مؤيد البصّام: علي جعفر العلاق الصياد الماهر…

 كيف يمكن الحديث عن شاعر يمتهن النقد منذ بواكير إبداعه ؟،هذا السؤال الذي كتب عنه الكثير من النقاد والأدباء في تقييم الشاعر والناقد د.علي جعفر العلاق، فقد سحرني العلاق منذ الثمانينيات من القرن الماضي في كتابه النقدي ( مملكة الغجر )، وعلى الرغم من صدور عدة كتب نقدية له،  إلا أنني أعود إلى كتابه المذكور بين فترة وأخرى ففيه هذه اللغة الشعرية والنظرة الثاقبة الموضوعية. وهو نفس الشعور الذي يجعلني انتشي طربا، في تأمل لحظات من الدهشة والتفكير بالكلمات التي صاغها في دواوينه وقصائده، والعلاق ناقد وشاعر متطور في كلا الإبداعين، وديوانه الذي صدر حديثا ونحن بصدد الحديث عنه الموسوم ( ذاهب لاصطياد الندى ) يحمل هذه الإشكالية التي يحملها معظم شعره، من بداية الديوان عندما  يضعنا في العنوان السؤال كما هو في ثنايا قصائده.
ذاهب لاصطياد الندى…
          إن الشاعر يضعنا منذ البداية في عنوان الديوان، على قضية مجازية ستلاحقنا ونحن نسير عبر دروب قصائده، متحدثا ً عن منفى الشاعر ألقسري ليس بمعناه الإيهامي وإنما كحقيقة، ليشكل رمزية الكائن والمكان، يبحث عن وهم ٍ ولكنه وهم جميل، يلتقط الكلمات التي تأخذنا في بوح ذاتي ينفث الحزن والتحسر الواعي بما هو كائن وما سيكون. وهي المحطة التي تكشف لنا عن عمق وعي الشاعر عندما يكون ناقداً في الوقت ذاته لتقع عليه مسؤولية صياغة القيمة الجمالية التي تحفزمخيلة المتلقي، عندما يدرك معنى الغياب لاستجلاء مكامن الجمال في وسط الخراب، فهذا الانفعال والاحتدام الجواني الذي حركهما احتلال وطن الشاعر وما صاحبه من مأساة، ألهب ثراء المخيلة، وعمق التجربة الجمالية التي يتصاعد بناءها مع تصاعد الاحتدام الوجودي ورؤاه للصراع بين الفناء والبقاء لجيل ووطن:
له بقايا صداقاتٍ  /  يرممها لكي تضئ  / أيغدو أمسهُ / غدهُ ؟ / أتستحيل يداهُ/ أو قصائدهُ / مظلة ً ؟ / عرباتٍ تحملُ المطرا ..؟.
         إن قصائد ديوان ( ذاهب لاصطياد الندى ) تكريس للحظة الوعي بين الغياب والحضور، لاستلال أسئلة وجودية في محاكاة الحياة والواقع، فهو يزرع عبر أناشيد الرحلة: (وحيدا ً / ليس لي ليلٌ لنمضي / ليلنا سوية ً.. / لا قوس / لانشاب.)، التي لم تتم أفقها في بحر أحلامه، أسئلة عن ماهية هذا الوجود:
( وحينما يوشك أن يكتمل / الحلمُ على يديهِ مثل طفلةٍ / تمعن في إغوائه / سماؤهُ البعيدة./ يسالُ: / هل يكتملُ الشاعرُ ذات ليلةٍ ؟ / يسالُ: هل تكتملُ القصيدة ُ ؟ . إن الفلسفة مصدرها أسئلة، وفي قصائد ديوان ( ذاهب لاصطياد الندى)، العنوان الذي هو جواب على سؤال، إلى أين أنت ذاهب؟ يتحقق لنا المعنى الفلسفي من ترداد الأسئلة، فقد باتت الحياة محض خيال في خيال ولزم السؤال فهو ديوان التأمل والمحاكاة، لما كائن وما سيكون. ( ويسير صديقي  إلى حلم / لا يفارقهُ: / أن تمر الغزالة ُ / مرمى ذراعين من حزنهِ، / أن تعود البلادُ كما انبثقت، / أول الخلق: صافية ً / كخيول المطر ،/ لا يفرْ أبٌ من بنيهِ ،/ ولا يدرك الشيبُ فيها / حفيف َ الشجرْ .. ). إن هذا التواصل في أسئلة الشاعر تكشف عن عمق وأتساع الهوة بين ما هو كائن وما سيكون حينما يغدو المستقبل مجهول مع مجهولية الواقع. وهو يحاور المكان كما يحاور الزمن، يعلقنا بذات الاسئلة ولا يجيب عنها، دعوة للتواصل وجر المتلقي للغوص معه في الاستنتاج، او الوصول الى الحلول التي لم يعد هناك من حلول بعد أن سكت كل شئ من روع ما يحدث،( فلماذا / لم تعد تصغي / إلى أسئلة القتلى / ولا تدرك من نحنُ ، / ولا تقرأ أسرار الرعودِ / الممطرة ..؟ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.