِ الكلامِ

نامي تزركِ عرائس الأحلا
  مِ في جُنحِ الظلامِ

تتنوّري قرص الرغيف
  كدورة البدرِ التمامِ

نامي إلى يوم النشور
  ويومَ يؤذنُ بالقيامِ

نامي على نِعمِ البعوض
  كأنّه سجعُ الحمامِ

ويبرّر (جبرا إبراهيم جبرا) هاتين القصيدتين بقوله :
(( استعلاء الجواهري هو دائماً على الحكام والطغاة دون سواد الشعب.. ولكنه لفرط ما يعشق الجماهير التي هي مؤل آماله بالثورة على العتاة المتجبرين يخاصمها في عدّة قصائد خصام المحبين ، فيأتيها حانقاً ليقذف بحممه هذه الجموع نفسها التي لا تثور عندما يريد لها الثورة ، وتظلُّ راضية بالذّل والمهانة . لن نجد شيئاً من ذلك في شعر المتنبي الذي لا يخاطب من الناس إلاّ أمراءهم وفي قرارة نفسه ازدراء بكل ما يمكن للحياة أن تقدّم له…»(44) . وهذا «التلطيف» الذي يقدّمه (جبرا) ونقاد آخرون صحيح تماماً. فقد ينفد صبر الطبيب(( مع إنسان مغمى عليه فيقوم بتسديد عدد من اللطمات المتتالية ليصحو. والجواهري لم يحاول ولا بعبارة واحدة تحريض الجماهير على الثورة بأسلوب مباشر بل ضغط أوجاعها وجراحها ومواضع الضعف في مسيرتها، ليرسم صورة مقابلة للسلطة الطاغية، لكنها ملأى بالخطوط الكاريكارتوية التي تُضحك وتُبكي في وقت معاً»(45) . ولكن هذا ينطبق على «تنويمة الجياع» فهي فعلاً (خصام محب) اجتمعت فيه السخرية بالألم حيث تتصاعد نبرة الحب – حبّ جياع الشعب في المقطع الأخير – كما يقول فوزي كريم – لتنتهي إلى رقّة وحنين(46) :
نامي شذاة الطهر نامي
  يا درةً بين الركامِ

يا نبتة البلوى ويا
  ورداً ترعرع في اهتضامِ

يا شعلة النور التي
  تغشي العيون بلا اضطرامِ

سبحان ربّك صورة
  تزهو على الصور الوسامِ

 ولكن (أطبق دجى) هي غضبة جواهرية حقيقيّة.. حادة.. وعاصفة.. فالجواهري سماء مفتوحة.. تنطلق منها الرعود والبروق فتحرق وتدمر ليتبعها سحاب مطّار يحيي الأرض بعد قحطها وجفافها.. وقد يشتبك الحالان في قصيدة واحدة.. وقصيدة (أطبق دجى) من النمط الأول العاصف أمّا (تنويمة الجياع) فهي من النمط الثالث الذي يتكرّر في الكثير من قصائده مجسداً (تضاده العاطفي – ambivalence) واشتباك دوافع الموت والحياة.. الكره والحب.. وكل ذلك هو أقرب إلى طباع البشر منه إلى طباع الملائكة التي يحاول البعض وضع الشاعر قسراً في إطارها :
ويا مضغة القلبِ الذي لا فضاءها
  برحبٍ ولا أبعادُها بشواسعِ

حملتك حتى الأربعين كأنني
  حملت عدوي من لبان المراضعِ

وعطلت مني منطق العقل ملقياً
  لعاطفةٍ عميا زمام المتابعِ

كوامن من حقدٍ وإثمٍ ونقمةٍ
  تقمصنني يرقبن يوم التراجعِ

وقلت لها يا فاجرات المخادعِ
  تزيين زيّ المحصنات الخواشعِ

وقرن بصدرٍ كالمقابر موحشٍ
  ولحنٍ بوجهٍ كالأثافي ساقعِ

وكن بريقاً في عيوني، وهزّةً
  بجسمي، وبقيا رجفةٍ في أصابعي

وأرعبن أطيافي وشردن طائفاً

  من النوم يسري في العيونالهواجع الهواجعِ

وعلمنني كيف احتباس كآبتي
  وقلن ألسنا من نتاج الفظائعِ

ألسنا خليطاً من نذالةِ شامتٍ
  وفجرة غدّار وإمرة خانعِ

                                                  (أجب أيها القلب – 1940)
وإذا كانت القصائد التي خاصم فيها الجواهري سواد الشعب الذي أحبّه يمكن تفسيرها على وجه خصام المحبّ فكيف نفسّر القصائد التي خاصم فيها ، وبعنف وحدّة ، بغداده وعراقه ؟ ..
يقول في قصيدة «بغداد» وقد كتبت في الثمانينات :
لا درّ درّك من ربوعِ ديارِ
  قُرْبُ المزارِ بها كبعد مزارِ

يهفو الدوار برأس من يشتاقها
  ويصابُ وهو يخافها بدوارِ

لكأن طيفكِ إذ يطوف بجنةٍ
  غنّاء يمسخها بسوح تفارِ

لا درّ درّك عريةً غطى بها
  من لعنةِ التاريخ شرُّ دثارِ

عشرون قرناً وهي تسحب فوقها
  بدمٍ ذيولَ مواكب الأحرارِ

لم يروِ فيها «الراقدان» على النهى
  وعلى النبوغ غليل حقدٍ وارِ

بأبي «محسَّدَ» وهي تقطع صلبَهُ
  لم يدري عارٌُ مثل هذا العارِ

ديست رؤوس الخيرين وعُطّرت
  أقدام فُجارٍ بها أشرارِ

لا كنتِ من حجرٍ «تبغدد» حوله
  عبّاد أصنامٍ به أحجارِ

                                                       (بغداد – الثمانينات)
إن التقلّب في مديح شخوص معينة يمكن أن يكون انعكاسا لولاءات شخصية أو مواقف إنسانية أو مغريات معيّنة ، وقد حصل مثل هذا الأمر مع الجواهري كثيراً كما بيّنا سابقاً. وقدّم تبريراً لمثل هذا التقلّب بقوله إنه نتاج مجتمع متقلّب متعدّد الولاءات وإنّه ليس (طابوقة) جامدة مرتّبة . لكن هل يقع الموقف من الأوطان ، وهي أقدارنا ، ضمن إطار هذا التقلّب في الأهواء أو ضمن إطار المزاج النرجسي إذا جاز التعبير؟.. وإذ خفنا أن تحتفظ الذاكرة بقصيدة ذمّ بغداد السابقة فهل معنى ذلك أننا نطابق بين «الحقيقة» الشعرية والحقيقة الواقعية ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

تعليق واحد

  1. ممكن تعليق بسيط على القصيده(بين الاحبه والبدر)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.