فؤاد قنديل: نساء وألغام (5)

أنهيت إنشاء مركز صيانة بن جواد، ورأت الشركة تكليفي بإنشاء فرع لها فى طرابلس فانتقلت إلى هناك، حيث أثثنا مكتباً فى فيللا كبيرة من دورين ومعي عدد من الموظفين الإداريين فى الدور الأول، شغلت الدور الثاني كسكن لي وحدي، لأن كل الموظفين كانوا ليبيين يقيمون فى بيوتهم، وكذلك المصريان والتونسي . لم يكن العمل قد بدأ بالفعل، وكنا فى انتظار موافقات المسئولين والبحث عن المبني الرئيسي الكبير ، وكان هناك مبني مجاور استخدم كورشة لتصنيع علامات الطرق ولافتاتها حسب إرشادات المرور يشرف عليه مهندس فرنسي.
  عينت الشركة لي طباخا تونسياً عجوزاً اسمه “باجي” .. رجل لطيف وطيب جدا وماهر جدا فى إعداد الطعام الذى لا أستطيع أن أتقبله فى العادة.
     أنا وحدي من يقيم فى الشقة، والرجل لديه ابتكارات كثيرة، ولا عمل له إلا إرضائي.  أحبني جدا، وعاملني كأب أو كأم حتى أنه كان يصحو خصيصاً بالليل كي يطمئن على أني نائم فعلا ولا أحتاج شيئاً، وكثيرا ما كان يجدني فى عز النوم والنظارة نائمة على عيني والكتاب نائم على صدري فيرفعهما ويحكم الغطاء على بدني ويتأكد من غلق الشيش وإظلام الغرفة، يكفي النور الأصفر المتسلل من الطرقة عبر شراعة  الباب الزجاجية .
 باجي كائن قديم خارج من فم الأساطير المنقرضة، كل جزء فيه عبارة عن صناديق محشوة بالحكايات الشخصية، وكلها يحفل بالمعارك والهروب والاغتصاب والجنس والزيجات والفشل والصعود والهبوط والضياع والمجد.. ذاكرته قابضة على عدد هائل من القصص، حاولت أن أفهمها من بين لسانه الذى  يتكلم  الفرنسية فى الأغلب ، و التى يعوقها كثيراً غياب أسنانه، ويتعثر لسانه فى فكه الأدرد، لكنه مع ذلك لا يتوقف عن سرد حكاياته ويحزنه أنني مستمع غير جيد وفكرى دائما  مشغول.
 يسألني كل يوم قبل نزولي عما أشتهي للغداء فأقول له :
ـ  يكفي طبق مكرونة اسباجيتي وشريحة لحم وسلطات .
     عندما أعود فى الظهيرة وأتقدم من منضدة الطعام أجد عليها عشرة أطباق نصفها سلطات متنوعة وغريبة، أحاول البحث عن طبق الاسباجيتي فلا أعثر عليه، ولما أقف مندهشاً ومنزعجاً من سيجارته التى لا تفارق إصبعيه بصورة مستفزة، ينطلق شارحاً لي كل شئ بالفرنسية التى لا أعرف منها إلا الكلام العادي. اللقاء والتحية والخروج والدخول، لكن المصطلحات العلمية الدقيقة والتصوير الأدبي والأماكن  والشتيمة فأعجز عنها تماماً.
    شرح لي أنه صمم الطعام على شكل نجمة، من خيوط الميكرونة ورسم بالمايونيز دوائر صغيرة داخلة فى دوائر كبيرة، وأضاف السلمون وقطعا من عيش الغراب (أول مرة أسمع عنه).. وقلوب دجاج متبلة، وفوق كل ذلك صوص بالجبنة الرومي وفى الوسط عين عنزة، أما شريحة اللحم فهي كما أريد تماماً لولا الزيتون المخلي والجوز واللوز المقشر والبقدونس والبروكلي (سمعت عنه لأول مرة) المفروش تحتها مثل سجادة، وفوقها قطع صغيرة من فلفل أحمر وأصفر وأخضر على شكل كرة، فيها حفرة فى الوسط وقفت فيها شريحة جزر اسطوانية مقشرة.
  كل يوم بهذا الشكل، ويكون علىّ أن أهدم هذه المائدة وألتقط ما أحب وأدع ما لا أعرفه أو أستسيغه.. ألح علىّ كي يكون العشاء مثل الغداء فرفضت بشدة، لا كما يرفض الرئيس طلباً لمرءوسه، ولكن كما يرفض الابن بمنتهي الأدب والخضوع رأيا لأبيه.. باجي ضخم الجسم ولكنه بحكم السن تداعي قليلا.. كان إذا سار يجر قدميه، لكنه يتحول إلى عملاق إذا ثار ، ويحدث ذلك كثيراً إذا لم أقتحم الطعام اقتحاماً، فيصرخ فىّ قائلا:
ـ إن ديجول نفسه لم يكن يأكل من يد أحد إلا من يدي.
فوجئت عندما قال لي ذلك لأول مرة، واعتبرتها “فشرة” من النوع الثقيل والواسع.
قلت له : أنت طبعا لا تقصد ديجول فرنسا .
احتج بشدة لأني لم أصدقه.. أقسم أن هذا صحيح وأنه عمل سنوات مع (ديجول) ولم تسمح الأسرة له بإجازة ولو ليوم واحد، وظل معها حتى رحيل الرئيس  قبل سنوات وبالتحديد عام 1968.
  قال لي باجي أنه أحبني بعد أن استمع إلىّ ولاحظ كيف أتحدث مع الموظفين ومع كل مندوبي الإدارة.. وقال إنه سعيد لأنه يعمل معي، وأنني أتمتع بقدرة على الإدارة تجمع بين الشدة واللين.. الحسم والود.
    زادت أهمية باجي بعد أن علمت أنه يزور المهندس الفرنسي صانع علامات الطريق وابنته الجميلة التى تقيم معه..تحدث معه كثيراً عني، ونقل أخباره إلىّ..
    كنت أزور روجيه الفرنسي بحكم فراغي، وأشاهد عملية صناعة اللافتات ومراحلها، ونتبادل الحديث فى شئون شتي، وكشفت له عن رغبتي الحارة فى زيارة باريس ومدن فرنسية عديدة.. كان سعيدا وشجعني على ذلك مشيرا إلى الفارق الواسع بين فرنسا والبلاد العربية، موضحاً إنه لا يقلل من شأن دولة ما، لكن الحقائق والشواهد هى التى تحكم.
 تعرفت إلى ابنته. جميلة ورقيقة. لا تتجاوز العشرين. تعاونه فى العمل وتبدي مهارة لافتة.. اشتريت كتابين وأشرطة كاسيت لأتعلم الفرنسية. درستها من قبل، لكنها كانت مهملة، والعبرة بالاستخدام.. دعوتهما لتناول الطعام معنا.. رفض روجيه فى البداية. قررت أن أواصل الدعوة، إلى أن وافق وفرح باجي.. سألت روجيه:
ـ هل زرت مصر ؟
ـ لا.. لكني أتمني، فالحديث عن مصر فى فرنسا كثير جداً، وكل ما يقال مشجع، فضلاً عن بعض الأحداث التى تربط بين البلدين..
    قضينا وقتا طيباً . بدا أن مارسيل تميل إلىّ ، وكنت أميل إليها .  لا يمر يوم دون أن أذهب وأشرب النعناع معهما وأسألهما عن بعض معالم باريس، ويسألاني عن بعض معالم مصر وأخبارها والحرب الأخيرة.. مارسيل تحب الرسم، انفتحت لي بوابة صغيرة من الحديث الذى يمكن أن يطول وأن تزينه عقود الياسمين.. حديث عن المصورين واللوحات العالمية.
  قضيت أسابيع رائعة، أتجول فى حديقة الحب وأتنفس عبيرها.. يا لروعة الإحساس بأن تحب وتحب..كانت العيون هى الوسيلة وهى ألطف وأدق وسائل التعبير خاصة إذا كان والدها موجودا، وإذا غاب عنا لحظات فالكلمات ولمسات الأيدي العابرة، ولم أكن متهورا وإن كنت أرغب من كل قلبي فى التهور..لكنني كنت أحاول الحفاظ عليها بكل ما أملك.. يجب أن تظل فى علبتها البللورية وردة فاتنة لا تمسها يد ولا تعبر فضاءها ذرة غبار، إلى أن أتيحت الفرصة فتقدمت منها مترعا بالشوق واللهفة، ودنوت أكثر وأكثر تسبقني غوايتي، ودنت منى غير قادرة على كبح شعورها الفياض .
   التقت الشفاه، وسرعان ما نهلت من رحيق يتعذر  وصفه.. ذبنا تماماً وغفلنا عن كل شئ. ونجانا الله فقبل ظهور روجيه سقط منه الكتر (السكين) فانتبهنا ، وسقط كل منا بعيدا على كرسي . كنت أشعر أنني فى شبه غيبوبة وأني لا أكاد أري أو أسمع  ..تمنيت ألا يسأل روجيه عن شئ، أو يقول كلمة تستحق التعليق  “لن أرد عليه ولن ترد”.. مخدر أنا ومفكك خائر القوى والأعصاب. لم أجد حلا للخروج من الشرنقة إلا بابتلاع ريقي والنحنحة لتسليك الحنجرة وهز رأسي حتى أعود إلى الدنيا، وفعلت مثلي، نظرت إليها، فرأيت بسمة رائعة تورد الوجه الجميل، وتضفي عليه بهاء، كأنها شفيت بعد مرض.
  استأذنت للانصراف، وصعدت إلى حجرتي وهويت على السرير .. لم يحس بي باجي الذى كان فى مطبخه يتعامل بتركيز شديد مع اختراعاته العجيبة. كان على أن أستدعي اللحظات التى تهون الحياة من أجلها ، وأحتاج أيضاً إلى التركيز لتقييم التجربة والتفكير فيما يمكن أن يحدث مع الخطوة التالية. 
  رغم لهفتي التى تأججت إلا أني تماسكت وسيطرت تماماً على مشاعري ومنعت نفسي من الزيارة، إلى أن فوجئت بروجيه يدخل علىّ حاملاً عرضاً من شركة تود منه أن ينفذ لها بعض اللوحات، فأوضحت له أن العرض يجب أن للشركة وليس له، وبعد الاتفاق بين الشركتين يكلف بالتنفيذ.
  دعاني لزيارة بيته فى المساء. زرته وتناولنا بعض المأكولات الخفيفة والمشروبات، إلى أن قال:
ـ أنا معجب بك وراض عن علاقتك بابنتي.
   وقفت قطعة البتي فور فى فمي.. واصل
ـ نعم. لا تدهش. الكتر لم يسقط رغما عني.
أحنيت رأسي خجلاً، واصل.
ـ مارسيل سبقتك بالاعتراف لي، فقلت لها: أعرف كل شئ، وأنا أقول لك. الحب علاقة رائعة، لكن ما مستقبلها فى حالتكما ؟ قلت بسرعة وفرح:
ـ الزواج .
قال بمنتهي الأدب والرقة:
ـ هذا ما أود الحديث معك بشأنه.. تفضل
  صب لي كوباً من البيرة، فرحبت وأنا أتوجس من تصرفه لأن هذا ربما يكون معناه تهدئتي والافلات من تحقيق رغبتي، وأظن إنها رغبة مارسيل أيضاً.. قال:
ـ أنت عربي وهى فرنسية.
قلت له: أنا مصري
 ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ  ليس ثمة فرق
قلت: واضح إنك لا تعرف الكثير عن العالم العربي، أو عن مصر بالتحديد.
ـ اسمعني أولا ثم احكم.
ـ تفضل.
ـ لا أتحدث عن العمارات الكثيرة فى مصر والبيوت القديمة فى ليبيا.
   لا أتحدث عن الجامعات الكثيرة فى مصر وعدد محدود منها فى تونس و الجزائر
   لا أتحدث عن أن هناك سينما فى مصر ولا توجد سينما فى سوريا أو المغرب.
ـ عما تتحدث إذن؟
ـ أتحدث عن التفكير.
قلت وأنا أوشك على الانفعال:
ـ أليس ما ذكرت له تأثيره على التفكير؟
قال بسرعة وكأنه يعرف فيما أفكر: لا
مططت شفتي مندهشاً ، و  تعبيرا عن عدم قبول الرأي، وعدم فهمي أيضاً
قال:
ـ انظر لتفكير الرجل العربي أو الشرقي، وتفكير الأوروبي.. تأمل تصرفات الزوج العربي والزوج الأوروبي.
قلت بحماسة: أنا مختلف.
قال: لا تصدق نفسك.. ربما تكون مختلفاً ساعة أو ساعتين أو فى تفصيلة ما، لكنك على بعضك شرقي، يجري فى دمك حب السيطرة، والتدخل فى كل شئ، والمحاسبة على كل صغيرة حتى الأحلام و..
حاولت طويلاً المقاومة، والحديث عن الحب وعن احترامى البالغ  للمرأة ، وإيمانى بحريتها  فى إطار منظومة نتفق عليها ، وأن المرأة لا تضرها الحرية  خاصة إذا امتلكت الثقافة ،  وأرى أن المرأة  هى بانية البيت الحقيقية  ، والثقة بها تطور الحياة وتقوى الحب .. قال فى النهاية:
ـ أرجوك.. إنها ابنتي الوحيدة، وهى ليست ابنتي فقط . هى حبيبتي وزوجتي وأمي وأختى وكل الدنيا.
ـ يعني..
ـ لا تتعد حدود الصداقة بسنتمتر واحد، وإلا سأترك ليبيا وأرحل خلال ساعة.. أنا جواز سفري معي وليس مثلكم، جوازات  سفركم مع صاحب العمل.
ـ لكن.
ـ اتفقنا ؟
 ـ ..
عاد يسألنى
 بصعوبة قلت: اتفقنا.
  رأي أسفى الشديد على وجهى وكأنى على وشك البكاء . 
 وقف وأمسكني بقوة من كتفي وربت عليهما، ثم أوقفني وعانقني، ونادي مارسيل التى كانت مثلي تماماً رغم إنها كانت فى غرفة أخرى .. طلب منا أن نتعانق، وأن أقبلها فى خدها وتقبلني فى خدي، وتسلم علىّ وأن تطل فى عيوني وأطل فى عيونها ونقول معاً.
ـ أصدقاء.. أصدقاء.
  لما عدت ولاحظ باجي حالتي. سألني:
ـ ألم تطلبها ؟
  حكيت له كل شئ، فأخذ يشتمني بالفرنسية  أظن أنه كان يشتمنى أو على الأقل كان يعبر عن رأيه فى تصرفى بوصفى متخاذلا ولا أستطيع إدارة المعركة من أجل حقوقى  المغتصبة .. صرخ وثار وضرب الهواء، انحني واعتدل، وتحدث تقريباً عن حياته وكيف اقتنص زوجته الفرنسية من أهلها، ثم انهار وبكي طويلاً عندما تذكر أنها ماتت منذ سنوات فقط .
    أخرج لأول مرة صورتها.. تذكرت أنه قال فى أثناء ثورته أن فتاته كانت أجمل بنات فرنسا، ولكنها فضلته، ولم أجد فى الصورة ما يشير لشئ من ذلك، لكنني لا أستطيع أن أزعم أن كل كلامه كذب.. استسلمت لفكرة: خذوا عيني وشوفوا بها.
عدت إلى نفسي.. ربما كان نجيب سرور الذى قال:
إذا ما الطائر الصداح قد هدهده اللحن
ورفت نسمة الفجر على أشجانه تحنو
هناك السحر والأحلام والألحان والفن
وهناك الطير مثل مسيح
يغني لحنه للريح
ذبيحا.. من قرارٍ ذبيح
* * * * *

       فى جلسة لى مع بعض الأصدقاء فى ميدان الجزائر بوسط البلد ، عرفت من صديق أن   الشرطة قبضت على أخيه وعدد من اليساريين ، ونقلت السلطة عددا آخر من المؤسسات الصحفية، وكان بعضهم قد غادر البلاد  منذ عام 1971، ثم فتح السادات الباب للإسلاميين كي يواجهوا الشيوعيين فى الجامعات والنقابات.. تصور كالعادة إنها فكرة عبقرية، وهى من أسوأ الأفكار التى يمكن أن تلحق الدمار بمصر.. إنها المصيبة  الثانية  التى حاقت بالمنظومة السياسية بعد مصيبة 99% من ورق اللعب فى يد أمريكا .
أنا فى غاية العجب من موقف الحكومة من الشيوعيين بالذات .. لم يكف النظام المصري فى كل عهوده عن التربص بهم ومطاردتهم وضربهم وحبسهم منذ الثلاثينات مرورا بالأربعينيات خاصة أيام صدقي، وأسوأ ما تعرضوا له كان أيام عبد الناصر مع أنه صاحب الأفكار والرؤى الأقرب إليهم، وهم الأقرب إليه.
صدمة ثقيلة لا تفتأ تهاجمني رغم مرور عشرات السنين  .. لا أستطيع تقبل  أحداث  حبس الشيوعيين 1959ـ1964 إلا على  أنها   موقف عدواني  بل مفرط فى العدوانية تجاه هذه المجموعة من المفكرين والمناضلين، موقف يتعارض تماماً مع دورهم وأفكارهم .
    كنت دائما  أتصورهم  من أكثر الجماعات وطنية،  فهم ليسوا أقل وطنية من الأخوان المسلمين ، لأن الشيوعيين ومن تبعهم أو دار فى فلكهم يعملون من أجل الوطن ويزيد الأخوان فيعملون من أجل الدين، وأنا شخصياً أري أن الدين ـ كما قال أبو طالب ـ له رب يحميه، أما الوطن فهو الأولي باهتمامنا  ..نحن الذين يتعين علينا حمايته .. ولا يمنع هذا من أن أعترف أني فى غاية الحزن لما أصاب الأخوان المسلمين من تعذيب وملاحقة وحصار، وربما كانت توجهاتهم العنيفة وخططهم للتدمير والقتل وهى ثابتة حتى قبل الثورة السبب فى هذا الموقف ضدهم ، و كان النظام  متعنتا ومتأهبا للانقضاض عليهم فى كل وقت مما  تسبب فى كثير من ردود الفعل سواء فى الستينات أو هذه الأيام فى السبعينيات. أما الشيوعيون فلم يكن سلاحهم العنف على أى نحو ، وظل دائما مقصورا على  الكلمة مكتوبة أو منطوقة ، لذلك ينتابنى إحساس عميق بالأسى بسبب ما يحيق بهم ومن بينهم كوكبة من أفضل من أنتجت مصر من المفكرين . خسارة، وألف خسارة ، ولعنة الله على السياسة والسلطة التى يشوب حساباتها الكثير من الالتباس والغرض والمرض  والعقد .

* * * * *
    ما إن نزلت بالفندق الصغير الجميل القريب من شارع بورقيبة و وعلى بعد خطوات  من فندق أفريقيا حتى انهمر المطر وظل يضرب الزجاج بعنف كأنه يطلب الدخول ويلح فيه.. سقط المشهد على رأسي ثقيلاً مسبباً لتعاسة بلا حدود، تطلعت إلى السماء فوجدتها سوداء، وكثيفة وملبدة بغيوم لا تخف حدتها رغم ما هطل.
نزلت إلى البهو وتأملت الشوارع من زجاج الباب الكبير.. لم يكن ثمة أمل فى الخروج، قد كنت أحسب ـ لأني أحب المطر ـ أن بالإمكان تحمله ولو بمظلة، أو التحايل عليه إذا كان متقطعاً، فيمكن السير ثم التوقف تحت الشرفات، لكنه كان فيضاناً تكسرت كل سدوده هابطاً من السماء، لا ليغرق الأرض، بل ليحولها إلى بحور.. كنت مشوقاً لكل ما يمحو ذكري الصحراء الغائرة وأن يعيد إلىّ غواية المدينة وبهاءها، ووعدت نفسي أن أتجاوز كل الخطوط الحمراء، وكل المحاذير الأخلاقية والدينية، منحت نفسي ترخيصاً بالعبث، فيكفي ما تحملت، وأهلا بك يا تونس.
 بقيت فى الغرفة أشاهد التليفزيون وأنام، ثم أطلب الطعام . السماء لا تسمح لي بتأمل الشوارع، فالمطر ينهمر وأنا أسمعه بكل وضوح، وزجاج النوافذ فى الغرفة تتعلق به حبات المطر فيبدو كأنه مهشم.
  استمر الوضع المأساوي على ما هو عليه، متعمدا أن يعمل ضدي بمنتهي الإصرار والتصميم، ولم يترك لي ساعة واحدة ألتقط فيها أنفاسي، وألتمس حظي فى المشاهدة والترويح.. لقد سافرت وتكلفت وتعذبت وجئت لأطلق لنفسي العنان وأملأ عيني بجمال المدينة، وأتعرف إلى أهلها وحضارتها ..كم قرأنا عن تونس الخضراء! فإذا الصحراء تبدو لي أفضل بكثير .. لست فيها على الأقل محاصرا على هذا النحو البشع.. هل المسألة لها علاقة بنيتي الملتبسة؟!
      فى صباح اليوم الرابع، فتحت عيني على ضوء الشمس وصفاء السماء وتلاعب النسيم بالشجر وتعالي شدو العصافير، بينما تمرق مسرعة من غصن إلى غصن..  تظهر واحدة  فجأة وتستقر على زجاجي  . تنقر عليه نقرات  رقيقة  وتنفض أجنحتها الصغيرة ثم تنطلق بعيدا. تصورت أنها توقظنى من نومى ومن تعاستى لتقول : هيا . الفرصة اللآن متاحة .
    أسرعت بالنهوض.. مضيت أدور فى كل المدينة، لا يتبقي أمامي غير نحو عشرين ساعة، فمنذ صباح الغد، ومن الفجر إذا استطعت. يتعين على أن أتخذ طريق العودة .
  سرت وركبت والتقطت الصور، وشاهدت الرجال والنساء.. استمتعت بالمدينة الجميلة ذات الأبنية البيضاء. ركبت القطار إلى بنزرت للقاء صديق عزيز، فلم أجده.. قيل سافر إلى فرنسا للعمل.
  عدت إلى تونس.. تناولت الغداء فى مطعم على البحر.. خدمتني فيه فتاة رشيقة وجميلة، حسنة الحديث والصوت. لها ابتسامة تضىء الوجه كله .. لم أترك المطعم بسببها إلا بعد ساعتين.. شربت زجاجتين من البيرة وظللت هناك وأنا أتعلل بأي شئ كي أناديها.. طلبت إليها أن تجلس معي ولو ربع ساعة فرفضت لأنها الأوامر.. كلما جاءت تأملت طابع الحسن فى ذقنها وشعرها الأسود والشفتين الحمراوين المرسومتين بإتقان بالغ.. كنت أسعي لإضحاكها كي أسمع رنة قهقهاتها وصدرها يرتج ابتهاجاً. وأفرح عندما تسألني عن الممثلين المصريين وتدهش عندما أقول لها:
ـ إنني أعرفهم جميعاً
أضحك لأنها تسألني:
ـ هل رشدي أباظة متزوج ؟
ماذا يفيد الساذجة إذا كان متزوجاً أم لا ؟
تعاود الكرة:
ـ أعرف إن عبد الحليم غير متزوج.
ـ فعلا غير متزوج.
فتفرح.. أقول لها:
ـ سأطلب منه أن يزور تونس.
 تقفز كالمجنونة وتقول: بجد.
  ثم تشرد .. يخامرها الأمل أن تراه إذا جاء، وقد يحدث ما هو أكثر من الرؤية.
  كان على أن أغادر فما كان يسيراً أن تأتي معي إلى الفندق، خاصة أني لست مقداماً فى مسألة دعوة النساء.
   سرت فى الشوارع أتطلع إلى النساء لعل واحدة منهن يمكن أن تسليني وتسقط غبار الصحراء فى آخر ليلة.. لم أجد الشجاعة لفتح باب الحديث. كلما عزمت وحددت من أتصور أنها مناسبة ودنوت  منها وأعددت الكلمات ، كنت أسرع بالتراجع والفرار.
     لم يكن بد من السؤال عن بيت بغاء، وقد عانيت طويلاً حتى سألت.. دلني رجل عليه، وكان لحسن الحظ قريباً.. استقبلني شخص وأشار لي على شباك التذاكر.. دفعت دينارين، وجهني كي أسير خلال ممر ضيق طويل حتى بلغت ردهة فسيحة، لمحت طابورا طويلاً.. وقفت فى آخره وتطلعت إلى أعلى.. البيت العربي منه للسماء ومنه لله.. على جوانبه شرفات تفضي إلى غرف، بها نساء، إذا انتهت واحدة منهن من أداء مهمتها مع ضيفها خرجت إلى الشرفة نصف عارية تمضغ اللبان وتحدق فى الصفوف.. لعل من نصيبها شاب وسيم.
   تمنيت ألا يكون من نصيبي امرأة سمينة أو دميمة أو ثرثارة أو تكون من كثرة الوطء قذرة وعرقانة ..و .
   أخذت أمني النفس بألا يقع حظي فيما أكره وأنفر.. صرت أمتعض من صورة كل امرأة يمكن أن تصبح عذاباً أو عبئاً أو لعنة أو عقاباً.. أو.. فجأة ارتعدت أعماقى وتقلصت روحى  كأن يدا حديدية تعتصرها .. انطلقت خارجاً من الصف ومندفعاً إلى الخارج  .. نادي على متابع الصف فلم أستجب، وناداني من استقبلني على الباب فلم أعره التفاتاً، كنت أفر فرارا  كأنى أفر من حريق .. مضيت أجري حتى بعد أن تركت المباءة بعدة شوارع وحاولت أن أتقيأ عدة مرات، إلى أن وصلت إلى الفندق فحزمت متاعي وأسرعت إلى موقف الميكروباس، فلحقت بسيارة مكدسة، لم أستنكف من الركوب فيها، مع أني أضيق بالزحام.. وكم ركبت سيارة وحجزت مقعدين لي وحدي!.
     كنت فخورا بإدارته للأداء العسكري فى حرب 1973، على الأقل فى مراحلها الأولي، لكني شعرت بالسخط عليه لأنه قال عشرات المرات :
ـ إن 99% من ورق اللعب فى يد أمريكا ..   مصير العالم بيدها ، وعلينا أن نتقبل كل ما تشير  به، وننفذه بلا أي نقاش.. منتهي المهانة والضعف والاستسلام، حتى لو كان ذلك صحيحا .
  تعمق السخط مع إعلانه سياسة الانفتاح المجنون. أرسلت لوالدي رسالة.أقول له فيها :
ـ   يبدو أن المصريين لا يعرفون معني الانفتاح.. كل ما يعنيهم أن الأبواب فى وجه الاستيراد ستفتح على مصراعيها ، وسوف يغمر الشوارع  التفاح والجوز واللوز والملابس الملونة والأجهزة الحديثة بكافة أشكالها، وكل شئ فى الدنيا سيصبح متاحاً لينتهي عهد الانغلاق والتقشف وربط الأحزمة.
   سيحدث هذا فعلا، ولكن الأهم أنني أتوقع ارتفاعاً رهيباً فى الأسعار لن يحتمله المصريون، وأتوقع انهيارا لمنظومة الأخلاق وغير مستبعد أن تقوم ثورة شعبية، وتكثر العداوات بين الأهالي، ويختفي تماما كل ما يشير إلى الكرامة والاستقلال.. إنني أكاد أري شكل مصر فى عهد السادات حسب توجهاته.. أراها امرأة تائهة وجائعة ومطرودة وربما تأكل من بيع أولادها ولم أرد أن أقول له كلاماً قبيحا ولكنه دقيق.
  فى هذه الأثناء حدثني المخرج المصري مدحت بكير عن عزم دار الخيالة الليبية إنتاج فيلم تسجيلي عن ثورة الفاتح لمدة ساعة يتناول دورها فى تطوير ليبيا وخدمة الأمة العربية، وتم تكليفه بإخراجه وطلب منى إعداده وقال إنه رشح اسمي لهم فطلبوا منه نقل رغبتهم إلى فوافقت. 
  عملت فى الفيلم وأنهيته، ثم فوجئت به يطلب منى إضافة عشر دقائق عن دور الثورة فى مقاومة الرجعية، وعندما سألته عن المقصود بالرجعية، قال :
ـ   الملوك العرب فى الخليج والسادات وبورقيبة والحسن الثاني
 صرخت فيه رافضاً أن أمس السادات بكلمة، السادات رمز لمصر ولا يجب أن نتحدث عنه إلا بكل تكريم فهو رئيس مصري فضلا عن أنه بطل الحرب الذى أخرج الكلاب من سيناء.
        كان عبد الغني قمر ود. حكمت أو زيد وبكير، قد طلبوا من قبل الاشتراك فى مسيرات مضادة للسادات ورفضت بشدة، قلت:
ـ إن حرب أكتوبر 1973 أدخلت السادات التاريخ وعبارته 99% من ورق اللعب أخرجته منه وسوف تكمل المسيرة سياسته الانفتاحية التى ستقضي عليه تماماً، ومع ذلك فمن يذكره بسوء خارج مصر سأقف ضده بكل الوسائل، وطلبت من مدحت أن يرفع اسمي من الفيلم، وتم ذلك ولم تدفع لي الدار بقية حسابي وأنا لست نادماً بالمرة.
  غرقت فى التفكير فى محبوبتي ..  مصر التى يبدو أن حظها قليل، ما إن تفيق عدة سنوات من الهم والعذاب حتى تعصف بها العواصف وتهدد سلامتها الرياح.. أليس فى مصر رجل رشيد ينصح الحاكم بما هو صواب ؟!.. مصر تمتلئ بالحكماء، فلماذا يضعفون وينافقون أو يخافون أو ينعزلون أو ييأسون أو يهربون؟  أو يستسهلون وتحني رقابهم المكاسب وتلوي أعناقهم الوعود؟
ألمس تغييرا واضحاً فى فهمي للحرية، ورغم إحساسي الغامض بها طوال عمري، فقد نضجت متأخرا لأتفهم بحسم معناها ودلالاتها. كثير من الأمور لا أتنبه لها مبكرا،  ربما كان حسن ظني بالعالم هو السر فى عذرية أفكاري، وقد شهدت السنوات الأخيرة بشكل حاد انغماسي  فى مواقف تكشف لي بجلاء معنى الحرية حتى غدوت لا أري الحياة بدونها، بل لا أتصور الكرامة بدونها، ولم أعد أنظر إلى أي سلوك أو فكر أو متعة أو قرار إلا من خلالها.. أمست كل حساباتي فى مسيرة حياتي وإقبالي على الحياة تعبر من بوابة واحدة هى الحرية التى لابد تتضمن الاحترام الكامل للكرامة.. الأمر الذى يفتح الطريق إلى الاستغناء.. وأنا متأهب له دائما.

شاهد أيضاً

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *