آخر كتاب للراحل “ناظم السعود” ألمدوّنة ألحادية عشرة اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/51)

باسم عبد الحميد حمودي :
انتبه لمحنة ادباء العراق !

قبل أكثر من خمسين عاما أطلق الدكتور طه حسين حكمته المعروفة و التي أصبحت نبوءة للأجيال اللاحقة إذ قال هذه الكلمات ( الصحافة مفسدة للأدب ) و أرى أن هذه الحكمة البليغة توجز إشكالية عانت منها و تعايشها حاليا جمهرة واسعة من الأدباء الذين سقطوا في فخ الصحافة .
تذكرت هذه الحكمة قبل أيام ،وإثناء زيارة عابرة لجريدة المدى، حين وجدت نفسي أمام الباحث العراقي البارز الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي , كان يتشاطر علبة خجولة يطلق عليها مكتب مع الشاعر محمد درويش علي وقد انكب على أوراق يراجعها ومضامين يصوبها وهو يبدو لي في عجلة من أمره..بالضبط كما كان في عجالة دائمة منذ عرفته قبل أكثر من عشرين عاما .
طبعا الذي يعرف الأستاذ باسم عبد الحميد يدرك أي محنة يعيشها المثقف في مجتمع استهلاكي غير منتج يفتت مواهب مبدعيه و يضيع الأهداف الثقافية التأسيسية في مجالات يومية آفلة فحمودي علم ثقافي عراقي كانت له آثاره الإبداعية و النقدية طوال خمسين عاما ويزيد كما انه دارس و باحث في التراث الشعبي وله مصنفات تعد مصادر في أبوابها ،لكنه منذ سنوات طويلة اضطر صاغرا للنزول من أبراج النقد والدرس والتحقيق والركون الى دوامات العمل الصحفي بما فيها من كواليس ودسائس ونزيف للزمن والجهد والصحة.
لماذا أقول كل هذا و هو معروف و مؤشر ؟ أقوله لأنني أجد نفسي حزينا و مغتاظا لان هذا المثقف الحيوي وجد نفسه مدفوعا الى الانضواء في أساليب عمل يومية تأكل من جرف الإبداع و حافات الصحة و أقاليم العمر فالصحافة و الإعلام لا يستقيمان مع موهبة رصينة إذ هما قنوات استهلاكية مباشرة تجعل المنضوي فيهما في مخاض عسير لإنتاج الزائل و الآني و الهامشي بينما الموهبة الأدبية تنشد المصب و أعالي المعرفة و محطات التأسيس و هذه كلها كانت متاحة لحمودي و سواه لكنهم وقعوا أسرى لقدرية الحاجة وحكم الضرورة فاندفعوا الى مجريات السواقي بينما نصيبهم أن يخوضوا في المحيطات الواسعة و هذا غير متاح لان بلدنا قريب من المدار الصحراوي !.
في ذلك اليوم الذي التقيت فيه هذا الباحث والناقد المرموق وجدته يحيل إلي شكوى كظيمة كأنه يزفرها من ذات حرّى ملّت الكتمان ،أشار إلى أوراق متراصة قائلا (( منذ عام ونصف لم استطع إكمال هذا الكتاب!)) ولئن تواضع عن ذكر الأسباب فانا اعرفها جيدا وعلى تماس معها من ثلاثة عقود واختصرها بأنها
محنة الأديب الذي يقع فريسة مهنة هي بعيدة عنه وتكاد تجرفه بعيدا عن جذره الإبداعي الذي عرف به ، ولا اقصد هنا أولئك الأدباء الذين يرسلون كتاباتهم ونصوصهم إلى هذه الجريدة او تلك المجلة لتنشر بشكل منتظم (دوري) او حين يعن له النشر فهذا مما هو مألوف ومتداول عند أدباء العالم.. ليس هذا ما اقصد بل اعني حالة الأديب الذي يتخذ من العمل الصحفي مهنة يومية له تسوقه لهذا الاختيار دوافع شتى لا مجال لذكرها هنا، وما دمت في حضرة الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي فلأكن أكثر تخصيصا فأقول انه خسر الكثير وضاعت على المكتبة العراقية بعضا من ثرائه المعرفي حين اندفع ( ربما مجبرا) الى العمل في الصحف والمجلات محررا ومسؤولا عن أقسام ثم رئيسا للتحرير كما حصل مع مجلة التراث الشعبي وأخيرا ها هو يعمل في السنوات الأخيرة محررا في جريدة المدى اليومية.
الذي يؤلمني هنا ان الباحث والناقد باسم عبد الحميد( وقد تجاوز السبعين من عمره المديد ) يخوض معركة ليست له وهي تبدو خاسرة قطعا وكان الاوفق له وللحركة الثقافية ان يتفرّغ لخاصته الإبداعية وللحقل الذي عرف به كناقد ودارس من الطبقة الأولى في بلادنا وان يكمل نقوده وأبحاثه الجادة التي واكبت وأشرت وبشّرت بأهم الأصوات العراقية ولا سيما في حقول القصة والرواية والشعر لا ان يندغم في ( حقول أخرى) مثل فحص البريد وقراءة وفرز الصالح للنشر من عدمه او الدخول في حوارات ( وربما معارك!)النشر والحسابات والمكافآت وسوى ذلك!!.
ان ما اذكره هنا ( وقد ذكرته سابقا لحالات نظيرة مثل: فاضل ثامر وخزعل ألماجدي واحمد خلف ) يدفعني للهمس في أذن الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي وغيره ممن ذكرت وذكرّت: انتبه لمحنتك وعد الى حكمة طه حسين … فهل بعد كلام( العميد )من مزيد؟!!.

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

غسان كنفاني والكتابة للأطفال وعنهم
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/23)

ما زال غسان كنفاني مستعادا؛ مقرؤءا ومدروساً، على الرغم من مرور ثمانية وأربعين عاما على …

تعليق واحد

  1. اتمنى كل افراد الشعب العراقي معي باستثناء بضعة أشخاص يعيشون في المزابل، أن تنجح الثورة في فرض حكومتها، عندئذ سينصف أمثال استاذ الجيل الكريم باسم عبد الحميد حمودي وغيره، ولعلنا نستطيع العودة من المنافي لنموت في بلادنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *