مهدي شاكر العبيدي: ناصر الدين الأسد ؛ العالم المفكر والأديب الشاعر

أرى أنَّ الباحث الأردنيَّ الأستاذ أحمد العلاونة لم يكن هذه المرَّة متوفقا ً في عنونة كتابه هذا الأخير باسم : ( ناصر الدين الأسد العالم المفكر والأديب الشاعر ) ، لأنَّ العَلم الذي استلفتََ نظره بنشاطه الفكري الفائق وحيويَّته الملحوظة ، واستدعاه لأنْ يتقصَّى وراء أسرار حياته ويتدارَس شؤونه وما مرَّ به من حوادث وتجارب كانتْ كفيلة بأنْ تبلغه ما يتمنى من الرغائب والآمال ، وتوفي به على ما يتوق له ويرنو صوبه من المطامح والأشواق ، لم يكن بينها مزاولة الشعر ومكابدته ، ولا هي في الصميم أو الجوهر ممَّا اشتهر به في الأوساط والمحافل وذاع عنه ، ولا يبخسُ قيمته ويُضَائِل من شأنه أنْ لا يُعَدَّ شاعرا ً ، وألا ينظر الكتبة والناقدونَ لتلك الشواهد والأنموذجات القليلة أو الكثيرة المأثورة عن أنـَّه نسجها بدواعي تأثره بالظروف الكالحة الصعبة التي اكتنفتْ حياة أمتنا وفتـَّتْ في عضدها وأوهَنتْ عزمها على أمل أنْ تداري خيبتها وتغالِب محنتها ، فليس فيها من فنِّ الإبداع وجديد الابتكار ووثبات الخيال والمعنى سوى البيت والثاني في القصيدة الواحدة ، إلى جانب نظائره من أبيات يمكن أنْ تخطر لبال غيره وتخالج وجدانه ، على نحو غير موح ٍ بالمشاعر القوية والفارضة عليه أنْ يتخيَّر لها من الألفاظ الموافقة ما يصوغها ويتكفل بها ، إنـَّما هو شعر العلماء الذي سرعان ما يعافه الدارسونَ ويلوونَ عنه كشحا ً حينما تتوافر بين أيديهم وتتجمَّع أبحاث ودراسات في مختلف شؤون المعرفة وجوانبها من تاريخ وأدب وفلسفة تولى عنها أولئك الأعلام وتركوها للأجيال ، فيرى دارسوهم أولاء أنَّ فيها من دقة الاستقصاء وبعد النظر وتعمُّق الأفكار والمعاني ما يستحق تأمُّله وتدبُّره والإجالة فيه ، ولا بُدَّ أنْ يُجمِعوا على جدارته بالأهلية والبقاء ، ويقرُّوا لأصحابه وذويه بنبوغهم وتفرُّدهم ، ويروا لزاما ً عليهم أنْ يتطلبوا مجايليهم ومعاصريهم إثابتهم وجزاءهم والاعتزاز بهم .

       كان حضور ناصر الدين الأسد في الميدان الثقافي لافتا ً لعيون المجتلينَ ، بحيث احتسبوا له شأنا ً من أنْ ينافـِس أضرابه وأنداده في صنعتهم وتولعهم بالتأليف والكتابة ، فبفضل ما باغتهم به من التآليف الرصينة والأبحاث المحكمة والكتابات المستوفية لشروط الموضوعية والتحرِّي والدقة والاحتكام إلى الضمير الإنساني المتجرِّد من الدَخـَل والهوى في إرسال كلِّ حكم ، والقطع بكلِّ رأي ، والتسليم بأيِّ نظرة غير ابتغاء الحقيقة وتوخـِّيها ؛ فرض نفسه فرضا ً ، فصار لامندوحة لهم من أنْ يركنوا لاستنتاجاته وتخريجاته في المسائل الأدبية ، وأنْ يستدلوا على أنَّ لغته بوفور حظها من الفصاحة والبلاغة والسلامة ، ومَتـِّها إلى العراقة والصحة والأصالة ، وخلوِّها من العُجمة والركاكة ، وبُعدِها عن الإسفاف والابتذال ، مُؤهَّلة لاحتواء ما يجول بوجدانه من رأي ، ويجيش بخاطره من نظر ، ويَعِنُّ لعقله وضميره من حكم أو حل لما هو معضل أو يبين معقدا ً مستعصيا ً من أمور الحياة وقضاياها .

       إنـَّه مؤلف كتاب ( مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية ) ، ومصنفه ومبوِّبه ومستجمعٌ فيه استدلالاته وبراهينه وحججه اليقينية الثابتة على وجود الشعر الجاهلي وحقيقته لدى العرب الأوائل قبل ظهور الإسلام ، وهو ما صيَّره مرهوبا ً جانبه بين الباحثينَ ،  بعد أنْ توسَّل لإنجاح بغيته بسجاحة خلقه وطراوة طبعه ودماثة نفسه ودون أنْ ينجرَّ ويورَّط في شيءٍ من خشونة أو رعونة الخلق في مناظرة أضداده والمهوِّنينَ من شأن العرب وتاريخهم وحضارتهم ، والمتناهينَ المبالغينَ في رميهم وزرايتهم وتعييرهم بمعيشتهم الجافية ، أو أنـَّهم كانوا مجرَّد بُدَاة متخلفينَ على هذا الأديم ، والدنى من حولهم تزخر وترفل بمناعم الحضارة ومتارفها .

       وسليقة ثانية تخلـَّق بها وجرى عليها هذا الأسد في جميع ممارساته وأعماله ، من سماتها تصرُّفه في إعداد رسالته الأكاديمية هذه حول مصادر الشعر الجاهلي واستنباطها والاستناد إليها في صياغة مقولاته واستنتاجاته حول ما اشتمل عليه من عاطفاتٍ ومعان ٍ ، هي أنـَّه حينَ حضر له طه حسين أو جاء دوره في سياق البحث ليتصدَّى له بالمحاججة والردِّ والإبطال والتفنيد ، ويستلب حجَّته منه ، ويثبت أنَّ رأيه المجافي لـما جاء به العميد في ( نظرية الانتحال ) التي تخص الشعر الجاهلي وتفيد بأنَّ كله منحول ، هو أنصع وأقوم وأكثر مواءمة للسداد والمنطق ؛ فقد تحصَّن واعتصم بقدر كبير من التعفف والتورُّع عن إدانته بالجحود والمروق والكفر ، وربأ بذاته أنْ تنساق وراء الانفعال والسُخط ، وعَرَفَ لشخص العميد مقامه ومنزلته ؛ ما أحوجنا لهذه السجية الكريمة والطبع النبيل في علائقنا ومساجلاتنا الفكرية كافة ، ممَّا وقف عنده ومحَّصه وتأمله الأستاذ العلاونة في كتابه عنه ، وخلص منه أو استنتج أنـَّه ظاهرة متميِّزة من بين سائر الكتب التي ألـِّفـَتْ للردِّ على طه حسين ونظريَّته ، كونه موصوفا ً بسلامة المنهج ودقته وأمانته واستقصائه ؛ وما عليك بعدُ بما ابتعثه هذا المنجز ، والمنجز الخطير في مجال التأليف والتدوين ، وترتب عليه من استثارةٍ لكوامِن العداء والحسد في نفوس بعض الأشباه والنظراء ، ممَّن يعييهم مشاكلته فيما بذل من جهدٍ ، واتفق له من سعي ، وانتهى عنده من رأي ونتيجةٍ مُسَلمٌ بصوابها ، وليس من سبيل هناك لدحضها وتخطئتها وتسفيهها ، ممَّا ترشَّح صاحبها على وفقها وبموجبها وبناءً على ما تضفيه عليه من الميِّزات أو توفره له من متطلبات وخصائص ، لتبوِّئ أسنى المراتب والمراكز العلمية المسامتة لقدره ومكانته وتحصيله العلمي ؛ أمَّا ما دار من اللغط والصلف والعدوان وسط شانئيه ونافسينَ عليه بروزه وشخوصه الفجائي الصادم بين الصدور والأماثل من جبابرة الثقافة وكبار العقول ، فقد تبدَّد وتلاشَتْ آثاره بسبب ضبطه لنفسه وسيطرته عليها وإحجامه عن أنْ يخدشهم وينتقص منهم ، ممَّا سجَّله له المؤلف أيضا ً ، واحتسبه لهذا الطور من أخلاقه وسيرته في الناس .

       على أنـَّني ودَدْتُ لو جنـَّب المؤلف العلاونة نفسه مؤونة التنويه بما اعتور حياة الدكتور الأسد في بواكيرها من صعوبات غداة انتقاله من ( العقبة ) ــ وهي مسقط رأسه ــ إلى ( عمَّان ) التي آثرها بالسُكنى ، وكانتْ في بداية امتدادها وتوسُّعها لا عهد لها بالكهرباء والإنارة الحديثة ، وعمره يوم ذاك يتجاوز العقد بقليل ، واضطرَّته الظروف لأنْ يراجع دروسه بعد انتظامه في مدارسها ، مستعينا ً بضوء سراج ٍ يقشع الظلمة المطبقة على بيتٍ من الطينَ ، أ لِيستدِرَّ الإشفاق أم لِيستمطر الانبهار والإعجاب بالتحمُّل والمصابرة والمجالدة والإصرار على تخطي ما عرض له في ماضي أيَّامه من أنكادٍ وعراقيل ؟ ، فهذا ما يقع فيه ويتردَّى إليه أيُّ من المتصدِّينَ للترجمة للنابهينَ والأفذاد والوقوف على دقائق حياتهم وظروف نشأتهم ويفاعتهم ونضجهم العقلي ، وانفتاحهم على ما يغتلي به وسطهم الاجتماعي من الصروف والمِحَن ؛ وخيرٌ منه تأمُّله في هذا الأمر المحفوف بالغرابة ، فقد تلقى تحصيله في أوَّل الشباب على يد رهط من الأساتذة يعنونَ بالشعر والأدب ، وهمُّهم تحبيبهما في عيون تلامذتهم ، وتشويقهم لغذو أفهامهم ومداركهم بقدر وفير من الشواهد منهما ، مأثورة في التراث العربي الخالد ، وفي طليعتهم الشيخ الشاعر عبد المنعم الرفاعي ، الذي طال به العمر فشارك في تأبين طه حسين عام 1975م ، بمرثيته له في اليوم الأوَّل من الأيَّّام المرصودة لإحياء ذكراه ، إلى جانب تلميذه النابه بعد أنْ استطارَتْ شهرته ، وعُرفتْ عنه صنايع وأعمال علمية ، وعُهدَتْ عنه كذلك أبحاث ودراسات ، استتبعتها سجالات ومناوشات لقرنائه وأصفيائه في اجتهاداتهم وآرائهم وتخريجاتهم ، ورقي إلى مرتبة تليق بمَن مثله من التأهيل للترشُّح لعضوية مجمعين ِ لغويين ِ بدمشقَ والقاهرة حتى ذلك التاريخ ، ويعنيان ِ بالحفاظ على سلامة الفصحى ، هذا إلى تبوِّئه وظيفة أستاذ جامعي بجدارة وامتياز ؛ وأغلبنا نحنُ متداولِي الكتب ومتصفحي الدوريات والمجلات طوال عشرات السنين الممتدَّة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، نلمُّ بملحوظةٍ ووجهة نظر بصدد اهتمامات الدكتور الأسد ، وقلـَّما يحيط أكثرنا بإسهامات الشيخ الرفاعي في إنعاش حال الأدب العربي في الأردن وازدهاره .

       لقد وقف الكاتب أحمد العلاونة على مناحي نشاط المُترجَم له الأدبية والفكرية المتنوعة والمتشعبة والمتوزِّعة بين التأليف والتحقيق والترجمة ، عبر كتابه هذا الصادر عنه بدمشق وعن دار القلم ، ضمن سلسلة ( علماء ومفكرون معاصرون ــ لمحات من حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم ) ، بالتسلسل ( 24 ) ، فأتانا بأمر بدع ٍ من خلال هامشه في الصفحة الثمانينَ بعد المائة ، وهو يفصِّل بعض الشيء في كتاب (تاريخ نجد ) ، المعهود عن حسين بن غنام ، لينبي أنَّ جهده انصبَّ على تحريره ثمَّ تحقيقه ؛ وشتان بينهما ، لولا أنْ عاد بنا وصدع بتوجيهنا لنظر هامشه ، وذلك كي نتعرَّف على مـاهيَّة تحرير المـخـطـوط وتمييزه عن الـمباشرة بتحقيقه ، وفي ملته : (( إنَّ التحرير يعني تطبيق جملة قواعد علمية لنشر مخطوطة حديثة ، أو إعادة نشر كتاب ، كتصويب الأخطاء ، وتعديل بعض الجمل والأفكار ، تصحيحا ً وحذفا ً وإضافة ، تخليصا ً له من الشوائب من دون تغيير في معالمها الأساسية )) ، أمَّا التحقيق فيهتمُّ أولا ً بتفرُّس عدَّة نسخ خطية والمقارنة بينها وترجيح إحداها بعد الوثوق بصوابها والتأكد من ضبطها ، وخلوِّها من أيِّ نقص أو قصور أو هِنةٍ يطول مجترحها القدح بزكانته وأمانته العلمية .

       لكـنْ : هـل اضطلع الفهامة ناصر الدين الأسد بواجب تحرير كتاب ( تاريخ نجد ) ، وصوَّب أو عَـقـَّبَ ــ في الأقل ــ على ما أفرغ في صحائفه المجـتهد حسين بن غنام من أنظار ومنطِـقٌ يمتزج فيه سديدُ الرأي بباطل الحُجَّة ، ونهد للتفريق بينهما ؟ .

       لـنقرَأ من تعريف الأستاذ العلاونة بالكتاب وشرح أغراضه : (( ويحوي الكتاب أربعة أقسام ، تحدَّث في الفصل الأوَّل منها في حال المسلمينَ قبيل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة ، أبانَ مؤلفه أنَّ أكثر المسلمينَ قد ارتدُّوا إلى الجاهلية ، وغلب الجهل عليهم ، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وعدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحينَ ، يستغيثونَ بهم في النوازل والحوادث ، ويستعينونهم على قضاء الحاجات ، وتحدَّث في الفصل الثاني في اخـتلاف المسلمينَ وانقسامهم شِيَعا ً وطوائفَ ، وفي الفصل الثالث في غربة الإسلام ومعناها والأحاديث الواردة فيها ، وخصَّص الفصل الرابع للحديث في اضطهاد الأخيار والتزام السنة ، ومعنى العلم والرأي ، أوضح فيه أنَّ خير سلوان ينفي المؤمن عن نفسه الحزن والهمَّ واستمداد العظة والعبرة ، بما وقع على المصطفينَ الأخيار من الاضطهاد والتعذيب والقتل ، خاصة ما وقع لرسول الله ( ص ) وصحابته ، وشدَّد على التزام السنة )) .

       وكذا تجَمَّعَ في هذه الأسطار حشدٌ من النقائض والمتضادَّات ، واقتضَتْ المصائب ونوازل الدهر أنْ تـُجـْريَ صفو الزُلال لصق شوائب مأتاها أشواكٌ وعواسج ، تكدِّر صفحة الماء المتدفق ، وتعتاق مسيله لغايته ، ومن شأن منظره أو مشهده أنْ يشيعَ في المُهَج والقلوب الاغتباط والابتهاج ؛ عباراتٌ يلتقي فيها الصواب بالخطأ ، ويتآزر عندها الشطط والجموح والمكابرة مع الهدي والاتئاد والتطامُن ، فلا يتعدَّى أحدٌ ما حدوده ويشرئبُّ لما فوق حجمه ومقداره ، في هذا الكتاب الذي كان مركونا ً في زاويةٍ ما ، ولا أحد يطمح إلى الاشتغال بتحريره وتحقيقه ، ويشفق عليه من الإهمال والنسيان ، لولا أنْ انبرى العالم الدكتور ناصر الدين الأسد مندفعا ً بدواعي مجاملة المتصدِّرينَ لإحيائه وسيرورته في أوساط الباحثين والدُرَّاس ، يوم عمل سفيرا ً لبلاده الأردن لدى السعودية بين عامي 1977ــ 1978م ، وسُحِـبَ سحبا ً من مجاله الذي جلى فيه وجاوز كلَّ رهان ، فأغضى وأخلَّ بواجب إشهار جرائر الغزو الوهابي لمرابع أخدانهم المسلمينَ ، واستعمالهم العنف والقسوة في إرعابهم وإقلاقهم وتكدير صفو حياتهم ، وتعدَّوا ذلك بعامل الغلوِّ والتعصُّب إلى اقتحام المدن الآمنة المُسَالمة ونهب ما تمتلكه من ذخائر وكنوز ، فضلا ً عن النزوع لهدم المقامات والأضرحة التي يعدُّها المؤرِّخونَ المنصفونَ معالمَ تراثية قمينة بالاعتزاز والقدسية ، بقطع النظر عن شأنها ومكانها من الدين والاعتقاد ، ممَّا فصَّل فيه وتحرَّى أسباب وقوعه المؤرِّخ ( سـتيفن هيمسلي لونكريك ) ، فـي كـتابه القـيِّم : ( أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ) ، وهذا الموضوعي المنصف إلى حدٍ ما ، هو ضابط بريطاني وفد إلى العراق مع الحملة البريطانية ، تفرَّغ بعد تركه الخدمة في جيش بلاده وتعيينه مفتشا ً إداريا ً في الحكومة العراقية إبَّان سنوات العشرينيات من القرن العشرين ، لتأليف كتابه هذا ، مستقصيا ً ما تتالى على شعب العراق من كوارث ومآس ٍ عبر القرون المتأخـِّرة ، وغدا مرجعا ً للتالينَ بعده من المؤرِّخينَ ، لا سِيَّما الدكتور علي الوردي الذي استوحاه فيما أجمله وأحاط به من معلومات وحقائق عن الغزوات الوهابية ؛ والجدير بالذكر قيام جريدة ( الزمان ) اللندنية بنشره عبر حلقات في صفحتها ( وثائق وكتب ) .

       ومن تحقيقات الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد الأخرى ديوانا الشاعرين ِ الجاهليين ِ : قيس بن الخطيم ، وقحطبة بن أوس المعروف بالحادرة ؛ والأوَّل : هو قائل هذا البيت السائر الذي يستدلُّ به الكثيرونَ ويتعزَّوْنَ عمَّا ينوبهم في حياتهم من البؤس والشقاء ، لكنـَّهم يجهلونَ قائله ولم يسمعوا به يوما ً :

وَكلُّ شَدِيدَةٍ نزَلتْ بقوم ٍ       سَيَأتِي بَعْدَ شِدَّتِهَا رَخَاءُ
…………….

        وقيس بن الخطيم هذا الشاعر الجاهلي حاله كحال ذاك الشاعر العباسي ، الذي أتى بعده بسنين طوال ، وهو إبراهيم بن عثمان بن محمد الكلبي الغزي ، المتوفى سنة ( 524 هـ ) ، من النسيان والغياب عن أذهان الناس الواجدينَ التعلل والعزاء عن المصائب والكوارث التي تنوبهم وتلمُّ بهم من آن ٍ لآن ، في ترديد قوله :

مَا مَضَى فاتَ والمُؤَمَّلُ غـَيْبٌ       وَلكَ السَاعَة التي أنتَ فِيهَا
…………….

       فهما أحقُّ بالإشهار والإنباه .

       والثاني ، وهو الحادرة ، سبق لكاتب السطور أنْ أثنى على الجهد التحقيقي المبذول من لدن الدكتور ناصر الدين الأسد بإعادة نشر ديوانه ، بعد أنْ سبقه إليه المستشرق ( إنجلمان ) ، وذلك خلل مقالة نشرتها له جريدة ( العراق ) المحتجبة في غضون عام 1993م ، يوم كانتْ الأسباب على صعيد الثقافة متقطعة بيننا وبين البلاد العربية عامة ؛ وكانت فاتحة كتابه ( من دواوين الشعر العربي ــ عروض ومداخلات ) ، الصادر بدمشق قبل شهور .

       أمَّا أبرز مأثورات العلامة الأسد في ميدان الترجمة ، فهو تصدِّيه وصنوه الراحل الدكتور إحسان عباس معا ً ، لترجمة سفر ( يقظة العرب ــ تاريخ الحركة القومية ) لمؤلفه لبناني الأصل أميركي الجنسية طانيوس عبدة ، وكتب مقدِّمة له الدكتور نبيه أمين فارس ، وأذكر أنَّ ذلك صادف السنوات الأوَل من ستينيات القرن المنصرم ، ونشِرَتْ في تقييمه وتثمينه مقالاتٍ متنوِّعة تطفح وتمتلئ بشيء كثير من التأمين على صحَّة التعليقات والاستدراكات والتعقيبات التي ألحقها المترجمان به ، مستندين ِ إلى حِياطتهما بالتحولات السياسية في السنوات الأخيرة التي شهدها الوطن العربي ، وما صارا إليه من إلمام ومعرفة واستيعابٍ لنوازي المتأهِّبينَ كلَّ مرَّة من دهاقنة السياسة الغربية لاسترقاقنا واستعبادنا ونهب ثرواتنا .

       لكنَّ شأن الدنيا أنْ تمنح كلا ً حظه المكتوب في لوح القدر ، وتعطي بنيها أنصبتهم المقسومة من الذيوع أو السمعة أو المال ، وأخلص من هذه الاستذكارات والتداعيات والمراجعات إلى أنـَّني سبق لي أنْ قرأتُ الكتاب هذا من الغلاف إلى الغلاف ، بترجمةٍ قديمةٍ شرع بها الأستاذ علي حيدر الركابي ، السفير بوزارة الخارجية للمملكة العراقية ، وأظنـُّه شاميّ الأصل ، قطن بلادنا وتوطـَّنها وخدمها خدمة جليلة ومشكورة بعد أنْ جاءها من سورية صحبة الملك فيصل الأوَّل ، وقد عثرْتُ بالكتاب المترجم هذا في مكتبة إحدى المدارس التي عملتُ فيها عام 1957م ، ولك أنْ تقدِّر كم هو عدد السنوات التي استقرَّ فيها بمحله ومكانه من المكتبة بعد أنْ زوَّدتها به مديرية معارف المنطقة أو اللواء في تلك السنين الدابرة البعيدة ؟ ، وإنْ فاتتني سنة طبعه ، فما زلتُ أذكر جيِّدا ً انتهاء مطابع بيروت منه .

********

MahdiShakerAlobadi@Yahoo.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.