الرئيسية » نقد » ادب » رياض العلي : قراءة انطباعية في مجموعة “العرض الاخير” لميرفت الخزاعي

رياض العلي : قراءة انطباعية في مجموعة “العرض الاخير” لميرفت الخزاعي

قراءة انطباعية في مجموعة “العرض الاخير” لميرفت الخزاعي
رياض العلي
بعد مجموعتها الاولى ” حرير فراشة الحكايات ” تعود الكاتبة البصرية ميرفت الخزاعي لتقدم لنا تحفتها الجديدة ” العرض الاخير ” الصادرة عن دار كيوان في سوريا سنة ٢٠١٩.
وقبل الدخول الى قراءة انطباعية لنصوص المجموعة نطالع لوحة الغلاف التي رسمها الفنان المغترب فلاح السعيدي نجد جسد امرأة بشعر اشقر جالسة تنظر الى المجهول وخلفها وجه رجل يطل كشبح.
قراءة اجمالية:
نصوص هذه المجموعة تشهد تطوراً واضحاً في ادوات الكاتبة وقفزة نوعية في التقنيات المستخدمة في السرد وركزت الكاتبة بشكل عام على البحث في المشاعر الداخلية والخارجية للشخصيات وكان للمكان نصيباً لابأس فيه النصوص لكنه جاء بشكل عرضي مؤثث للنص الا في نص ” العرض الاخير ” حيث كان للمكان حضور وقوي ويحمل دلالات كثيرة.
النصوص غالباً كانت عن المرأة والحب والالم الذي يعانيه الانسان من قسوة الانسان .
تتكون المجموعة من ٣٦ نصاً ينتمي الى جنس القصة قصيرة جداً وتباينت النصوص في الطول حيث كانت بعض النصوص لا تتعدى السطرين كما حدث في المجموعة الاولى وتمثل هذه النصوص ومضة سريعة أشتهرت في الاونة الاخيرة في البصرة من خلال كتابات بعض الشباب الجميلة جداً ،يقول فؤاد قنديل في كتابه ” فن القصة القصيرة” ص ٢٧ :”لست أدري ماذا يمكن أن يقال في نصف صفحة، اللهم الا أذا كان الامر مجرد براعة لفظية تصف الخواء،الافضل الا تقل عن صفحتي فولسكاب”. لكن هذا الرأي التقليدي تحداه كتابنا وقدموا لنا نصوصاً في غاية الجمال والابداع في أسطر قليلة وربما في كلمات قليلة.
لغة النصوص بشكل عام سهلة الفهم رشيقة المعنى والالفاظ مختارة بعناية شديدة بحيث لم نعثر على حشو او فقرات زائدة فكل شئ وضع في مكانه الصحيح وهو مايدل على الاشتغال الدقيق والتأني في كتابة السرد بعيداً عن الاستعجال .
وتتميز اغلب النصوص بالجمل القصيرة التي تضرب بها الكاتبة كما يفعل الرسام حين يفعل كل شئ في ضربات بسيطة على قطعة القماش، وهذا الامر ساعد الكاتبة على تكثيف السرد بشكل واضح وجلي .
استخدمت الكاتبة الفنتازيا الواقعية والسريالية في كتابة بعض المشاهد السردية وهي طريقة جميلة أثرت النصوص وتركت للقارئ حرية التأويل ومتعة تخيل المشهد.
وكذلك تميزت هذه النصوص بنهاياتها ذات الطابع الفجائي مما يشكل متعة أضافية ويدل على قدرة الكاتبة في التحكم بالحبكة .
وأهتمت الكاتبة ب”الاستهلال” في أغلب النصوص وكما هو معروف أهمية الاستهلال بالنسبة للقارئ فهو يمثل بوابة الدخول الى النص وأنا كقارئ اولي للأستهلال أهمية كبيرة وأميل الى أن يدخل القارئ في النص مباشرة بدون فذلكات وحذلكات وهو الامر الذي فعلته الكاتبة بشكل جيد.
تمثل هذه المجموعة قفزة نوعية في السرد البصري الذي شهد حراكاً مهماً في السنوات الاخيرة .
ولنا الحق ان نفتخر ان في البصرة ساردة بحجم ميرفت الخزاعي التي تسير بخطوات متطورة وتقدم لنا المتعة الفكرية والبذخ السردي عبر نصوص مفعمة بالمعاناة الانسانية .
قراءة تفصيلية للنصوص:
١-في نص “بداية أم نهاية” يكون الجنين في داخل بطن امه هو الراوي..
لكن ماذا يروي لنا الجنين..
“بدأت أشك بعدم وجود انغام في الجانب الاخر لعالمي فلا يستبيح سمعي غير صوت بكائها ونحيبها كل يوم وليلة”
لكن كيف للجنين أن يعرف الفرق بين النحيب والانغام الا أذا افترضنا أن النص ينتمي الى السردية الفنتازية..
الكاتبة في النهاية تجعلنا نتعاطف مع هذا الجنين التواق للخروج من الظلام الثلاثي حيث استخدمت الكاتبة التناص القرآني في هذه الظلمات وليس الحقيقة العلمية
هذا النص يبدو للقاؤئ كأنه مستل من نص كبير وهنا تكمن براعة الكاتبة حيث استطاعت ببراعة أن تنقل لنا لحظة وسطية من الحكاية.
لحظة تضعنا فيها الكاتبة في حيرة..
فهل هذه اللحظة بداية أم نهاية
أم هي بداية النهاية أو نهاية البداية..
فهذه اللحظة الوسطية تسبقها حكاية كبيرة وتتبعها حكاية أكبر..
الحكاية الاولى هي كيف حصل الذي حصل ومن الذي زرع هذا الجنين في احشاء هذه المرأة التي لم تخرج لنا او أن الكاتبة ابقت امرها سراً لا يعرفه الا هي.
لكن الكاتبة أعطتنا بعض الاشارات يمكن للقارئ من خلالها أن يبنى معمارية سردية ذهنية موازية للسردية الاصلية..
وأن يبتكر ما يشاء من المشاكل ومن الحلول ايضاً..
فمن خلال هذه الاشارات نعرف أن المحيطين بالام لا يعرفون بوجود هذا الجنين لأنها ترتدي ملابس فضفاضة..
وأن هذه الام مازالت تحب الرجل الذي زرع في احشاءها ذلك الجنين ..
٢-في نص “ترصد” نجد ثمة زوجة تتقن الرسم لكنها متزوجة من رجل بسيط الثقافة يعمل بستانياً ويتعدى عليها بالضرب ويتعرض للتسمم وتتهم هي بدس السم له ويتم القبض عليها لكنها تخرج بعد ثلاثة أيام بكفالة مالية .
في هذه النص استخدمت الكاتبة التكثيف في أشد حالاته فهي قد أختزلت الكثير في جمل قصيرة بحيث لم تترك لنا الا أن نتسائل..هل هي من دست السم فعلاً لزوجها؟
لماذا مزقت أخر رسماتها؟وماذا كانت تلك الرسمات الاخيرة؟
حتى الزوجة لم تفهم سبب ذلك” الفرح الخبيث الذي شعت به عيناه حين رآها تمزق أخر رسماتها”؟
لماذا كانت تبتسم ابتسامة باهتة ومادخل الاصابع ” السجينة داخل قالب من الجبس الطبي ” بتلك الابتسامة؟
هل أن الصمم الذي ذكرته الكاتبة في مستهل النص هو صمم حقيقي أم مجازي؟
أعتقد أن النص كان بحاجة الى أيضاح أكثر من الكاتبة وأن الاختزال والتكثيف ربما ليس في مصلحة النص ، فالقارئ يريد أن يفهم الحكاية في النص بشكل واضح.
لكن الكاتبة خيراً فعلت حين أختارت صوت الراوي العليم ولم تنحاز الى أي طرف من طرفي النص”الزوجة والزوج” اللذين لم تنفع معهم ثلاثين سنة من الزواج لفهم بعض.
واذا رجعنا الى العنوان ” ترصد ” فهو يحيلنا الى نص المادة ٤٠٦ من قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ والتي نصت على انه ” يعاقب بالاعدام من قتل نفساً عمدا اذا كان القتل مع سبق الاصرار والترصد” ومن المعلوم أن هذه المادة لا تقبل خروج المتهم بكفالة.
لكن يحسب للكاتبة أنها اثارت هذا الموضوع الذي يهم النساء اللواتي يعملن في النشاط الثقافي ولديهن مواهب ابداعية وهن متزوجات من رجال لا يقدرون تلك المواهب والابداع ويتعرضن للكبت والتعنيف لمجرد كونهن يريدن اثبات انفسهن من خلال اظهار تلك المواهب الى العلن وأعتقد ان هذا النموذج موجود وبكثرة في المجتمع العراقي.
٣-هل نص ” إجماع” هو نص سياسي؟
القراءة الاولى تعطي أنطباع أنه نص سياسي..وهو كذلك فعلاً..
” ببريقه الناصع ،شذ منزلي عن حينا الذي أخفت ملامحه وأضاعت الوانه،لافتات لأحزاب ومنظمات غزت بلادنا قبيل إجراء الانتخابات”
بهذا الاستهلال تدخلنا الكاتبة في النص الذي يأخذ منحاً فنتازياً لكنها فنتازيا مشبعة بالواقعية ،فالراوية هنا لا تريد أن تنجر الى هذا ” الاجماع ” الذي اخذ يطوف في كل أرجاء الازقة والشوارع لكنها تكتشف ان عتبة باب بيتها قد ملئت بعشرات الشارات والكتيبات الحزبية حتى ثيابها اصبحت كلوحة اعلانات من كثرة الايادي التي لامستها..الايادي الملوثة..وحتى” الاصبع ” الذي خذلها في النهاية يمكن ان نحيله الى الاصبع الذي يغمسه الناخب في قنينة الحبر يوم التصويت وهي -لوصحت- اشارة ذكية من الكاتبة.
نص ينتمي الى الانسان اللامنتمي الذي تثقله كثرة الانتماءات المحيطة حوله والتي لا تريد بيتاً ناصع البياض يشذ عن بيوت الحي/الوطن التي اصبحت كلها ملوثة…ملوثة بالانتماء الضيق ..
هو نص وجودي عن محنة الانسان في زمن أصبحت فيه الوطنية تهمة ورفع علم الوطن جريمة ..
٤-عنوان نص ” نخيل يعانق الجبال” ملفت للأنتباه..كيف يذهب ” عباس ” لينقذ ” جيهان” التي أسرها داعش من جبل سنجار وهي القصص التي قرأنا منها الكثير خاصة في كتاب ” في سوق السبايا” للشاعرة ” دنيا ميخائيل ” غير أن المنقذ هنا هو أحد سكان الجنوب سواء كان من قوات الحشد الشعبي أو القوات المسلحة الاخرى.
في النص ثمة لغة شعرية واضحة والكاتبة وظفتها ضمن السياق السردي بمهارة بالغة وأشتغلت الكاتبة على المفارقات في سلوك عصابات داعش.
لكن الاستهلال لم يكن موفقاً بدرجة كبيرة حيث لم تبين لنا الكاتبة كيف عرف ” عباس ” وهو الراوي في النص بأن ” جيهان ” قد ازهرت الابتسامة على شفتيها ؟وحتى لو افترضنا أن الراوي قد شاهد ذلك بقلبه كان يمكن للكاتبة ان تبين ذلك باضافة ما يدل على ذلك .
بقي موضوع الهاتف النقال الذي اخذته ” جيهان ” من اخيها وهو نقطة ضعف النص ولم استطيع تجاوزه بأي حال من الاحوال لأنه يثير الكثير من الاستفهام منها : كيف استطاعت ” السبية ” ان تحتفظ بالهاتف كل هذه المدة بدون ان يلاحظها احد وكيف كانت تشحنه وغيرها من الاسئلة.
وأعتقد ان الكاتبة لو كانت قد استعملت صوت الراوي العليم لكان افضل للنص .
الكتابة حول السبايا ومحنة الفتيات الايزيديات يحتاج من من الساردين التفصيل أكثر وأكثر وهذا النص كان يمكن أن يكون أكثر تفصيلاً كي يحصل القارئ على المتعة في القراءة وأيضاً على الاجابات التي تدور في رأسه.
٥-في نص ” سلاح ابيض” تقدم لنا الكاتبة مشهداً يدمج بين اللغة المسرحية والسيناريو الدرامي بالاضافة الى الحكاية الحزينة والصراع بين الطمع والجشع وسرقة أموال اليتامى وهو الموضوع المفضل لدى الميلودراما المصرية بالذات.
الكاتبة اشتغلت بشكل ماهر على التداعيات المآساوية لفعل الشخصيات الطبيعي .
لكن ماهي تلك المقايسس التي في الحياة والتي لاتوجد في الكتب؟
النص جميل جداً.!
٦-في نص ” حدث في المتنزه” توقعنا الكاتبة في شرك سردي،فهي توهم القارئ بأن ” حدث ” السرد يتجه نحو تلك الشابة التي طلبت من احدى الجالسات في المتنزه الصعود معها في لعبة الاففعوانية الخطرة لكن القارئ يتفاجئ بأن هذا ” الحدث ” يتحول الى طفلة ذات احد عشر عاماً كانت ترغب في الصعود الى السماء حيث تسكن أمها.
ولا أعرف هل أن الكاتبة كانت تعلم بتلك الطفلة وهي تشرع في كتابة هذا النص أم أنها قفزت في خيالها فجأة فتحول ” حدث السرد ” نحوها بعد أن ركزت على وصف المتنزه والحديث مع تلك الشابة الخجولة التي تريد أن يشاركها احد ما في الصعود الى تلك الالعاب.حتى يتخيل ان تلك الطفلة انبثقت من العاب المتنزه.
المكان السردي والاشياء استخدمتهما الكاتبة ببراعة كبيرة،
حيث المتنزه والنهر الملوث ولعبة الافعوانية والطيور.
هذا النص جميل جدا .
٧-لم تستطيع الكاتبة الامساك بحبل السرد في نص ” مقتنيات حكومية” حيث ضاعت اغلب خطوط السرد ولم يستطيع القارئ معرفة من هو الراوي ومالذي حدث بالضبط لأحمد فأغلب خطوط السرد مقطعة فكان يمكن للكاتبة مراجعة النص وتغيير التقنية التي استعملتها خاصة وأن الحكاية التي تقدمها للقارئ هي حكاية كبيرة جدا سبق وأن عالجها ” علي خيون ” في رائعته ” العزف في مكان صاخب ” والتي وظفها لنقد تصرفات بعض رجال السلطة ضد خصومهم.
٨-في نص ” نزهة القدر” تقدم لنا الكاتبة نصاً في غاية الجمال والانسانية و” الحزن” في نفس الوقت.
في مستهل ووسط النص علاقة أنسانية بالغة العذوبة بين الام والابن الصغير ذو العشر سنوات بحيث لا يستطيع كل قارئ ان يحبس دموعه من تلك المشاعر الجميلة التي لايوجد مثيلها في الكون كله.
لكن من هذا الغريب الذي تحيط بهيئته الجميلة هالة من نور وما هي تلك الورقة التي كان يحملها بيده؟
الكاتبة هنا تطلق للقارئ عنان التخيل معها كي يصل معها الى الفاجعة الكبيرة .
وأجمل مافي النص هو تلك اللحظة السريالية :” قفز السندباد ،علاء الدين ،سوبرمان وغيرهم للبحث عنهما دون جدوى”
ولا تنس الكاتبة ” كعادتها ” ان تكحل النص بعبارات ذات طابع شعري مثل ” تاركين وراءهما انامل صغيرة تحاول الامساك بغيمة الحكايات”
٩-اقف عاجزاً للكتابة عن انطباعاتي كقارئ أمام نص ” اطباق طائرة” ،فلأول وهلة راجعت غلاف المجموعة لأتأكد ان الكاتبة عراقية وفي المرة الثانية أعدت قراءة النص قراءة ” خبيثة ” لأتصيد كعادتي الاخطاء لكني رجعت خائباً.
هذا النص مليء بكل شئ ،كأننا أمام حلقة من مسلسل Black Mirror لم تنتج بعد.
الاستهلال في هذا النص يجعل القارئ يتعاطف مع البطلة حيث تعرض حسابها على احد منصات التواصل الاجتماعي الى القرصنة من ” مجهول” لكنها وفي النهاية تعرف وكذلك نحن على هذا المجهول.
وكما يحدث في برامج ” الكاميرا الخفية ” يحدث لها حيث يجلس رجل انيق متوسط العمر على طاولة طعامها في المطعم ويطلب اصناف مختلفة من الطعام.
لتكتشف فيما بعد من هو هذا المجهول الذي لن ابوح به لكم كي لا احرمكم متعة قراءة هذا النص الرائع.
اثار انتباهي ان الكاتبة استعملت كلمة ” منصة ” للاشارة الى الحاجز الذي يقف امامه الزبون للحصول على طلباته من الطعام وهي اشارة ذكية من الكاتبة ولمحة رمزية ممتازة لأن محور النص هو ما سينشر في احدى منصات التواصل الاجتماعي للحصول على الاعجابات والتعليقات.
نص مذهل.
١٠-قدمت لنا الكاتبة في نص ” ذنب البراءة” حكاية مآساوية لطفل شديد الحركة او ما تسميه الكاتبة ” حرك” وهي كلمة تطلق على الطفل المشاغب كثير الحركة والذي يحدث فوضى اينما لعب .
هذا الطفل يتعرض للتعنيف من والده الطبيب من خلال ربط يديه فيتم بتر جزء من يديه لاصابته بالغرغرينا.
المآساة تكمن فيما تعرض له الطفل وما حدث للأب بعد ذلك.
هذا النص ينتمي لنص ” ترصد” حيث تتناول فيهما الكاتبة مشاكل الاسرة بطريقة سردية جميلة على الرغم من مآساويتها.
١١-نص ” سر العين” غرائبي فنتازي مثير للدهشة والتأمل..
الكاتبة هنا تتعدى بمهنة الاب ” قناص” لتجعلها ترتبط بلعنة تصيب كل من نظر الى عين ابنه.
هذا النص كبير جداً وهو امر طبيعي ان يصدر من كاتبة تعيش في مدينة الخيال والسرد.
١٢-هل الانسان مسير ام مخير؟
تلك الاشكالية التي شاعت قبل قرون في مجال علم الكلام بين المعتزلة والمرجئة والاشعرية والجبرية وباقي الفرق الاسلامية وتباينت الاراء حولها قدمتها لنا الساردة في نص فلسفي يحمل الكثير من الاسئلة الوجودية والوجدانية .
يبدو أن الكاتبة اخذت موقف ” الفاعل ” في النص من الاية القرآنية ” مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ” و ” الفاعل ” في النص تبنى موقف الجبرية حين يناجي ربه وهو الموقف الذي اعلنه جهم بن صفوان وحاربه الاشعرية وباقي الفرق الدينية في حين ان المعتزلة يصفون الاشعرية بانهم كذلك جبرية لكن اغلب الاشعرية ينفون ذلك.
الجبرية تعلق ضرورة حدوث الأشياء على مبدأ أعلى منها، يسيرها كما يشاء، فهي إذن ضرورة متعالية. واللّه عند أصحاب هذا المذهب هو الطبيعة الطابعة، والعالم هو الطبيعة المطبوعة.
” أنت يا آلهي من وضع قدمي على هذا الطريق”
“يارب لم جعلتني أداة لتحقيق غرضك وهدفك”
“لم أختر الكثير من افعالي”
نص يجعلنا نفكر كثيرا.
١٣-نص “غداء أدبي” هو الضد النوعي لنص ” ترصد” أنف الذكر. فهنا نجد أن الزوج القارئ الشغوف لا يبالي بطبخ زوجته التي تجيبه بكل سخرية ” سأعد لك وليمة من الكتب فربما كان ذوقك فيها أفضل منه في الطعام”
نص بسيط يحمل دلالات غاية في الاهمية،عن الجدلية بين الزوجين اذا كان احدهما مهتم بالنشاط الثقافي والاخر لا.
١٤-” تمويه” هو نص الوجع العراقي،عن الكذب الذي نمارسه كي نخفي فقدان ابناءنا في حروب الانسان ضد الانسان.
دموع الاب التي يمسحها بطرف ثوب الام هي اعلان عن أن تلك الكذبة يجب ان تستمر،انها ليست كدموع يعقوب.
١٥-نص ” رنين” هو نص الحب ،فتاة تتلقى اتصالاً من زميل لها في العمل بينهما علاقة غامضة تتراوح بين الحب وبين الصداقة وبين الزمالة.
يطلب منها الزوج وهي تحاول ان تلبس ” قناعها” لترفضه بينما هي خلف القناع ربما ” تحبه”.
أعجبني في النص تلك الجمل السريالية بالغة العذوبة مثل:
” بدت كلماته وكأنها إطارات شاحنة محملة بأطنان من الحديد تسير على طريق عبدته الغيوم”
” ابدلت كلماته ريش وسادتي بأحجار أدمت احلامي”
ترى مالذي قالته تلك الفتاة لذلك الصديق ” المخمور” في تلك “المرة اليتيمة” وماهي تلك الكلمات التي همست بها اليه حين لم بوعيه تماما؟.
١٦-كنت اتمنى من الكاتبة ان تستمر بالسرد في نص ” قلب طفل” فهذه النصوص المينودرامية الحافلة بالمشاعر الانسانية تثير في القارئ الكثير من الانفعالات الذاتية الجميلة والمحزنة في نفس الوقت.
كنت اتمنى ان لا تتركنا الكاتبة نفكر فيما قاله ذلك الصياد الذي حضر باشعاره التي اعادت تلك الاربعينية كما ولدتها امها.
فبين ” مقبرة الذكريات ” و” قلب طفل” و” المرآة” التي تستجدي وجهاً نعيش مع تلك الاربعينية التي تستعد لخريف العمر.
نص فيه دلالات نفسية لأزمة منتصف العمر للمرأة .
١٧-يكفي استهلال نص ” بديل ” كي تتداعى امامنا كل حكايات النساء في زمن الحرب التي لا تنتهي: ” ماذا تفعل زوجات المحاربين اثناء غياب ازواجهن في خضم المعارك؟”
فالحرب تقتل الرجال وتقمع الشوق في قلوب النساء.
يمكن للقارئ أن يتخيل ما يشاء من تلك الحكايات المؤلمة ،الكاتبة تدخلنا في معمعة الحرمان الذي عاشته كل نساء المحاربين في كل حروب الانسان ضد الانسان.
١٨-نص “بيت الدمى” ينبئ بأن الكاتبة استوعبت تيار السرد الفرنسي الحديث الذي ارتبط بالكاتب الفرنسي الكبير “الان روب غرييه ” وهو التيار الذي سمي ب ” الرواية الفرنسية الجديدة” والذي هو تيار شيئي.
فالبطل الرئيسي في هذا النص هو ” الشئ” حيث جعلت الكاتبة من الدمى تتحرك في مفاصل السرد حيث انها لم تجعل الاشياء تتحرك ضمن الوصف السردي التقليدي بل تعدت ذلك الى ادخاله ضمن السياق السردي بدلالات وظيفية واضحة بطعم سحري حتى انها تبدو ككائنات اسطورية قادمة من افلام “هاري بورتر “او ” اللعبة” او فيلم ” تيد” .
فالشئ في هذا النص اصبح هو الحكاية والانسان اصبح حاضراً كشخصية ثانوية كأن الكاتبة تريد مقايضة الانسان بمشاعره الباردة بتلك الاشياء التي تتفاعل مع بعضها كاستعارات من المشاعر البشرية البغيضة كالحقد والحسد والكراهية.
نص يمكن قراءته من مستويات عديدة.
١٩-في نص ” خاتم الجثة ” تقدم لنا الكاتبة حكاية غرائبية مرة اخرى،فالمراة في هذا النص تدفعها جدتها للذهاب الى ثلاجة الموتى كي تشعر بالخوف والذعر لتحمل،انه نوع من السحر،وكعادة الكاتبة في نصوص هذه المجموعة تفاجأنا بمفارقة وصدفة لا تحدث الا نادراً او لا تحدث الا في السرد.
يدور في بالي ان النص بحاجة الى شئ ما.
٢٠-نص ” العرض الاخير ” الذي اختارته الكاتبة عنواناً للمجموعة يشبه في موضوعه نص ” مقتنيات حكومية” لكن الكاتبة اختارت ” ديكوراً ” اخر للسرد وشخصيات مختلفة وادخلت السيرك كعنصر اضافي في الحكاية كدلالة رمزية واضحة .
لا انكر ان ذاكرتي ذهبت بعيداً حيث المسلسل العراقي ” هيستيريا” الذي عرض سنة ١٩٩٦ والذي كتبه ” احمد هاتف” لكن كما قال الجاحظ في احد رسائله فأن المعاني مطروحة على الطريق وهنا نقول ان الموضوعات السردية مطروحة على الطريق يتلقفها الجميع ويأتي دور السارد الماهر ليقدم لنا الموضوع المطروح بشكل مختلف عما قدمه الاخرون.
وهكذا فعلت الكاتبة في هذا النص،فهي قدمت الموضوع نفسه في نص سابق في نفس المجموعة لكن بمعالجة متخلفة وهنا تكمن البراعة والمهارة السردية.
فنص ” العرض الاخير ” مليء بالرموز والدلالات ،مثلاً:
” سيرك جوال،انسب مكان للعاطلين عن الامل من لفظتهم الحياة”
” جبان، تختبئ خلف جماعة من المنبوذين”
“مالحياة الا سيرك كبير وداخل كل واحد منا ساحر عظيم”
الكاتبة قسمت النص الى جزأين وفي الجزء الثاني من النص تأخذ ” الحمامة” دلالة رمزية اخرى بدلاً من السيرك في الجزء الاول وللحمامة رمزية صوفية واضحة فهي كانت على الدوام رمزاً للحب والصفاء والنقاء والسلام والطمأنينة وكلنا يتذكر لوحة بيكاسو الشهيرة التي صور فيها الحمامة تحمل غصن زيتون والتي اصبحت شعاراً للسلام العالمي في مؤتمر السلام الذي عقد في باريس سنة ١٩٤٩ وكذلك دور الحمامة في نقل الرسائل بين البشر كدلالة للتواصل الانساني ومن يذهب الى اسطنبول ويشاهد تلك القصور العظيمة يجد رمز الحمامة واضحاً بشكل ملحوظ.
لكن لماذا ” العرض الاخير” ،
لماذا نفترض ان الثورة ضد الظلم والكبت والقسوة هي عرض اخير؟

*العرض الأخير- ميرفت الخزاعي- دار كيوان – سوريا – ٢٠١٩ – ٩٠ صفحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *