حسين سرمك حسن: الجواهري؛ مركب النار ؛ النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح

ومن الصعب على صاحب النرجسية المعصوبة المنغلقة أن يتحمل آلام أخر  ومضاعفاتها . لكن الجواهري كان يتحمل السجن والمطاردة والملاحقة وضيق ذات اليد وعذابات العائلة لأنه كان ، في واقعه النفسي ، يجد في إستقبال الأذى وعدوان الطغاة نوعاً من الفداء الذي يشحن النرجسية بالبطولة وهو نمط من المازوخية الخلاقة مثلما يكون الإستشهاد ، تحليليا ، نمط من تدمير الذات الخلاق في صورة إنبعاث مؤجل . ولأن هذه الإنتعاشة البطولية المرتبطة بالجماعة ضرورة لصورته المزدهاة ولاعتباره الذاتي رغم عواقبها الوخيمة نجد أن (المناسبة) تلعب دورا مهماً في حياته ومسيرته الشعرية . إن بإمكان الباحث التاريخي اأن يتتبع وقائع تاريخ العراق في القرن العشرين من خلال شعر الجواهري . فهو لم يترك (مناسبة) خطيرة ومنعطفا حاسما إلا وكان في أتّّونه يكتوي بنار جحيمه . إن الجواهري لا يمكن فصله عن الخط التاريخي لحياة العراق طوال القرن العشرين (( ولو استطعنا أن نتصور قارىء الجواهري اليوم جاهلا لتاريخ العراق في هذه الفترة ، فإنه ولا ريب سيرى هذا التاريخ من خلال شعره فيما يشبه المأساة الاغريقية ، يكون فيها الشاعر في كثير من الأحيان هو الكورس : يعلق على الأحداث الجسام ويدفع بها إن استطاع ، منذرا ، ساخطا ، داعيا إلى التمرد . إنه أشبه بصوت الضمير من الأمة ، يقرّع ، ويأسى ، ويغضب . وهو بهذا يتخطى مهنة الشعراء القدامى ، على شدة شبهه بهم ، كانوا ، في أحسن الأحوال ، يتبعون الحدث ، فهم منه على شيء من البعد ، أما هو ، فليس لصيقا بالحدث وحسب ، يراه من علٍ ويراه من داخل ، بل إنه يفعل فيه ، ويكاد يوجهه . فإن كانوا هم شعراء القول ، فإنه شاعر الفعل . هم يغنّون من القاعة لمن هم على خشبة المسرح ، أما هو ، فإنه يمسرح قوله على الخشبة نفسها ، وإذا هو لا يكتفي أن يكون الكورس أو قائد الجوقة التي تردد ما يقول ويكاد يصبح هو البطل..))(33 ) ..بل هو البطل الفعلي، وهذا الدور البطولي هو في الواقع الجزاء النرجسي المكين . فالجوهراي محب للبطولة ومريد للأبطال وما إحتفاؤه بذكريات الأبطال ومناسبات حياتهم المختلفة إلا تعبير عن كون نرجسية الجواهري نرجسية (متواضعة) قادرة بل تريد الإستزادة من معين البطولة وليست أناه مغلقة طافحة . ويمكننا مراجعة قصائده عن الإمام الحسين والمعري والمتنبي والأفغاني وجمال عبد الناصر ومعروف الرصافي لنتلمس هذه السمة المهمة ، وفي مجال المناسبة تنبغي الإشارة إلى حقيقة جوهرية وهي أن إشارة الجواهري إلى المناسبة وشرحها في الهامش أو في مقدمة القصيدة لا تعني تحدده الحرفي بها وتقييد ذاته الشعرية بقيودها وأطرها الحرفية . (( إن الجواهري ومنذ أواخر الثلاثينات فك حصار المناسبة ، وإبتلعها. وهو يتجاوزها باستمرار نحو المعالجة الشاملة من خلال رمزها أو تسميتها بالذات))(34). ففي قصيدته في ذكرى وفاة شاعر العراق والعرب الكبير ((معروف الرصافي)) يقول :

وإذا سألتَ عن العراقِ       فقد وقعت على الخبيرِ

الجَورُ يخطفُ أهله          خطفُ الأجادلِ للطيورِ

والسوطُ يأكلُ منهم          أكلَ الذئابِ من الجزورِ

والوعيُ يدفعُ بالوعاةِ من السجونِ إلى القبورِ

والذلُّ يعصفُ في مشارفهِ   ويطفحُ في الثغورِ

زلّت مُتونُ المدّعينَ         به عن الحملِ العسيرِ

(معروف الرصافي -1951)

 

يقول الجواهري :

 « في الجزائر سألني أحدهم عن تقلب الأهواء لدي ؛ فقلت : إذا لم أكن هكذا ، إذاً أنا لستُ إنساناً ، أنا لست ابن مجتمعي ، أريد أن أقول له يعني : (أنا نغل)، نازل ومنحدر ما أدري منين- أنا منحدر من مجتمع له ضوابط متناقضة من الصبح إلى الليل ينقلب من أوّله إلى آخره .. أنا عرضةٌ لكل تبدّل.. أنا ابن هذا المجتمع الذي يواجهك في كل يوم بشيء وبحالة أنت لست متوقعها وبصراحة تلبس في كثير من الأحيان لبوسها ، فكيف تريد أن يصير الإنسان قالباً جامداً : « أنا مو بلوكة – أي طابوقة – وجايب مسمار تدقني به » .

ولسنا هنا في إطار تناول هذه (العقلنة) بالتحليل ولكن ما يهمنا هو الإشارة إلى سمة مهمة من سمات نرجسّية الجواهري وهي الإنفعالية وشّدة وسرعة التأذّي من مثبطات الخارج . فالإنفعال وفق حدود معينة ولنسمّه «الإنفعال المنضبط» ضروري للإبداع وللتجويد في عملية الخلق الفنّي ، وبدونه يتحول المبدع إلى ما هو أسوأ حتى من عين المصّور الفوتوغرافي ، ولكن الانفعال المفرط بالمقابل يشوّش بصر وبصيرة وتركيز المبدع فلا يعرف – أحياناً – مواضع أقدامه الشعريِّة بدّقة . ومن وجهة نظري فإنّ انفعالية الجواهري كانت واحدة من الأسباب الرئيسية في طول قصائده من ناحية ، وفي التكرار الذي نجده في بعض قصائده من ناحية أخرى . فلو أخذنا ، على سبيل المثال لا الحصر ، قصيدة ( يانديمي ) لوجدنا أنها تقع في أكثر من أربعمائة بيت ، صوّر من خلالها طيفاً عجيباً من إرهاصاته الفلسفيّة والوجودية ومواقفه من الكون والحياة وكلّها تطفو وسط موجات من التشاؤم والاكتئاب في أغلب مقاطعها:

يا نديمي: وما هي القيمُ

 

غير ما زُخرفت به نظمُ؟

شاءهنّ الخصيمُ والحكمُ

 

وحماهنّ صارمٌ خذِمُ

من رعاهنّ فهو محتشمُ

 

أو جفاهنّ فهم متّهمُ

يا نديمي: ومن لظى سقَرِ

صيغَ هذا اللجامُ للبشرِ

أو :

يا نديمي: وعِشْتُ بين غلاةِ

 

أفرغوا فوق «خِنجر» بُردَ عيسى

لا لحضرٍ كانوا ولا لبُداةٍ

 

إنّ عند البُداةِ نُعمى وبوسى

هم من الشرقِ شرُّ ما في الفلاةِ

 

ومن الغربِ ما استجدَّ لبوسا

عاف (بوذا) تَجارها الميئوسا

وأبى (أحمد) و (عيسى) و (موسى)

إلاّ أنّ القارئ المدقق يلاحظ أيضاً تكراراً في الصور والموضوعات وإن جاء (شكلها) مختلفاً أحياناً، ويبدو لي أنّ الجواهري لا يقنع إلاّ بتقليب الموضوع مرّات ومرّات واعتصاره حتى الثمالة ، وفي هذا شيء من التلذّذ ( السادي ) حيث يرمي الموضوع جثّة هامدة تحت قدميه الشعرتين المنتصرتين .

وتنفلت الدفعات العدوانية تحت أستار وسحب الانفعالية العالية التي تنطلق أحياناً بلا لجام أو رادع حيث يُغيّب الأنا الأعلى بنشوة الخلق فيندفع الشاعر مخترقاً حدود دوائر محظورة أو محرّمة :

واختفى عضوك الذي مازهُ الله على كلّ ما لديك وزانه

ومحلاً خصباً بوادٍ

 

أنبتَ اللهُ حولهُ ريحانه

هيكل من هياكل الله سُدَّ

 

الباب منه وكفّنوا صلبانه

                                                          (عريانة – 1932)

ولو رمتُ للعورات كشفاً أريتكم

 

من الناس حتى الأنبياء عجائبا

                                                     (ثورة النفس – 1934)

وفي أحد أبيات قصيدته «ما تشاؤون» – 1952 – يقول :

أنتم الله واحداً

 

 

وهو لاشكّ أربعُ

وبسبب الروح التحرشية في هذا البيت فـ(( قد وجّه الأستاذ «إبراهيم الوائلي» سؤالاً إلى الشاعر عمّا يعنيه بهذا البيت فأجابه تحريراً بقوله :

(( بعد أن سخرت من الحاكمين وجبروتهم بالأبيات الخمسة أو الستة المتقدمة ، وبعد أن هزئت بطغيانهم المزيف وشبّهتهم من باب (العكس) بالشمس والسماء بل أنهم الأرفع وبعقاب الجو بل أمنع … إنهم – وهم الأربعة أشخاص مثلاً : أصبحوا بجبروتهم هذا وكأنهم الله الواحد ، وكأن الله الواحد هم أنفسهم ، فهم (واحد) موحد ، وهو – لاشك – أربعُ .. )) . ومن الواضح أنّ هذا التخريج غير متماسك ولا يصمد أمام العقل الديني بحساسيته تجاه النواهي المعروفة (( فأثار هذا البيت إحدى الصحف المتسترة بالدين فنددت بالجواهري وحاولت تكفيره ، إلاّ أنه لم ينجر إلى الصراع وآثر الصمت .. ولّما أعاد نشر القصيدة في الجزء الثالث من ديوانه المطبوع سنة (1953) حذف منها البيت الذي أثار الاعتراض)) .

وإذا توخينا الدّقة التحليلية فسنجد أن أغلب شعر الجواهري وبشكل خاص ما قاله في السياسة أو الفخر أو المديح أو الشكوى أو الهجاء هو شعر بادي الانفعال انطلق من ذاتٍ شديدة التأذّي مفرطة الحساسيّة تجاه أبسط المؤثرات ويتضح ذلك من جسامة ردود أفعالها التي تفوق العمل المستفز وتفوقه أضعافاً مضاعفة .

في عام 1969 عقد مهرجان الشعر ببغداد.. (( فغمز د. سهيل إدريس الشعر العمودي والجواهري )) فجاء ردّ الجواهري عاصفاً عارماً شاملاً غير مستثن أحداً :

وصاحبٍ لي لم أبخسه ُ موهبةً

 

وإن مشتْ بعتابٍ بيننا بُرَدُ

نفى عن الشعر أشياخاً وأكهلةً

 

يُزجي بذاك يراعاً حبرُه الحَرَدُ

وما أراد سوى شيخ بمفرده

 

لكنه خافَ منهُ حين ينفردُ

بيني وبينك أجيالٌ محكمة

 

على ضمائرها في الحكم يُعتَمدُ

ياشاتميّ وفي كفّي غلاصمهم

 

كموسع الليث شتماً وهو يُزدَرَدُ

يا ابن «الركائكِ» والأيامُ هازئةٌ

 

بميتين على ما استفرغوا جَمَدوا

ما ضرّ من آمنت ديناً بفكرتِهِ

 

أن زيدَ صَفر إلى أصفارِ منجحدوا جحدوا جحدوا         جحدوا

(ابن الفراتين -1969)                                                                                         ويعلّق الجواهري مستفزاً :

(( الآن يقول البعض : متأخر.. منتهي .. ثق حتى نوبل .. ثق .. هذولة غير بشر.. ساكت ؟ ساكت.. بعيد ؟.. بعيد.. كاعد هنا ويلحقوني ويغمزون تحت السطور.. اليوم .. اليوم قرأت «تراث» . «غير الذين تلّبدوا» إلمن تقصد.. (خو) اكتب تحتها : محمد مهدي الجواهري . هذا وغيره يلاحقني .. ولكن ما هي النتيجة غير أن يشتم الناس !.. شتطلع هاي .. هذا نوع من التعذيب .. وإلاّ تعال كي أشتمك حتّى تنتج قصائد جيّدة..».(39)

إن حرقة الجواهري مبررة كما تبّرر حرقة أي إنسان يصيبه الحيف ولكن المشكلة الكبرى تكمن في أنه مسلّح بعدّة مدّمرة ذات عتاد تاريخي .

كلنا نتذكر : لا تشتري العبد .. أو صه يا رقيع.. في حين رحل المهجوّ وانطوت صفحة ذاك العصر الأرعن.. إنّ انفعالية الجواهري تجعله ينسى في بعض القصائد ما يقدمه في البداية عن روحه المجبولة على قيم الرجولة والتضحية والمسامحة فينقلب إعصار ردّ فعله وعدوانه ليمحق المهجوّ شرّ محق :

أليت أُبرِد حَرَّ جمري

 

وأُديلُ من أمرٍ بخمرِ

أن أفتدي بدمي جريحاً

 

كان أن أُرديه نَذْري

———

ومخّنثٍ لم يُحتسَب

 

في ثيّبٍ خُطبت وبِكر

أقعى.. وقاءَ ضميره

 

ملآن من رجسٍ وعهرِ

«غالٍ»كأرخصِ ما تكون

 

أجورُ غير ذواتِ طهرِ

لم يُعل قدري – مدحُه

 

وبذِّمه لم يدنِ قدري

أسلمته للمبتلين

 

العارفين به بمصرِ

ولمن يرى أظفارهُ

 

قلمُ المباحثِ والتحرّي

                                                          (آليت – 1975)

وانفعالية الجواهري وحرائق أعصابه لا تخمد ولا تهدأ حتى وهو في الثمانين وهو ما يؤكد أنّ هذه السمة هي عصب شعره الحيّ النابض . في الثمانين ونفسه تجيش بإعصار وخافقته تحن للكأس والأسمار والغزل.. والأغرب أنه لا يزال يحمل رايته الحمراء الخفّاقة ليواجه ويطاعن من يحاولون نهش لحمه المقدّس :

يا (ابن الثمانين) كم عُولجت عنغصص غصص غَصصٍ

 

بالمغريات فلّم تشرَق ولم تمِلِ

نُبَّئتُ «شَرذمةُ الأذنابِ» تنهشني

 

بمشهدٍ من «رماة الحي» من تعَلِ

أيستثيرُ دمي «وغدٌ» و «صاحبُه»

 

بما يثيرُ رمالَ السَهْلِ، والجبلِ

                                                (يا ابن الثمانين – 1982)

وتسوق الانفعال شحنة عدوان هائلة مستبطنةٍ وتتستر به وتنعش الروح المتعبة المدّماة وتوفر لها حفزةً داعمة من التنفيس السادي ، العدوان الحرّ يطيل الأعمار والغضب المكتوم يقصّرها ، والدموع التي لا تنطلق تجعل الاحشاء تبكي :

 يا «صاحبي» وحتوفُ القومِ طِوعُيدي يدي

 

وكم اتقهم (رياح الموتِ) من قبلي

أجِل يراعك في أحبالهم مِزَقاً

 

فليس عنَدك بعد اليومِ من أجلِ

واضرب بهم أسوأ (الأمثال) سائرةً

 

حتى تثلِّم فيهم مضربَ المثلِ

                                             (القصيدة السابقة نفسها)

ومن المهم التذكير بأنّ السادية والمازوخيّة متلازمتان . وكثيراً ما توصفان بأنّهما وجهان لعملة واحدة فيكون من الأدقّ أن نتحدث عن مركبٍ سادومازوخي ، فحين يستعرض الشاعر ، قبل شنّ ردّه ، كيف يحاول البعض تمزيق لحمه وإثخان جسده بالجراح وكيف يريد المساومون الصلفون نصب الفخاخ له والإطاحة به عن عرشه .. وعندما (يصف) كيف أنّ الذئاب، المستكلبة تنهشه وتحاول تقطيع أوصاله وكيف يسير على الأشواك وتدمى أقدامه فإنه ، عن هذا الطريق ، مراقبة الذات وهي تتحطم وتدّمر ثم وهي (تنبعث) وتقاوم ووصف عملية الموت والتجدّد شعرياً يعبّر بحق عن تلازم وجهي المركب السادمازوخي ويقدم الوصفة العلاجيّة لتقرّحات النرجسيّة :

عدا عليَّ كما يستكلبُ الذيبُ

 

خلقٌ ببغداد وأنماطٌ أعاصيبُ

تسعون كلباً عوى خلفي وفوقهمُ

 

ضوء من القمر المنبوحِ مسكوبُ

يريحُ جنبيَ أن يُذكي جوانحكم

 

جمرٌ من الضغنة الحمراء منسوبُ

يبقى القصيد لظىً والأرض مشربةً

 

دماً، وتُذري مع الريح الأكاذيبُ

                                               (كما يستكلبُ الذيبُ – 1953)

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

تعليق واحد

  1. هشام القيسي

    حتى هذه الحلقة ، وما بعدها بالتأكيد ، تكون المكتبة العربية قد ظفرت بانجاز فريد للناقد الكبير د . حسين سرمك حسن ، ومرجعية هذا الظفر يعود الى منهج التحليل الذي يعتمده وهو بالتأكيد موائمة نفسية داخلية مع قياسات خارجية لأشتراطات مرحلة هامة من مراحل تطور النقد ، والناقد بحكم جمعه بين اختصاه العلمي وآليات مسار مشغله النقدي ، يكون قد عزز من اتجاه جاد وبناء سيؤسس عليه لامحالة وسيصار الى اعتماده .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.