وجدان عبدالعزيز : تهذيب الوجدان في قصيدة الشاعر سلمان داود محمد (ملف/58)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

تهذيب الوجدان في قصيدة الشاعر سلمان داود محمد ..
وجدان عبدالعزيز
ونحن نتعامل مع الشاعر سلمان داود محمد ، تصيبنا ارتجافة الحذر من مطبات اللغة ، كونه استطاع أن يغاير كثيراً ويناور متخفياً برؤية وموقف يحاول أن يبثها في مساحاته الشعرية ، وعلى المتلقي صاحب القراءة المتدربة أن يلملم شتات أفكاره محاولاً استئناف البحث عسى ولعل أن يصل بمركب اللغة الى شواطئ معاني هذا الشاعر الصعب المولود في الزمن الصعب ، ولا نشك في أن الشعر فضاء مغمور بعالم الإنفلات ، فهو القريب الموغل في الإبتعاد وتأويله متحرراً من وصايا المعنى ، لأنه قوة محررة للغة من صنمية الإحالة للتخلص من الشائع والمعهود ، يقول كانط : (إن جانباً من الخبرة في الأشياء الجميلة هي وجوب تأثيرها فينا كما لو أنها كانت ذات قصد ، على الرغم من انعدام احتمال وجود قصد معين) ، فما هي قصدية شاعرنا سلمان في شعريته التي رسمت ملامح لوحات الحروب ولوحات الواقع المُر الذي وصم هذه اللوحات الشعرية بالسريالية والتحليق خارج السرب باتجاه آفاق أخرى .. يقول الدكتور عناد غزوان : ( إن هذه الأبعاد الثلاثة : الإنفعال والخيال والفكر لاتظهر الى واقع الحياة إلا من خلال اللغة التي تعبرعن الإنفعال فنياً ـ اللغة الإنفعالية ـ أو الخيال ، اللغة الخيالية ( ذات الدلالات الجمالية والبيانية أو البلاغية) والفكر ـ اللغة الفكرية ـ التأملية التي قد تمزج بين الإنفعال والخيالية في آن واحد . نظراً لأن هذه الأبعاد لايظهر أثرها أو تتجلى استجابتها وأخيراً تقدير قيمتها الفنية ـ الجمالية في ذات المتلقي ـ العنصر المهم والفعال في العملية النقدية ـ من غير فن ومهارة في الصياغة والتشكيل وهو البعد الذي تتوحد فيه الأبعاد الثلاثة وضوحاً وغموضاً أو تقصيراً .. وهذا يعني أن فن الصياغة والتشكيل الشعريين هما روح “الترويض” في النص) ، ونحن نغذ السير في تأملاتنا لنصوص الشاعر السابقة عبر دواويته العديدة ونصه الذي ألقاه في مهرجان الجواهري قبل حين، نصطدم برأي آخر يقول أن الشعر انطواءات من المعاني ، كل طية تحمل حزمة قد تختلف قليلاً عن الأخرى ، وهذا الإختلاف غير قطعي يدل على ائتلافها في تكويرة معان تؤدي الى معنى واحد يتشظى في رؤى الشاعر ، قد يكون قصدي ، وبالتالي فان هذه القصدية لاتعني الوعي الكامل اثناء الكتابة ، فحضور الوعي يأتي تالياً ، وقد نسمح لأنفسنا بتسميته بالصناعة والتوجيه ، أي أن الشاعر يمتلك موجهات النص البعدية ، أي انه يستغرق في الكتابة ويغيب عن الوعي ، ثم يفيق ليسارع الى موجهاته الفكرية والتأملية لما يريد ايصاله للآخر … يقول الشاعر سلمان داود محمد :
( لأنكِ في (ساحة النسور) تقترحين البلابل ،
ولأني لست (ابن فرناس) وريشي قليل ..
ألملمُ ما تبقى من إنفلاقي في ضحى الناسفات
وأصعدُ عسى أن أجيد الإنضمام إليّ
وأستودع إكتمالي تحت جفنيك لأرى ، فرأيتني :
• خسائر من قمح تصدتْ لها بومات غامضة وطواحين… )

فكان سعي الشاعر اثبات ذاته أولاً ، كتبرير وجودي لما يريد قوله وطرحه في ساحات الشعر ، وهي ساحات تأمل وتفكر وبحث وبالتالي فان هذه الساحات لا تمتلك نهايات محددة ، قد تمتلك بدايات ولهذا قيل أن الشعر تيه ، ومشروع غير مكتمل ويبقى هذا لمديات زمنية غير منتهية .. فالخطوة الأولى في نص الشاعر اثبات الذات وأنا كمتلقي مستغرق في مسامات النص يتحصل لي بان الخطوة التالية هي اثبات ذوات الآخرين ، وهذه هي القصدية التي نوهنا عنها سلفاً .. يقول الشاعر:
( – سأفتديك بهذا ( مشيراً إلي) ،
أي لك وحدك هذا الشريد الفضفاض كحافلة ،
الذي أدمنته الدروب والمتأخرون عن الوظيفة والشتائم
ثم مضى يحبك
ويبـّـجل ما تساقط من سوسن على رهافة الوسن ،
فما كان على (صقر قريش) إلا التورط بالسكارى
حين إستعان بـ (ساحة الأندلس) على ضياع الأندلس ،
وما كان على ساعة (القشلة)
إلا الرنين في غبش ( المتحاصصين ) تماماً
حين أشارت إلي بناقوسها المشطور بعدئذ :
– قشٌ .. لك..
– قشٌ .. لك..
القشُ لك…..
ولاذ الفرقاء ببيض اللقالق ،
ماجعل الغريق يناصبني الزفير
وأنا أنفخ في جثمان المزمار
مقاصد الرعاة
وأخيّبُ كمائن الذئاب بعيد الأضحى..
هاهوذا ربيعي بهيأة نائب للخريف …. )
وبقوله : (ماجعل الغريق يناصبني الزفير) ، حدثت هنا المشاركة الموضوعية ، وتحققت قصدية الشاعر في تحويل ماهو معاناة ذاتية الى معاناة موضوعية ، فـ (إن قوة الفن لاتكمن في ما يقوله وحسب بل في ما لايقوله أيضاً أي في ما يرمز اليه ويوحي به . وهذا بعض سر خلود الأعمال الفنية الأصيلة وحيويتها المتجددة . والعمل الفني يقترب من لحظة الإبداع الكلية بقدر ما يحمل من غنى في المضمون في ايحاءاته ودلالاته) ، يقول الشاعر :
( كفى
خرساً
يا خالة …
كيف رسمتُ على وجهي : ممنوع الممات ،
وطردتُ الجنة من غايتي ،
كيف ورثتُ عن الورّاقين فصاحة العثّ
والعبارة المحصورة بين سيفين ،
كيف حذفتُ من (سوق السراي) دورية هولاكو
وأثـقلتُ كاهلك بـ ( مروج الذهب ) ،
كيف ازدهر المتفرجون على خرائبي
وتجمهرتُ في رحابك..،
فهل من برهان أشمس من هذا
كي أحتفي برفاة وردتي فقط
في مكحلة لا تقصد تمرير السواد
على وجهات النظر…؟؟؟؟؟
أريدُ
جواباً … )
وبسخرية سلمان داود محمد المعهودة استطاع الكشف عن موضوعية الأشياء التي طرحها ، وسكت عن الكثير بإشارات باثة تحمل ( اهتزازات الذبذبة الإنسانية سلباً وايجاباً ) ليتأثر الإنسان الشاعر (بكل ألوان الطيف الحياتي التي تنسكب في وعاء وجوده كإنسان يمثل طبيعة الوجود وممثل لها) ، ويغذي هذا التأثير من رسم صوره الشعرية المعلقة كلوحات في ذهن المتلقي ، وهنا لابد أن نحلل هذا التأثير بفوائد منها ، تهذيب الذائقة الجمعية في التأمل والتأويل وهذا معطى أول .. إضافة للمعطيات الأخرى الجمالية وقدرة البحث والتحليل .. يقول الناقد د. عبدالله الغذامي : (وهذا معناه اننا دلفنا مع النص الجديد وبسببه الى عصر ثقافي جديد هو عصر القاريء ، ويكون الإبداع نفسه عملية قراءة للزمن وللكون ، وعاقد الربط ـ هنا ـ هو “التشريح” النصوصي ابداعاً وقراءة ، فالمبدع يشّرح ذاكرته الحضارية مستنداً الى حسه الجمعي بذاته وبعالمه الدائر فيه عطاءاً وأخذاً . والقاريء يشّرح النص بناءاً على “تلاحمه” معه ، بعد أن أصبح انبثاقاً لغوياً لعالمه الذي يشترك فيه مع “المبدع” ومع الموروث الرافد للإبداع ، ومع الحس الجمعي الذي صاغ فكره ووجدانه وتفاعل بهما مع النص . وهذا يعني أن النص عالم ينتصب أمام الزمن أو هو “مجرة من الإشارات” كما يقول التشريحيون) ، وعطفاً على هذا فان القصيدة الحديثة تحاول تنمية الوجدان ، لكي يصبح وجداناً جمعياً مثلما تحاول تهذيب العقل ليكون انفعالياً ، أي بمعنى أن شاعرنا سلمان داود محمد قد دجن العقل وروضه أن يكون انسانياً أو هو ترقية للعاطفة وترفيع لها لتكون انتظامية مهذبة ، وعبر طرح مشروعه الجديد في مواقع التواصل الإجتماعي إذ حاول أن يزاوج بين الصورة المجردة والصورة اللغوية المصنوعة خصيصاً في مختبرات شعرية هذا الشاعر ، وبالتالي خلق عولمة ثقافية لقصيدته ، وفتح لها نوافذ عديدة للقراءة بلغات العالم الأخرى ….
MESSAGE
سلمان داود محمد
لأنكِ في (ساحة النسور)* تقترحين البلابل ،
ولأني لست (ابن فرناس)* وريشي قليل ..
ألملمُ ما تبقى من إنفلاقي في ضحى الناسفات
وأصعدُ عسى أن أجيد الإنضمام إليّ
وأستودع إكتمالي تحت جفنيك لأرى ، فرأيتني :
• خسائر من قمح تصدتْ لها بومات غامضة وطواحين…
• طفلاَ لا حصر له ومشيعين لأعياد …
• كاتيوشا تدغدغ السقوف وشبابيك تكركر…
• آمالاَ مؤكسدة تتسرّبُ من ( حيّ الصفيح)…
• ومدينة تكفكفُ دمع الرصاص بأكفان مزركشة …
وماذا بعد ؟؟
– نعم..أحبك
وأقبـّـل الصافرة لأنها رئة عند إختناق المرور
وضمان لعش يزقزق من أعلى خسفة
في (خوذة الرصافي)* يوم قال :
– سأفتديك بهذا ( مشيرا إلي) ،
أي لك وحدك هذا الشريد الفضفاض كحافلة ،
الذي أدمنته الدروب والمتأخرون عن الوظيفة والشتائم
ثم مضى يحبك
ويبجـّـل ما تساقط من سوسن على رهافة الوسن ،
فما كان على (صقر قريش) إلا التورط بالسكارى
حين إستعان بـ (ساحة الأندلس)* على ضياع الأندلس ،
وما كان على ساعة (القشلة)*
إلا الرنين في غبش ( المتحاصصين )* تماماً
حين أشارت إلي بناقوسها المشطور بعدئذ :
– قشٌ .. لك..
– قشٌ .. لك..
القشُ لك…..
ولاذ الفرقاء ببيض اللقالق ،
ماجعل الغريق يناصبني الزفير
وأنا أنفخ في جثمان المزمار
مقاصد الرعاة
وأخيّب’ كمائن الذئاب بعيد الأضحى..
هاهوذا ربيعي بهيئة نائب للخريف ،
وهذا مطري لا يصلح
لشرب العائدين من دول السراب المعقم ؛
حتى أن المناخ تناسى غيومي في مصيف المخالب
وأزاهيري مرهونة بالنعوش…،
ربما ارتبك الأريج بالقرب من شاهدة
واحتجبتْ ( ليلة القدر) عن أدعية العازبات ،
حيث احتشاد أقمار التلصص
والدخان الذي لا يكف عن الأعالي ….،
وماذا بعد … ؟
نعم ..
أحبك ..، ألا تنظرين..؟
كيف مشطتُ حياتي بأصابعك
وغرستُ عفش الحنان في خطرللسكن..،
كيف خبأتُ مفاتن المحنة
عن شبق المروحيات وصحت’ بالسماء :
كفىخرساً يا خالة …
كيف رسمتُ على وجهي : ممنوع الممات ،
وطردتُ الجنة من غايتي ،
كيف ورثتُ عن الورّاقين فصاحة العثّ
والعبارة المحصورة بين سيفين ،
كيف حذفتُ من (سوق السراي)* دورية هولاكو
وأثـقلتُ كاهلك بـ ( مروج الذهب )* ،
كيف ازدهر المتفرجون على خرائبي
وتجمهرتُ في رحابك..،
فهل من برهان أشمس من هذا
لكي أحتفي برفاة وردتي فقط
في مكحلة لا تقصد تمرير السواد
على وجهات النظر…؟؟؟؟؟
أريدُ
جواباً …

………………………………..

إضاءات

ساحة النسور / ساحة الأندلس : من الساحات الشهيرة في بغداد ..
إبن فرناس : توظيف لإسم عباس بن فرناس الأندلسي القرطبي (810-887 م ) اشتهر بمحاولته الطيران إذ يعدّ أول طيّار في التاريخ، وفي العراق وضع تمثال له على طريق مطار بغداد الدولي تكريما له ..
خوذة الرصافي : توظيف لإسم الشاعر العراقي المهم معروف عبد الغني الرصافي ..
القشلة : المقصود بها ( ساعة القشلة ) الأثرية في بغداد ويمتد عمرها الى مئات السنين مع الاشارة الى ان الحياة عادت لهذا المعلم الاثاري قبل سنوات قلائل بعد صمت طويل وصدحت بصوتها ودقاتها التي تسمع حتى من الجهة المقابلة لنهر دجلة، لكنها رجعت الى صمتها ثانية من بعد الاحتلال في العام 2003..
المتحاصصين : إشارة الى أقطاب المحاصصة الطائفية سيئة الذكر التي دمرت العراقيين والبلد ..
سوق السراي : الشقيق الأصغر لشارع المتنبي ( سوق الكتب ) أثناء تعرضهما لتفجيرإرهابي في 5 / آذار /2007 ..
مروج الذهب : إشارة الى كتاب ( مروج الذهب ومعادن الجوهر ) للمسعودي، الذي تعرّض للحرق بفعل التفجير الإرهابي المشار إليه آنفاً ..

شاهد أيضاً

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (19) (ملف/82)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حول مجموعة سلام إبراهيم “رؤيا اليقين”*
أسلوبية المدلولات
جلال الرداوي ـ تونس (ملف/81)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
ثالثا: مسرحية العودة بين الخيانة والانتماء (ملف/9)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *