شكيب كاظم : من يتذكر المذيعة مديحة رشيد المدفعي؟ (ملف/2)

من يتذكر المذيعة مديحة رشيد المدفعي؟
شكيب كاظم
استقطبت هيئة الإذاعة البريطانية (B.B.C) بقسمها العربي، أسماع واهتمام الناس في الوطن العربي منذ تأسيسها ي الثالث من كانون الثاني سنة ١٩٣٨، استشعاراً لقرب نشوب الحرب العالمية الثانية، ومحاولة نقل وجهات النظر الغربية في الحرب التي نشبت وشيكاً وللوقوف ضد الدعاية النازية التي كانت تنطلق من إذاعة برلين بقسمها الناطق بالعربية وما زال الناس يتداولون جهود الشخصية الإشكالية المثيرة للنقاش يونس بحري متعدد القابليات والمواهب والإمكانات وهو يدير القسم العربي بإذاعة برلين، مطلقاً لازمته التي ستبقى علامة مسجلة باسمه (هنا برلين- حي العرب)، أقول استقطب القسم العربي بإذاعة لندن اهتمام الناس لسبب مهم هو نقل الحقائق والحوادث كما هي قريبة من الواقع أو محاذية له، في حين كانت الإذاعات العربية تعاني وجهة النظر الواحدة وجهة نظر الدولة، عدا إذاعة كنت اجد فيها توازناً ونقلاً لحقائق الأشياء وهي إذاعة الكويت.
لم يقتصر القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية على الأخبار والتعليقات بل كان واحة وارفة الظلال للثقافة والمعرفة والعلوم، من خلال العديد من البرامج الرائعة التي انطوى أكثرها مثل: لكل سؤال جواب، والسياسة بين السائل والمجيب، وقول على قول، الذي كان يقدمه الإذاعي المثقف الرائع حسين الكرمي لسنوات طويلة، وجمع هذه الأقوال وأصدرها في كتاب يحمل العنوان ذاته (قول على قول) صدر في أجزاء عديدة.
ويوم رحل بداية شهر أيار عام 2007، كتبت عنه حديثاً يليق بجهوده في خدمة الثقافة العربية فضلاً على تقديم التمثيليات الإذاعية لنصوص إبداعية راقية ورائعة لروايات ومسرحيات مؤثرة، عمل في هذا القسم على مدى هذه السنين، العديد من الطاقات والمواهب فلقد استمعنا بشغف الى صوت صلاح نيازي الشاعر الأديب المترجم وهو يجيب على بعض الأسئلة الثقافية، وكان نيازي قد عمل في إذاعة بغداد منتصف الخمسينات يوم كانت الإذاعة زاخرة بالإمكانات والأصوات الرخيمة أمثال: ناظم بطرس أروع صوت إذاعي في تاريخ الإذاعة العراقية طرا، فضلاً على ابنه ماهر الذي عمل مذيعاً في التلفزيون العراقي في أواخر الستينات ثم هاجر الى أمريكا، وعادل نورس وحافظ القباني وقاسم نعمان السعدي ومحمد علي كريم ومشتاق طالب وموحان طاغي وسميرة عزام القاصة الفلسطينية وتغريد الحسيني.
كما حفل القسم العربي بعديد من الأصوات النسوية الرائعة التي لا تنسى صوت المذيعة العراقية الأصل مديحة رشيد المدفعي الذي كان صوتها الجميل يسحرني ويجعلني احلق في أجواز الفضاء وأنا مولع بالصوت النسوي، وأراه هبة ربانية يهبها الله لمن يريد ويشاء، كنت أحرص على النشرة الإخبارية التي تقدمها مديحة رشيد المدفعي، وكانت إذاعة لندن تقدم برامجها حتى سنة ٢٠٠٠على فترتين الأولى من السابعة صباحاً وحتى العاشرة ضحى، والثانية من الرابعة عصراً وحتى الثانية عشرة منتصف الليل وكنت حريصاً على سماع نشرة الأخبار العالمية التي تسبق الختام حيث تخصص خمس دقائق لأخبار العالم وربع الساعة الأخيرة لأخبار العالم العربي.
صوت مديحة رشيد المدفعي سيبقى في الذاكرة طويلاً وما زلت على رغم السنين أتذكر تقديمها لنشرة أخبار الساعة الرابعة عصر يوم الاثنين الخامس من حزيران عام 1967 إثر اندلاع المعارك ضحى ذلك اليوم لقد كما نعد الدقائق لنسمع الخبر القادم من جهة مستقلة فلقد كانت الإذاعات العربية تزعق وتصرخ وصوت أحمد سعيد يبشرنا بالنصر المؤزر! وإذاعة إسرائيل الماكرة لا تقدم شيئاً سوى الموسيقى، صمت يحطم الأعصاب وكنا نحدس أن وراء هذا الهدوء انتصارات على ارض المعركة وأنها لا تريد ان تستفز الناس في الوطن العربي، في هذا الوقت العصيب سمعنا أول نشرة إخبارية من جهة محايدة بصوت الإذاعية العراقية الرائعة مديحة رشيد المدفعي، وبإمكان مسؤولي القسم العربي العودة الى التسجيلات – إن كانت موجودة- للتأكد من صحة قولي.
ومرت السنون وافتقدنا الصوت الجميل الحنون ترى أين هي الآن مديحة رشيد المدفعي؟ من يعرف عنها شيئاً؟ عن أجمل صوت نسائي في تاريخ القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية؟ مع احترامي وتقديري للإذاعيات العربيات: سلوى الجراح، هدى الرشيد بصوتها الساحر وعلياء شرباتي.

شاهد أيضاً

في الذكرى الثانية عشر لرحيل شاعر فلسطين محمود درويش
*قصيدة رثاء لمحمود درويش، نشرها سالم جبران باسم سعيد حيفاوي*
نبيل عودة (ملف/26)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

مشتهياتُ الحبّ في حياة محمود درويش وشعره
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

إشارة : بمناسبة ذكرى رحيل شاعر فلسطين والعروبة؛ الشاعر الكبير “محمود درويش” ، تفتتح أسرة …

في الذكرى المائة لثورة العشرين الخالدة . الثورة العراقية الكبرى (ملف/8)

القيادة والتنظيم كانت قيادة ثورة العشرين، تتكون من مجموعة من شيوخ الدين، وشيوخ العشائر، وبعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *