محمد علوان جبر : مقبرة عبد الكريم

مقبرة عبد الكريم

محمد علوان جبر
سيحيلكم الإسم حتما إلى مسمى شخصية لم يختلف على محبتها إلا القلة؛ كيف لا، وهو إسم يحمله الزعيم عبد الكريم قاسم ! لكن الذي أعنيه بالعنوان ليس عبد الكريم قاسم إطلاقا ، بل هو طفل ولد في ستينات القرن الماضي الفترة التي كان يحكم فيها الزعيم عبد الكريم قاسم ، والده كان يحب الزعيم حاله حال الكثير من أباء وأمهات تلك الفترة ـ وهذا الحب جعل مواليد تلك الاعوام من الذكور يحملون اسم عبد الكريم والاناث حملن اسم ” كريمه” ماعنيته بالطفل هو أن اسمه الفني الذي عرف فيه فيما بعد صحفيا مرموقا وقاصا مائزا روائيا كبيرا استطاع أن يحصد الكثير من الجوائز على اعماله سواء التي حولت الى مسلسلات أو أفلام ـ هو بكل بساطة ومحبة ” عبد الكريم العبيدي ” وستسألوني هل تعني به الروائي الذي حصد جائزة كاتارا في الدورة قبل الاخيرة صنف الروايات المخطوطة ؟ أجل هو بعينه … وهذا الأمر ـ أعني حصاد الجوائز ـ يعد سواء رضينا اولا مفخرة كبيرة لنا نحن المعنيين بالكتابة والقراءة مفخرة للوطن .. مفخرة للرواية العراقية التي فرضت نفسها بقوة على منصات الجوائز العربية والعالمية … كذلك أقول مرة اخرى ليس هذا موضوعي عن عبد الكريم العبيدي !
سيصيبكم الملل لعدم دخولي مباشرة الى الموضوع وهو ( اللافتة) التي سربها أحد (اصدقائه) الذين شاركوه حفلته ، وبقي اسمه مجهولا ، لم يعرفه أحد وللاسباب التي ساشرحها ، في اللافتة كانت هناك دعوة من الروائي عبد الكريبم العبيدي واعلان لحفل توقيع روايته ” كم أكره القرن العشرين ـ معلقة بلوشي ـ لحد الأن الموضوع عادي بل عادي جدا ، أن يعلن كاتب ما عن دعوة للإحتفال بروايته الصادرة حديثا ، لكن ما أثار الغرابة والداعي الى كتابة هذا المقال، ليست كلمتها الاعلانية الاولى التي تقول ” تقيم مقبرة الغزالي حفل توقيع رواية … وهناك اشارة واضحة فيها الدعوة التي اشرت اليها ” والفانتازيا ليست هنا اطلاقا “الفانتازيا هي في ختام الاعلان ” التي تقول أن “الدعوة للموتى فقط !” الموتى هم الشهود على حيواتنا التى عشناها والتي سنعيشها، شهود على رواياتنا ـ وهذا مقطع مستل من الشهادة التي قرأها الروائي في المقبرة ـ .. الموتى حصرا .. لانريد للأحياء ان يصلوا او يتواصلوا مع الحفل .. فهم دنس .. الموتى هم من يستحقون هذا الاحتفال الكبير .. اقول الكبير لاننا نعرف أن مجرد احصائية صغيرة لعدد الموتى ومقارنة عددهم بعدد الاحياء فسيتحول الاحياء بقضهم وقضيضهم الى مجرد صفر على الشمال بالنسبة لعدد الموتى على مر السنين …
اوجه السؤال الان … ” هل سمعتم بسخرية من الحياة أكثر مرارة من هذه ؟ ” هل سمعتم بكلمة أغرب من ” تقيم مقبرة .. حفلا لتوقيع كتاب والدعوة للموتى فقط ” ولم يعرف أحد ـ حتى الكاتب نفسه ـ مَنْ مِنَ الموتى الذي سرب الخبر؟ وهل كان متفاعلا مع الحفل أم رافضا له ؟ لم يوضح لأحد موقفه كل مافعله شيء واحد ، صور اللافتة وبثها في وسائل التواصل الاجتماعي ووصلت الينا كما كتبها مؤلف الرواية أو الجهة المشرفة على اقامة الاحتفالات في مقبرة الغزالي ، الأمر الذي اثار استغرابنا وأعتقد ان هكذا فكرة لم تخطر في عقل ومخيلة كتاب السريالية في العالم منذ بريتون ومرورا بسارتر وعمالقة الفنون وتيارات اللاوعي .. التكعيبيون بكل جبروتهم .. أراهن على هذا .. رامبو بكل ما في مخيلته من إستعداد للتمرد وسخرية من الواقع .. مارصده ” كولن ولسن ” برائعته ” اللامنتمي ” لم يرصد ظاهرة وحدثا كهذا، وحينما سألنا عبد الكريم عمن سرب الخبر ، اشار الى قبر معين يتوسط مقبرة الغزالي ، حيث كانت الريح تحرك وريقات رواية بغلاف اصفر وضعت على مرمرة القبر كتب عليها ” كم أكره القرن العشرين ” .

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *