الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (16)

طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (16)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

16
فتاة البحيرة

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
منذ أن تفتحت عيونهم على الدنيا ، وهما معاً لا يفترقان ، فكوخ أهل جوين في القرية ، يقع قرب كوخ أهل تيلفريتش .
وحين بلغ جوين ، التاسعة من عمره ، راح يرعى بقرات أهله الثلاث ، ومعه راحت تيلفريتش ترعى بقرتي أهلها ، حين بلغت السابعة من العمر .
وكبرا معاً ، جوين وتيلفريتش ، وهما يرعيا أبقار أهلهما ، في المرعى المعشب ، قرب البحيرة ، حتى صارا شابين ممتلئين بالحيوية والعنفوان .
وكما كانا يتبادلان الطعام ، الذي كانا يأتيان به من أهلهما ، كلّ يوم ، كانا يتبادلان الحديث في شتى المواضيع ، وحتى عندما كانا يصمتان ، فإن مشاعرهما وعوطفهما المشتركة ، لم تكن لتصمت .
وذات يوم ، جاء جوين ببقراته الثلاث إلى المرعى ، قبل أن تأتي تيلفريتش ، وجلس ينتظرها بصبر نافد ، فوق مرتفع ، يطل على البحيرة ، فيومه لا يطيب ـ لا يدري لماذا ـ إلا إذا كانت تيلفريتش ترعى بقرتيها على مقربة من أبقاره الثلاث .
وحانت منه نظرة ، عن غير عمد ، إلى البحيرة ، وكانت هادئة ساكنة صافية كالمرآة ، وفجأة رأى فتاة شابة ، تبدو في عمر تيلفريتش ، تسرح شعرها الذهبي ، متخذة البحيرة الصافية مرآة لها .
وهنا وتناهى إليه صوت تيلفريتش ، تنادي من بعيد ، جوين .
وعلى الفور ، اختفت فتاة البحيرة ، وكأن الأعماق انشقت وابتلعتها ، ووصلت تيلفريتش إليه ، وقالت : ناديتك ، يا جوين ، ولم ترد ، ما الأمر ؟
لم يردّ جوين عليها ، فحدقت تيلفريتش فيه مستغربة ، وقالت : جوين ..
ونظر جوين إليها ، وقال : قبل أن تأتي ، رأيت فتاة في عمركِ ، تقف وسط البحيرة تسرح شعرها ، شعرها ذهبي كشعرك ، وعيناها زرقاوان .
وضحكت تيلفريتش ، وقالت : لعل هذه الفتاة ، ذات الشعر الذهبي ، والعينين الزرقاةين ، هي أنا ، أنا تيلفريتش ، ولا أحد غيري .
ولاذ جوين بالصمت ، فأطرقت تيلفريتش ، ولاذت بالصمت هي الأخرى .

” 2 “
ـــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي ، قاد جوين بقراته الثلاث ، في وقت مبكر ، إلى المرعى ، وجلس فوق المرتفع ، المطل على البحيرة ، وراح ينتظر فتاة البحيرة ، لعلها تظهر قبل مجيء تيلفريتش .
وخفق قلبه بشدة ، وفرح ، حين ظهرت الفتاة ، ووقفت فوق سطح البحيرة ، وهذه المرة لم تنشغل بتسريح شعرها الذهبي ، وإنما رفعت عينيها الزرقاوين ، الصافيتين كسماء الصيف ، وراحت تتطلع إليه .
ونهض جوين ، وعيناه لا تفارقان عينيها ، وهبط ببطء من المرتفع ، وتوقف عند حافة البحيرة ، وقال بصوت رقيق : عمتِ صباحاً .
لم تردّ الفتاة تحيته ، هذا صحيح ، لكنه لاحظ ، رغم بعدها عنه ، أن ملامحهالرقيقة ، راحت تشفّ وتتألق ، فأشار إلى نفسه ، وقال : أنا جوين ، اسمي وين ، وأنتِ ، ما اسمكِ؟
وخيل لجوين ، أن الفتاة فتحت فمها ، ربما لتردّ عليه ، لكن ، في تلك اللحظة ، جاءه صوت تيلفرتيش تصيح من بعيد : جوين .
وعلى الفور ، اختفت فتاة البحبرة ، كأن ماء الأعماق انشقت وابتلعتها ، ووصلت تيلفرتيش إلى المرتفع ، وقالت : جوين ، ماذا تفعل عندك ؟
وردّ جوين بشيء من الحدة : هذه هي المرة الثانية .
ولاذت تيلفرتيش بالصمت محبطة ، فصعد جوين المنحدر ، وهو يقول : كنت أكلمها ، فتاة البحيرة ، وكادت تردّ عليّ ، حين ناديتني .
وتراجعت تيلفرتيش إلى الوراء ، وقالت : عفواً ، لن تكون هناك مرة ثالثة .
وانسحبت إلى بقرتيها ، صامتة حزينة ، وأخذتهما إلى طرف المرج ، وبقيت هناك معهما ، حتى عادت وحدها قبيل المساء إلى القرية .
واعترى جوين شعور بالحزن والندم ، ربما ظلم تيلفرتيش ، وهمّ أكثر من مرة ، أن ينهض من مكانه ، ويذهب إليها ، ويقدم لها شيئاً من الطعام ، كما يفعل كلّ يوم ، لكنه لم ينهض ، ولم يذهب إليها ، وإن داخله شعور بأنه سيندم على ذلك .
وقبيل المساء ، وبعد أن لاحظ أن تيلفرتيش قد عادت ببقرتيها إلى القرية ، نهض من مكانه ، وقاد بقراته الثلاث ، عائداً إلى القرية .

” 3 “
ــــــــــــــــــــ
أوى جوين إلى فراشه ، في وقت مبكر من الليل ، وأغمض عينيه ، لعله ينام ويرتاح ، ومرت ساعات وساعات ، لكنه لم ينم .
وبدل فتاة البحيرة ، ربما أرقته تلفرتيش ، لعلها غضبت منه ، لقد كلمها اليوم بشيء من الحدة ، وهذه أول مرة يحتد عليها ، ومن يدري ، فقد تأخذ بقرتيها غداً ، وترعى بهما بعيداً عنه .
وانقلب على جنبه ، لتفعل تلفرتيش ما تشاء ، إنها حرة ، واعتدل في فراشه ، وكان القمر يطل بدراً على القرية من بين الغيوم ، ونهض متسللاً من الكوخ ، وبدون ارادة منه ، قادته قدماه إلى المرعى ، ووقف فوق المرتفع ، المطل على البحيرة .
وبدل فتاة البحيرة ، ذات الشعر الذهبيّ ، والعينين الزرقاوين ، لاحت له تلفرتيش ، تقف فوق سطح الماء ، والقمر يطل عليها من بين الغيوم ، ماذا جرى ؟ وبهدوء استدار ، وقفل عائداً من حيث أتى .
وحين وصل القرية ، لم يتجه إلى كوخهم ، وإنما اتجه إلى كوخ تلفرتيش ، وتوقف أمام نافذتها ، ومدّ يده ، ونقر عليها برفق ثلاث نقرات .
وتناهى إليه وقع أقدام خفيفة ، ثم فُتحت النافذة ، وأطلت منها تلفرتيش ، وما إن رأته ، يقف تحت ضوء القمر ، حتى قالت مندهشة بصوت خافت : جوين .
ومال جوين عليها ، وهمس بصوت خافت : تلفرتيش ، جئتُ لأقول لكِ شيئاً .
وردت تلفرتيش بصوت خافت : جوين ، نحن في منتصف الليل .
واستطرد جوين قائلاً : غداً ، حين تأتين إلى المرعى ، لا تجلبي معك أي طعام .
وحدقت تلفرتيش فيه مندهشة ، فقال جوين : سأعدّ طعاماً بنفسي ، لي ولكِ .
وابتسمت تلفرتيش ، وقالت : أشكرك .
وهمت أن تغلق النافذة ، وهي تقول : اذهب الآن ، قبل أن يفيق أبواي .
ومدّ جوين يده ، وأمسك درفة النافذة ، وقال : لحظة ، يا تلفتيش ، لحظة .
وقالت تلفرتيش : نعم .
فتساءل جوين : هل تجيدين الطبخ ؟
ونظرت تلفرتيش إليه حائرة ، فتابع قائلاً : لا أرد للفتاة ، التي سأتزوجها ، أن لا تجيد الطبخ .
وندت حركة من داخل الكوخ ، فأغلقت تلفرتيش النافذة ، وهي تقول بصوت متهدج ، والفرحة تغرق عينيها بالدموع : اذهب ، لقد أفاق والداي .

31 / 8 / 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *