غريب على الخليج (في ذكرى رحيل الشاعر بدر شاكر السياب)
بقلم: أ. د. حسن البياتي (ملف/30)

إشارة :
رحل شاعر العرب العظيم ومؤسّس الحداثة الشعرية العربية “بدر شاكر السيّاب” في يوم 24 كانون الأول من عام 1964 ،وكان يوماً ممطراً لم يعثر فيه الشاعر “علي السبتي” على بيت السياب في الموانىء بالبصرة فقد أفرغته الدولة من عائلته لعدم دفعها الإيجار، فسلّم التابوت لأقرب مسجد. وعلى الرغم من مئات المقالات والدراسات والكتب والأطروحات الجامعية التي كُتبت عن منجزه الشعري فمايزال هذا المنجز الفذّ مكتظاً بل مختنقاً بالرؤى الباهرة التي تنتظر من يكتشفها. تهيب اسرة موقع الناقد العراقي بالكتاب والقرّاء الكرام إلى إغناء هذا الملف عن الراحل العظيم.

المقالة :

هذه واحدة من روائع بدر شاكر السياب الشعرية، إنْ لم نقل من روائع الشعر العربي الحديث عموماً. كتبها الشاعر الخالد سنة 1953 بعد انتفاضة شهر تشرين الثاني من عام 1952، التي فجرتها جماهير الشعب العراقي ضد النظام الذي كان قائماً آنذاك. كتبها السياب، بعد فشل الانتفاضة، وهو مشرد يضرب في آفاق الغربة، هارباً – من خوف – بعد مساهمته الفعالة – مواطناً وشاعراً – مع مَن ساهموا في تلك الانتفاضة الخالدة الذكر في ضمائر الطيبين من أبناء شعبنا، وقد حطَّ به رحْل الهروب، حينئذٍ، في إحدى مناطق الخليج العربي (الكويت)، مشرداً صفر اليدين، بعيداً عن الديار وعن الأحبة. فلا غرابة، إذن، أن تطغى ظلال الغربة والضياع والأسى والحنين وما سوى ذلك من عناصر معنوية على أجواء هذه القصيدة التي وظف فيها السياب، توظيفاً ناجحاً، ضربين مميزين من الأضرب العديدة التي يحتويها البحر الكامل، هما (متفاعلانْ – المذيَّل) و (متفاعلاتن – المرفـّل)، بما ينطويان عليه من قيم موسيقية تثير في نفس المتلقي شتى الأحاسيس والانفعالات. هذا فضلاً عن العناصر المادية، من طبيعية تحيط بالمكان الذي تفجرت فيه عاطفة الشاعر عن هذه القصيدة الفذة – كالبحر الذي هو (أوسع ما يكون)، والريح اللاهثة حيناً والصاخبة حيناً آخر، وقلوع السفائن التي (تظل تُطوى او تُنشر للرحيل)، والرمال الخليجية التي جلس عليها الشاعر (الغريب)، مسرّحاً بصره المحير وهادّاً أعمدة الضياء بنشيجه العالي، والعباب (معظم السيل) الهادر الرغوِ، والمد الصاعد، والموج المعول… هذا ناهيك عن العناصر البشرية المتمثلة بالشاعر المشرد ذاته، وبأولئك الرجال الحفاة العراة من جوابي البحار، الذين زحموا مياه الخليج بقلوع السفائن التي كانوا ومازالوا يكتدحون أجراء لأربابها ومالكيها المترفين.
وقد استطاع الشاعر أن يجسد عناصر الطبيعة تلك تجسيداً ينبض بالحياة والحركة التي تتفجر عنهما شتى الأصوات التي تشكل الصور الشعرية المعبرة عن الأجواء المادية المحيطة بالمكان، من جهة، والمتغلغلة في ذات النفس البشرية – وفي مقدمتها نفس الشاعر المعبِّر- ، من جهة أخرى. وقد استعان، في سبيل إبراز صوره الشعرية بأدوات التشبيه حيناً، لكي يقابل لوحة بأخرى، وفي اللجوء الى الاستعارة، حيناً آخر، متخلياً – بذلك – عن استعمال الأدوات التشبيهية التي يخيل الينا أنها قد طفحت عن الكيل، فأدرك الشاعر، أو تدارك، أنها ربما توشك أن تفسد أجواء عمله الفني: الريح كالجثام – الصوت المتفجر كالمد الصاعد، كالسحابة، كالدموع – باب كالقضاء – جوع كجوع كل دم الغريق الى الهواء – الأرض كالأفق العريض – كأن كل دمي إشتهاء – بقيا النعاس كالحجاب من الحرير – الفرح الخفي كالضباب …
وقد يبدو بعض هذه الصور التشبيهية او أغلبها غريباً، لكنها غرابة محببة، سرعان ما يألفها المتلقي، لما تنطوي عليه من طرافة وجمالية، ولا سيما إذا ابتعدنا عن النظر الجزئي الى طرفي التشبيه (المشبه والمشبه به) ونظرنا الى العملية الابداعية هنا نظرة شمولية – الألفاظ داخل النص الذي وردت فيه. ولنتمعن – مثلاً – في إحدى هذه الصور التشبيهية التي تبدو غريبة أول وهلة: (باب كالقضاء) – بما يتولد عن التشبيه من صورة مرئية في أحد جانبيها ومتخيلة في جانبها الآخر- مادية ملموسة (باب) ومعنوية متصورة (القضاء)، الذي هو الحكم او الموت. التشبيه يبدو غريباً إذاما استللناه من مجموع النص – كما نستل عضواً من جسد متكامل. لكن الغرابة ستزول إذاما أعدناه الى مكانه الطبيعي:
1- (ووراء بابٍ كالقضاءْ
2- قد أوصدته على النساءْ
3- أيدٍ تطاع بما تشاءُ، لأنها أيدي رجال…)
الباب إذن محكم الإغلاق قد أوصدته أيدي رجال شداد غلاظ… هذا ما ترفدنا به الصورة التشبيهية المسوغة الغرابة حينما تطل علينا من داخل النص بكامله.
وثمة صورة تشبيهية أخرى مماثلة ذات حدين أحدهما (المشبه) مادي والآخر (المشبه به) معنوي: كأن كل دمي إشتهاء. .
وتنعكس الصورة في لوحات تشبيهية أخرى، إذ يجيء المشبه معنوياً، في حين يأتي المشبه به مادياً، مثل: بقيا النعاس كالحجاب من الحرير – فالمشبه هنا (بقيا النعاس) معنوي، والمشبه به (الحجاب من الحرير) مادي. ومثل ذلك أيضاً: الفرح الخفيُّ كالضباب…
أما الصور المتولدة عن التشبيهات التي تخلى فيها الشاعر عن استعمال الأداة، لتحل الاستعارة فيها محل التشبيه حيناً، أو تبقى محتفظة بطرفي التشبيه – دون الأداة -، حيناً آخر، فيمكن أن نورد لها الأمثلة الآتية: الريح تلهث – الريح تصرخ – الموج يعول – القرى المتهيبات – وجه أمي وصوتها المتزلقان مع الرؤى – العراق دورة اسطوانهْ – وهذه الدورة هي دورة الافلاك من عمر الشاعر، وهي وجه أمه و صوتها، وهي النخيل، وهي المفلية العجوز…
وتثير انتباهنا هذه الصور المتولدة عن دورة الاسطوانة بما تحمل من تداعيات تعود بالشاعر من ديار الغربة الى أرض الوطن الحبيب والى عالم الطفولة البريئة والطبيعة العراقية الجنوبية بما تزدحم به من صور ولوحات مألوفة، مازجاً عالم الواقع المعاش بعالم الخيال النابض في حكايات العجائز:
1- (بالأمس، حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراقُ…
2- وكنت دورة اسطوانهْ
3- هي دورة الافلأك من عمري، تكور لي زمانه
4- في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه،
5- هي وجه أمي في الظلامِ
6- وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنامْ
7- وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروبِ
8- فاكتظ بالاشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ
9- من الدروبِ،
10- وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حِزام)
11- وكيف شق القبر عنه أمام (عفراء) الجميلهْ
12- فاحتازها… إلا جديله…)
إن الصور تتلاحق في هذا المقطع ويأخذ بعضها بتلابيب البعض الآخر حتى نصل الى نهاية المطاف مع الأساطير المحاكة حول الشاعر العاشق عروة بن الحزام وحبيبته الجميلة عفراء.
ويستمر الشاعر في عرض لوحاته التصويرية باسلوب يمزج فيه بين عالمين: عالم الحلم المحكي وعالم الواقع المرئي، فنشعر من خلال (دورة الاسطوانة) ان السياب بعيد غريب عنا، من جهة، وحاضر قريب منا، من جهة أخرى. بعيد مادياً – بجسده، وقريب معنوياً – بروحه، بأحاسيسه، وبذكرياته المتداعية من خلال (دورة الاسطوانة) إياها:
1- (زهراء، أنتِ… أتذكرينْ
2- تنورَنا الوهاج تزحمه أكف المصطلينْ؟
3- وحديث عمتيَ الخفيضَ عن الملوك الغابرين؟
4- ووراء بابٍ كالقضاءْ
5- قد أوصدته على النساءْ
6- أيدٍ تطاع بما تشاء، لأنها أيدي رجالْ –
7- كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلالْ.
8- أفتذكرينَ؟ أتذكرينْ؟
9- سعداءَ كنا قانعينَ
10- بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساءْ.
11- حشد من الحيوات والأزمان كنا عنفوانَهْ،
12- كنا مداريهِ اللذينِ ينال بينهما كيانَهْ.
13- أفليس ذاك سوى هباءْ
14- حلمٌ ودورةُ اسطوانه ؟!)
وفي هذا المقتبس المبتدئ بكلمة (الأمس) والمنتهي بكلمة (اسطوانه) يبهرنا الشاعر بتدفق موسيقاه ذات الايقاعات المتولدة من تكرار القوافي النونية خاصة، الساكنة المجردة، سواء الداخلية منها، الواقعة ضمن تفعيلات (الحشو)، او الخارجية التي تشكل قافية تفعيلات (الأضرب)، او تلك القوافي النونية غير المجردة، ولنقل (المزيدة) – في مصطلح علم الصرف -، مثل: اسطوانَهْ – زمانَهْ – مكانَهْ – عنفوانَهْ – كيانَهْ.
وتواجهنا أمثال هذه النغمات الايقاعية المتولدة من تكرار القوافي الداخلية والخارجية على مدى المساحة التي شُيَّد فوقها صرحُ القصيدة – ففضلاً عن تكرار قوافي حرف النون نلاحظ أيضاً قوافي الكلمات: الخليج – عراق – الاجنبية – (خطيه).

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

تعليق على المجموعة القصصية بتوقيت بصرى للأديب محمد فتحي المقداد
بقلم د ميسون حنا

بتوقيت بصرى مهد الحضارة وموطن الغساسنة أتانا هذا الكاتب الغساني ليلهج بما في قلبه من …

ثامر الحاج امين محنة العمرعند الشاعر ( صاحب الضويري )

موت المبدعين ــ على وجه التحديد ــ بأعمار قصيرة ، قضية حظيت باهتمام عدد من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *