طلال سالم الحديثي: جنة أبي العلاء.. رواية عبد الكريم كاصد

(جنة أبي العلاء) ليست عملاً روائياً، ولكنها عمل أدبي فيه سمات روائية، أو بتعبير أدق يمكن أن نعده رواية خارج التجنيس الروائي إن صحت التسمية. وهو باعتباري هذا أدخلته ضمن هذه القراءات التي أقدمها في كتابي هذا عن روايات عراقية صادرة حديثاً، في زمن جدب ثقافي تعانيه الرواية العراقية في أيامنا هذه. فهناك من يرى ـ كما ينقل د. صلاح فضل في بلاغة الخطاب وعلم النص صفحة (283): ضرورة أن تتطهر ـ الرواية ـ من الشوائب غير الفنية، ومن العناصر المسرفة في بشريتها. وثمة رغبة قوية في أن تحقق الرواية درجة من (التوتر الدرامي) و(الاقناع).
وما يقتضيه ذلك من أصالة وصدق وتحقيق كامل لموضوعها. وكثافة الوهم المتخيل الخلاق. وأن تتسم بالحياد واللا شخصية حتى تصل للنقاء الشعري المطلوب، وللصيغة الروائية الخاصة.
(جنة أبي العلاء) لمؤلفها عبد الكريم كَاصد حوارية مبتكرة عبر حلم متكرر بين مؤلفها وبين الشاعر أبي العلاء المعري. أبو العلاء المعري يهبط من جنته التي حشرة الله فيها مع جمهرة الشعراء الذين فازوا بعفو الله فأدخلهم جنته ليتحدث مع المؤلف عبر حلم قد يكون من أحلام اليقظة أبتكره واستخدمه المؤلف إطاراً ليبث من خلاله مجموعة آراء نقدية في الشعر قديمه وجديده والشعراء قديمهم ومعاصرهم.
 ولعل أول ما ينصرف الذهن إليه هو ما سبق تأليفه في هذا المجال مثلما كتب دانتي في الكوميديا الإلهية، وجميل صدقي الزهاوي في (ثورة في الجحيم). فكلاهما ـ دانتي والزهاوي ـ كتبا عن عالم متخيل هو عالم ما بعد الموت وهو ذات العالم الذي بنى عليه مؤلف (جنة أبي العلاء) كتابه هذا ولا تقتصر آراء المؤلف ـ عبد الكريم كَاصد ـ في كتابه هذا عن الشعراء العرب بل تتعداهم إلى شعراء أوروبيين مثل: رامبو وفرلين وإذا كان العمل الأدبي ينبغي أن يتيح لقارئه مادة للأسئلة والشكوك ـ كما يقول د. صلاح فضل ـ أكثر مما يعطيه من إجابات قاطعة، مما يجعله أشد استعداداً لتقبل الأشياء غير القاطعة المكتملة،وتقبل مظاهر الغموض والإبهام في الحياة. ورفض المنظور الذي يتعمد على التبسيط واختزال الحياة في اللونين الأبيض والأسود، وهل ينبغي للقارئ أن يستخدم عقله وذكاءه النقدي في التلقي، بالإضافة إلى عواطفه، أم أن عليه أن يسلم نفسه أولاً لما يقرأ؟
وقد حقق لي هذا العمل ـ أنا القارئ ـ فعلاً مادة لأسئلة من مثل:
لماذا أختار المؤلف للتعبير عن آرائه مثل هذا الإطار الفني؟
وفي الإجابة على هذا السؤال لا أجد في ذهني غير احتمالين أولهما: أنه وجد أن آراءه وانطباعاته عن الشعراء الذين ذكرهم في الكتاب قد تثير جدلاً غير مبرر يريد أن يتجاوزه، أو أنه وجد في هذا الإطار ـ غير المستهلك ـ تشويقاً ومتعة يستأنس بها القارئ بديلاً عن جفاف الأسلوب النقدي ومماحكاته. فما يقوله النقد في صفحات قاله المؤلف هنا بأسطر وجيزة وبأسلوب روائي ممتع، لكني ـ أنا القارئ ـ أظل دائراً في رحاب الاحتمالين وكلاهما مغرٍ.
يقول المؤلف في صفحة (7):
وهل تريدني يا أبتِ أن أطلعك على أحوال الأرض وشعرائها وأنت الأدرى بها وبهم؟ أو لست القائل:
وما شعراؤكم إلاّ ذئابُ

 تلصّصُ في المدائح والسبابِ
ولك أبيات ـ ما أكثرها ـ في هذا المعنى:
ما ثعلب وابن يحيى مبتغاي

 به وإن تفاصح إلاّ ثعلب ضجا
وما أدّب الأقوام في كل بلدة

 إلى المين إلا معشرُ أدباءُ
فرقاً شعرتُ بأنها لا تغتني

 خيراً وأن شرارها شعراؤها
وكيف ترى أحوالهم وهم في السماء؟
ـ ليست بأفضل منها في الأرض. الحطيئة انتحى له مكاناً قصيّاً في الجنة فلا يزورُ ولا يُزار إلا نادراً على عجلٍِ.
ـ وهل لا يزال يعوي في آثار القوافي كما يعوي الفصيل في آثار الإبل، مثلما رويتَ في رسالتك الشهيرة (رسالة الغفران)؟
ـ لقد أبدل الله عواءه بكلبٍ يؤنسه ويرعاه. وشاء الله أن تجاوره الخنساء في أقصى الجنة المطلّة على جهنم لترى أخويها صخراً ومعاوية وهما في النار حتى رقّ لها الله وأعاد لها أخويها وأسكنهم جميعاً في قصر مجاور لقصر الحطيئة الذي لا يطيق إقامة فيه.
ـ إنّ قصائدها في رثاء معاوية لا تقل أهمية عن قصائدها في صخر.
ـ لم أعدْ أتذكرها.
ـ كقصيدتها التي تبدأها بهذا المطلع الجميل:
ألا ما لعينك أم ما لها

 لقد أخضَلَ الدمعُ سربا لها
ويسأل المؤلف أبا العلاء في صفحة (19):
ـ وما يفعل الشعراء في الجنة؟
ـ مطرقون أبداً. ألسنتهم شتى، ولولا أطراقتهم الدائمة لسمعت لهم ضجيجاً أين منه ضجيج برجُ بابل.
ـ وهل لنسيانهم علة؟
ـ كيف لا ينسون وقد رأوا من الأهوال ما يشيب له الولدان، بعد ذلك الحساب العسير والوقفة التي ترتجّ لها حتى الأفلاك، وبعد ذاك العذاب الذي وقع لهم قبل مجيئهم الجنة، ولعلّ أخفّ الأسباب عبور السراط الذي يكاد يكون مستحيلاً.. تعبره فتخال نفسك تسير وفق هوة لا قرار لها وأنت تهتز ذات اليمين وذات الشمال، لا تدري ألك رأسُ حقاً أولك قدمان؟
كتب الخليل بن أحمد الفراهيدي أبياتاً في العاجلة تغنيها حوريات الجنة، أحياناً، ويرقصن على إيقاعها، وحين سئل: لمن هذه الأبيات يا أبا عبد الرحمن؟ لم يحر جواباً، معتذراً بعبور السراط الذي لم يترك له ذاكرة يستعيد ما مضى فإذا كان هذا حال أذكى العرب في عصره فما بالك بالشعراء وهم من عُرِفوا بالسهوم والنسيان ولا سيما أولئك الذين أبدلت جلودهم في جهنم مراراً.
ـ هل تقصد تلك الأبيات المنسوبة إلى الخليل والتي أولها:
إن الخليط تصدّع

 فطرْ بدائك أوقعْ
لولا جوارٍ حسانُ

 مثل الجآذر أربعْ
أم الرباب وأسما

 ء والبُغوم وبوزعْ
لقلتُ للظاعن: اظعنْ

 إذا بدا لكَ، أورعْ
ـ نعم هي ما أقصد.
ويسأل الحالم (المؤلف) محدثه أبا العلاء صفحة (11):
ـ وَمنْ من الشعراء العراقيين الذين التقيت بهم هناك وتحدثت إليهم؟
ـ كثيرون، من بينهم الجواهري الذي سبق ذكره، الرصافي، والزهاوي، وبدر والبياتي.
ـ وكيف وجدتهم؟
ـ جاءني البياتي يوماً وقال لي: إنه كتب عني قصيدة لم يتذكرها فأدنيته مني، وحين سألته عن شعراء الأرض لم يذكر حسنة لهم. وله عداواته العديدة في الجنة مع شعراء كثيرين فلا يحييه أحد ولا يحيي أحداً، ولاسيما بعد وصول الجواهري وما لاقاه من حفاوة قلّ نظيرها إذ استقبله الله جل جلاله والملائكة استقبالاً حافلاً مما أثار حفيظة البياتي الذي دخل الجنة منهكاً يهدّه التعب من رحلته الشاقة إلى السماء فلم يستقبلهُ غير الحارس رضوان الذي عامله بجفاء كما قيل. لماذا؟ لا أدري. ربما لكراهته الشعر فرضوان مشهور بهذه الكراهة، غير أن البياتي لا يعرف ذلك.
أسرّني البياتي أن كل ذلك جرى لأن الله والملائكة ورضوان لا يحبون الشعر الحر، مع أنه قريب الشبه بآيات القرآن، فقلت له أواسيه: مهلاً..! إن الخالق، سبحانه، لا يتوقف عند شكل من أشكال الشعر. مهما دنى أو ارتفع.. ثم أن رضوان ما زال لم يتعلم العربية وهو لا يتحدث أبداً. ومن سمعه قال إنه يتحدث الآرامية. خففت كلماتي هذه من عذاب البياتي إلاّ أن ما أغاظه أن الله لم يجلب الملائكة وحدهم في استقبال الجواهري بل الجن أيضاً لينقروا الدفوف ويعزفوا احتفاءً بالشاعر وكأنّ ثمة عرساً في الجنة. وهذا خرق القوانين الجنة. وياليتها خُرقت كما قال بعض الشعراء في أعراف أخرى تستدعي الخرق، وخرقُها أولى من هذا الحفل العابر الذي أثار سخرية الشعراء، ولاسيما شاعرين افرنجيين متلازمين كتلازم الشنفرى وتأبط شراً فحيثما ذهبتَ وجدتهما معاً.
ـ من هما؟
ـ لا أتذكر اسميهما ولكنهما شاعران يقضيان نهارهما في شجار دائم.
ـ وهل يتكلمان العربية؟
ـ أنّى لهما ذلك وهما لا يعجبهما العجب نفسه.
ـ هل تقصد رامبو وفرلين؟

ـ نعم هذان هما الاسمان اللذان يعرفان بهما في الجنة، واللذان ينطقهما شعراؤكم العراقيون ممن دخلوا الجنة حديثاً، نطقاً صحيحاً لا شائبة فيه، وواقعاً أن كُتّّاب الواقعية السحرية استخدموا هذا الأسلوب أيضاً فجعلوا الأموات يتراسلون مع الأحياء كما فعل ماركيز في روايته (مائة عام من العزلة). وإذا عدنا إلى الأدب الصيني القديم لوجدنا في حكاية صينية قديمة إشارة إلى الحلم إذ تقول:
كان يا ما كان، حلمت ذات مرة، أنا تشونج زو، أنني فراشة تحلّق هنا وهناك، وترفرف بجناحيها ثم تحلّق هنا وهناك، ثم استيقظت فجأة من نومي، والآن لا أعرف هل كنت إنساناً يحلم بأنه فراشة، أم أنني فراشة، تحلم الآن بأنها إنسان.
ويأخذنا الكاتب كما يأخذ صاحبه أبا العلاء في جولة عبر مدينة لندن وسكانها الانجليز الذين لم يعودوا سكانها وحدهم وقد ملأتها الجاليات المهاجرة وأحياؤهم الأخذة بالاتساع ليتحدث في فصل بعنوان (في المقهى) عن الشاعر عزيز السماوي، ومن ثم يتحدث عن الجن فيسأل محدثه: أما من جنّ في الجنّة؟ فيجيبه:
ـ هناك الكثيرون منهم، بعضهم شعراء ولكنهم مسالمون عابدون زرتهم مرة على سبيل الفضول، ومعي رهط من الشعراء الذين لم يروا الجن من قبل، وجاء معنا نفر من شعراء الفرنجة ساقهم الفضول أيضاً. كان بينهم شاعر يتكلم العربية، هتف حين رأى الجن: (بدئ.. بدئ).
ـ هل يقصد (بديع)؟
ـ نعم، دون أن يدري أن (بدئ) فصيحة أيضاً وتعني (بديع) يستخدمه أحياناً شعراء أعراب من أهل الجنة.
ـ أجل تذكرت لقد وردت في كتابك (رسالة الغفران) وهي مذكورة في بعض كتب اللغة.
ـ أحقاً هي وردت هناك؟ غير أنّ بعض الحاضرين من شعراء العرب ضحكوا. وما كان من حقهم أن يضحكوا.
ـ ثم التقينا بشاعر اسمه الخيثعور.
ـ وما هذا الخيثعور؟
ـ شاعر من قبيلة الشيصبان.
ـ وما هذه الشيصبان والأسماء الغريبة؟
ـ قبيلة من الجن المؤمنين.
قلت له وكيف نخاطبك بأية كنية، فقال: كنيتي (أبو هدرش) ثم طلبنا منه قصيدة فقرأ علينا قصيدة طويلة تبدأ:
حمدت من خط أوزاري ومزّقها

 عنّي فأصبح ذنبي الآن مغفورا

والعجيب أن في هذه القصيدة ترد كلمة (يغبور) وتعني ملك الصين مثلما قيصر تعني ملك الروم. وما ذكره لنا بعد ذلك في غاية الغرابة فلديهم من أوزان الشعر العشرات، ومن القوافي الآلاف ومن الاستعارات ما لا يطرأ في ذهن شاعر من البشر.
ـ وهل يختلطون بالبشر؟
ـ لا.. إلا في مناسبات نادرة كهذه فيبدون كالبشر تماماً في طباعهم وتفاخرهم وأشعارهم التي يطيلون فيها فلا يحسنون.
ـ مع أن العرب عادة ما تنسب الشعر الحسن إلى الجن، بينما تبين في الجنة أن الجن ليسوا سوى نظامين مولعين بالغريب والحوشي من الكلمات. وقد سبق أن ورد في أحد أبياتك في سقط الزند هذا المعنى تقريباً:
وقد كان أرباب الفصاحة كلّما

 رأوا حسناً عدّوه من صنعة الجنّ

ـ وهم فوق كل ذلك تميزوا بحافظة لا يفوتها حتى الأحداث الصغيرة التي حدثت لهم في الدار السالفة، وما أن انتهى خيثعور من قصيدته الرائية تلك حتى أعقبها بقصيدة سينية أطول منها، فأصابنا الملل.
مكة أقوت من بني الدردبيس

 فما لجني بّها من حسيس
ويستطرد المؤلف (الحالم) فيقول لمحدثه أبي العلاء: لابّد أنك التقيت جلال الدين في الجنة هو والشاعر الفارسي الآخر عمر الخيام القريب منك في روحه وشعره، وإن اختلفت عنه في حبه للخمرة وزهدك بها.
ـ نعم التقيتهما وأنست بهما كثيراً، وبصاحبٍ لجلال أيضاً لا يفارقه نسيت اسمه.
ـ أتقصد شمس الدين التبريزي؟
ـ نعم هو هذا.
ـ تذكرت الآن ولا أدري لِمَ غاب عن بالي. لو رجعنا إلى الدار لا أفضّل أن ألتقي بأحد من أهل الأرض ولا سيما شعرائه فقد يكون هذا أمراً محظوراً، وقد ينتشر خبر قدومي إلى العاجلة فتسرع إليّ الصحف السيارة والناس بالسؤال فلا تقوم لي ولك قائمة أبداً، وقد يرجع ذلك بالسوء عليك أيضاً لذا أفضل حين نذهب إلى الدار أن نستأنس بالحديث معاً بعيداً عن كل ما يجلب لنا المتاعب من حيث لا ندري.
ـ معك الحق، وليكن لك ما تشاء فلا أضيق من وقتك في التعرف على معالم لندن وناسها وما تستفسر عنه من أدب قديم أو حديث لأجلبه إليك، وقد أمضّ بك الحنين إلى الكتاب والشعر.
ـ هذا الصواب بعينه.
ـ إذن فلنتجنب يا أبت ما يكدّر صفو أيامنا. وفي الحقيقة أن من نريد لقاءه ربما تفصلنا عنه أميال وأميال، فالشعراء الأحياء الذين ذكرنا بعضهم يسكنون في بلدان بعيدة ويتطلب السفر إليهم إجراءات ستقف حائلاً دون سفرك وإقامتك في المدينة بلا شك. أما من يقيم هنا قريباً فهم قليلون بعد أن رجع الكثيرون أو استبدلوا مكان إقامتهم ببلدان أخرى. وبعضهم حتى لو سمح لك الوقت لا أفضّل أن تلتقي به أبداً.
ـ لِمَ؟
ـ كيف تلتقي بمن يترجم كلمة قديمة لشاعر قديم تعني (الأمهات) بإجماع الشراح بهذه السلسلة من الكلمات المضحكة، (النساء المتزوجات العجائز)، وله من نظائرها الكثير، أو ذلك الناقد الآخر الذي يترجم الكلمات بالمقلوب، فالبواب في قصيدة لشاعر كبير آخر من بلاد الفرنجة يدعى ت.أس. اليوت مكتوبة للكبار والأطفال، يصبح لديه مفوضاً سامياً، والكلاب البكينية تصبح بطات بكينية، والمركب الواحد قوارب نهرية عديدة، والفعل (يشرب) (يبلل لحيته) هكذا بضربة ساحر. هذا الناقد مع جهله هذا بأبسط قواعد الترجمة يدعي أنه ضالع بالحداثة وأهلها! فلله كم ينطبق عليه ما قاله الحكمي:
حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ.
ولعل أشد أخطائه شناعة وجهلاً وباعثاً على الهزء أن شاعراً أرسل له قصيدتين للنشر في مجلته بعنوان (على البسيط) ويقصد أنهما جاءتا على بحر البسيط فكتب هذا الناقد الفهلوي تحت هذا العنوان البسيط الملغز بعث للمجلة الشاعر (..) الكبير قصيدتين..الخ. حتى أن بعض الخبثاء قرأ ساخراً:
على البسيط وكوز الماء يرفده
مشيراً إلى البيت الشهير في قصيدة الجواهري التي قالها في مناسبة ما أقيمت للاحتفال بذكراك وهي من بحر البسيط أيضاً:
على الحصير وكوز الماء يرفدهُ

 وذهنه ورفوفُ تحمل الكتبا
وفي صفحة (76 ـ 77 ـ 78) يسأل الحالم محدثه:
ـ وما المكان الأخير الذي زرته؟
ـ العراق الذي كنت تسميه في إحدى رسائلك (مجتمع أهل الجدل)!
ـ كيف وجدته؟
ـ إنه الخراب بعينه.
ـ كيف؟
ـ طوائف ومحتل ومزابل تملأ المدن. ولا سلطة هناك. تستطيع أن تقتل وتختفي ولا أحد يعنيه اختفاؤك لأن ثمة أحداثا أخرى تحدث، ولو قُيضَ لهم القبض عليك ودخلت السجن فإن بإمكانك الاختفاء ثانية، والهروب من السجن، والذي يعينك على الهرب هو سجانك. كل ذلك يجري باسم السماء التي لوثوها بوحولهم.
ـ هذا أمرُ عجبُ.
ـ وماذا تفعل الناس؟
ـ تنتظر كعادتها.
ـ ماذا تنتظر؟
ـ القيامة ـ ربما ـ ليلتحقوا بكم أنتم أهل السماء، وكثيراً منهم يلتحقون بكم بين فترة وأخرى عبر تفجيرات تحصد الأطفال والنساء والأسواق باسم محاربة المحتل. والأغرب من ذلك يسمى العراق الآن بالعراق الجديد. لقد أضحت المأساة في العراق ملهاة، والملهاة مأساة، والبلد بأكمله مسرحاً غالباً ما يختفي ممثلوه كاللصوص محملين بما يسرقون.
ـ لا أتمنى أن أزورك يوماً هناك فهذا ما لا طاقة لي به. وماذا بشأن الأماكن الأخرى؟
ـ بلدان عرب هي بلدان طوائف لا تختلف في جوهرها عما كانت عليه في زمنك.
ـ وهل التقيت في زياراتك بأدبائها ومفكريها وأعلامها؟
ـ نادراً فأنا كما قلت في رسالتك إلى أهل المعرة ذات يوم (ما سافرت أستكثر من النشب ولا أتكثر بلقاء الرجال) ولكنني حريص على أن أقتتني ما يصدرون من كتب ومقالات سواء في بلدانهم أو ما يصلني في بلدان الفرنجة.
ـ وكيف وجدتهم في كتبهم
لا تسر أحداً إلا القليل منها.
ـ كيف؟
ـ الحديث ذو شجون. والتفصيلات مملة تبدو أمامها تفصيلات جنتك في غاية البهاء.
ـ شيء محزن.
ـ شيء محزن اعتاده الناس. وأي شيء لم يعتده الناس: فقرهم، حكامهم، وحتى موتهم، وهذا أبشع ما يعتاده المرء. أما الكتاب فأمرهم أعجب، مولعون بالطغاة وجوائزهم واحتفالات طوائفهم وفولكلورهم المقيت وسخائهم وخناجر قبائلهم في العشيات.
أحدهم يدعى (الفضل) ولا فضل له غير تحكيمه في المهرجانات.
إدعى مرّة أن كاتباً من الفرنجة قبل جائزة طاغية في رسالة خاصة إليه، ثم تبين كذب إدعائه حين أعلن ذلك الكاتب رفضه للجائزة علناً.
يكتب عن الحداثة ويرتع في القديم. محكماً لأحط مسابقة عرفها الشعر.. مسابقة نظّامين يُكافؤون بالملايين.
ـ أمثل هذا كثيرون؟
ـ أجل كثيرون.
وبعد فإن كتاب (جنة أبي العلاء) الذي لم تتجاوز صفحاته المئة عداً مليء بالأفكار والآراء الذي يمكن أن أشبهه بمائدة فكرية أو حديقة غنّاء بأزهارها وألوانها، وهو يثير في القارئ المتعة والتساؤل والمعرفة ببواطن ما يجري في حياتنا الثقافية من ملق شخصي وتكسبي.
وفي التقييم الأخير للكتاب فالتجديد في الأدب حيازة جمالية للعالم أو بحث عن عالم أفضل كما يقول د. شكري عزيز الماضي في أنماط الرواية العربية الجديدة صفحة (11)، وخاصة في الجانب الشعري ـ ومؤلف الجنة شاعر وله ما يربو على ثلاث عشرة مجموعة شعرية على مدى زمني يبتدئ بالعام 1975 كما له ترجمات شعرية عن الفرنسية وترجمات عن الانجليزية، وله مجموعتان قصصية ومسرحية.
ــــــــــــ
جنة أبي العلاء، عبد الكريم كَاصد، دار التكوين، دمشق 2011

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب المعموري : للشعر كينونة زمنية أيضاً.. قراءة في “سبأ أخرى” للشاعر أحمد جاسم الخيّال‎‎ .

فكما للسرد كينونة زمنية يسجل من خلالها الكاتب زمنه النفسي في الزمن الكوني على حد …

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.