محمد علوان جبر: يتكاثر الموت كدائرة من الاصدقاء*

* الى محمد درويش علي وفاءً
هل اقول وداعا محمد درويش علي ..  اقولها وانا غير مصدق .. كيف لهذا الجمال ان يرحل عنا بهذه السهولة ..؟  لااريد ان اكتب رثاءا ، لاني اعلم انك ترفض ذلك .. اجزم انك لاتريد لاحد ان يرثيك ..  ولكن  تقبل مني هذه الفانطازيا التي عشناها معا في يوم ما …….
في يوم من ايام بغداد الساخنة ، وصلت قاعة الاتحاد مبكرا ، جلست في الزاوية التي تجتمع فيها شلة الاصدقاء ، كانت القاعة خالية تماما ، جلست في مكان يتيح لي مراقبة مدخل القاعة ، اراقب وصول الاصدقاء ، احسست في تلك الوحدة والصمت اني كمن يجلس في قارب يشق ماء بحر ساكن ،  اول الواصلين الشاعر منذر الجبوري ،  حالما وصل المدخل ،  لم يتجه كالمعتاد الى الزاوية التي اعتدنا الجلوس فيها ،  كان يتطلع بتركيز غريب  الى مكان ما في القاعة ، عيناه مركزتان نحو فراغ القاعة ،  تماما في اقصاها ، تطلعت الى المكان الذي ينظر اليه لم اجد احد ، ولكني لمحت ستارة تتحرك ،  بقي متسمرا  وفي وجهه الكثير من علامات الهلع والخوف ،  حيرني الامر كثيرا ، ولاني كنت اجلس في قارب وهو ينظر الى فراغ القاعة لم اكلمه ،  مازاد حيرتي  انه ادار وجهه ،وخرج مسرعا ، رأيت بوضوح تعثر خطاه واكثاره من الالتفات نحو الزاوية حيث كانت الستارة تتحرك ،  ولم يكلم النادل الذي قابله اسرع في الخروج بخطى متعثرة .. ولاني كنت منغمرا في صورة الجالس في مركب ، ترددت قبل ان اواصل التدقيق في المكان الذي كان ينظر اليه منذر حيث الستارة التي تتحرك ، وعرفت ان الشباك الذي خلفها كان مفتوحا ،  هذه الصورة احالتني بسرعة الى موضوعة الموت والتوحد ،  تداولتها مع نفسي بفنطازية …. قلت ،  ربما رأى ـ  ملاك الموت خلف الستارة ـ  ربما ناداه ..  ولهذا قرر ان ينسحب من القاعة بسرعة مبتعدا عن الصورة المبهمة التي رأى فيها ذلك الملاك المخيف ..
  بعد قليل دخل محمد درويش علي ،  حالما جلس ، سألني عن منذر ،  اخبرته بما حصل وتدفقت في شرح تأويلي للطريقة التي وقف فيها متأملا تلك الزاوية ..  وتلك الستارة …  هرب من القاعة حينما رأى ـ  عزرائيل ـ  في اخر القاعة ،  يومها انتبه محمد الى حديثي ، لم يضحك  كعادته …  اكثر من الاسئلة ، وانا اسهب في شرح الامر ، كيف يمكن ان نتخيل صورة عزرائيل ،  شرحت له فانطازية ان يرى احدنا عزرائيل في قاعة اتحاد الادباء ،  هل نقترب منه ام نهرب …. ثم ضحكنا بمرارة ولكنه قاطعني ….
ـ     اعتقد ياصديقي انها  نبوءة موت …  واقترح عليك كتابتها كقصة ……
بعد هذه الحادثة بسنوات ،  بدأ جسد محمد يتداعى ..  نحف جسده وشحب وجهه ..ولم تفلح البدلة الرسمية التي كان يحرص على ارتدائها في اخفاء نحوله  ….  بحث عني يوما في قاعة الاتحاد …  وهمس في اذني ..  سألني عن القصة هل كتبتها وحينما سألته اية قصة ، قال قصة منذر ، اجبته اني كتبتها .. اصر على ان اجلبها له ،  وحينما سألته عن السبب ،  قال لي بحزن واضح ……
اني رأيت عزرائيل قبل ايام ،  رأيته جالسا هناك ،  اشار الى زاوية ما في القاعة… ثم اكمل….  حينما رأيته .. لم اهرب منه كما فعل منذر … قال سلمت عليه وجلسنا قبالة بعضنا…  وبقينا نتحدث طوال الليل ،  وفي اخر الليل حينما اغلق النادي ابوابه اصطحبته معي الى البيت ، ادخلته غرفتي .. وسهرنا الى الصباح ،  وكلما اخرج  اغلق عليه الباب ..  انه في غرفتي منذ ايام ….  لم نضحك يومها … ولم نبكي …بقينا نحدق في عيون بعضنا بحثا عن الفانطازي .. والواقعي في احاديثنا عن ملاك الموت  المحبوس في غرفته……
بعد هذا الحديث  ….  سمعت بغيبوبة محمد … غيبوبته بصحبة عزرائيل …  كانا يتحدثان معا طوال الليل والنهار ….  واليوم اتسائل امامكم هل حقا اقام محمد علاقة ودية مع عزرائيل .. ـ  لااستغرب ذلك رغم تشبثه القوي بالحياة ـ…….وربما استطيع ان اتخيل كما انتم تتخيلون الان ماهية المواضيع التي تحدثا فيها ربما عن الشعر والمرأة التي كان يحلم بها طوال فترة الغيبوبة او ربما قبلها … اجزم ان محمد استراح من هذا ومن اشياء كثيرة …… واردد بحزن  ـ يتكاثر الموتى كدائرة من الاصدقاء ـ …..

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

تعليق واحد

  1. وديع شامخ

    العزيز محمد علوان جبر
    هذه هي مسؤولية الصديق المحب تجاه اصدقائه..
    محمد درويش علي وجع اخر في قلوبنا

    …………..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *