الرئيسية » نقد » ادب » علي كاظم داود : قراءة رمزية في قصة من الشعر الجاهلي

علي كاظم داود : قراءة رمزية في قصة من الشعر الجاهلي

قراءة رمزية في قصة من الشعر الجاهلي

علي كاظم داود

شغل الحيوان مساحة مهمة في القصيدة الجاهلية؛ تبعًا لمكانته الأثيرة في حياة الإنسان في ذلك العصر. فالحيوان في تلك البيئة يمثل وسيلة النقل وواهب الطعام والثياب ومصدر الثراء. وقد جرى تصوير حيوانات البيئة الجاهلية في الشعر العربي القديم بشكل واسع، فقد «أولع الجاهليون بوصفها والتدقيق في حياتها، ولعًا لا يكاد يعادله ولع»(1 ). وكان الثور الوحشي والبقرة الوحشية من الحيوانات التي تجلّت بشكل مؤثر في بنية القصيدة الجاهلية. حتى ظهر في قصص عديدة مكتملة البناء الفني والتشكيل السردي لدى العديد من الشعراء، وقد لاقى هذا الموضوع عناية كبيرة من الدارسين والباحثين، الذين استفاضوا في تحليل هذه الظاهرة الشعرية وفي تفسير نصوصها.
وقد ذهبت آراء النقاد والدارسين في تفسيرهم لظاهرة أو قصة الحيوان الوحشي في القصيدة الجاهلية على ثلاثة مذاهب:
الأول: رأى أنها تمثل استطرادًا في النص الشعري، لا ينطوي على مغزى أو دلالات وأبعاد عميقة أو مؤثرة على مستوى المضمون. فغايته تشبيه الناقة بالحيوان الوحشي من حيث القوة والقدرة على التحمل. وهذا الرأي ربما يكون ضعيفًا لأن المغزى غاية أساسية في أي نص، ولا يمكن توقع حضور ظاهرة ما، بهذا الاتساع، دون أن تكون مكتنزة بالدلالات والغايات.
الثاني: يرى أن لها ارتباطًا وثيقًا وصلة جوهرية بالأسطورة، وأن البعد الميثيولوجي كامن في طياتها، وقد عدّها امتدادًا لظاهرة تجلي الأساطير في النتاج الأدبي الإنساني بعامة والعربي الجاهلي على وجه الخصوص. فالحديث عن قصص الحيوان الوحشي إنما هو في حقيقته الكامنة حديث عن الآلهة(2 ). وهذا الاتجاه قد يكون بعيدًا بعض الشيء عن الحقيقة، إذ الروابط بين التجلي النصي وبين الدلالة المفترضة له غير واضحة تمامًا.
الثالث: يعتقد برمزيتها العالية بوصفها تجسيدًا ومعادلًا موضوعيًا لصراع الإنسان في الحياة ومكابدته من أجل البقاء(3 ). إذ «إن حديث الشاعر الجاهلي عن ضروب الكفاح الشاق المتصل وعنايته بتصويرها، هو حديث عن نواميس الحياة وحقائقها الأبدية، وتصوير لها، فليست المعركة القاسية الطويلة التي يخوضها الثور الوحشي سوى صورة حية أصيلة من صور الصراع الخالد بين الأحياء والطبيعة، أو بين الأحياء والأحياء دفعًا للظلم ودفاعًا عن الحياة في نقائها ووفرتها وجمالها»( 4). وهذا هو الرأي الأقرب إلى روح القصة، إذ لطالمًا انشغل الإنسان بفكرة المصير والموت والنهاية الحتمية الكامنة في تفاصيل هذه الحياة، فهو يرى انعكاسها في ما يدور من حوله في بيئته، فينتزع لها تمثيلًا في قصة الحيوان الوحشي وصراعه مع الطبيعة وكلاب الصيد.
في ما يأتي سنتناول ثلاثة نماذج لهذه القصة من أجل الوقوف على بعض أبعادها الرمزية.

قصة الثور الوحشي عند امرئ القيس
كَأَنّي وَرَحلي فَوقَ أَحقَبَ قارِحٍ بِشُربَةَ أَو طاوٍ بِعِرنانَ موجِسِ
تَعَشّى قَليلاً ثُمَّ أَنحى ظُلوفَهُ يُثيرُ التُرابَ عَن مُبيتٍ وَمُكنِسِ
يُهيلُ وَيُذري تُربَها وَيُثيرُهُ إِثارَةَ نَبّاثِ الهَواجِرِ مُخمِسِ
فَباتَ عَلى خَدٍّ أَحَمَّ وَمَنكِبٍ وَضَجعَتُهُ مِثلُ الأَسيرِ المُكَردَسِ
وَباتَ إِلى أَرطاةَ حِقفٍ كَأَنَّها إِذا أَلثَقَتها غَبيَةٌ بَيتُ مُعرِسِ
فَصَبَّحَهُ عِندَ الشُروقِ غُدَيَّةَ كِلابُ بنُ مُرٍّ أَو كِلابُ بنُ سِنبِسِ
مُغَرَّثَةً زَرقا كَأَنَّ عُيونَها مِنَ الذَمرِ وَالإِيحاءِ نُوّارُ عِضرِسِ
فَأَدبَرَ يَكسوها الرُغامَ كَأَنَّها عَلى الصَمدِ وَالآكامِ جَذوَةُ مُقبِسِ
وَأَيقَنَ إِن لاقَينَهُ أَنَّ يَومَهُ بِذي الرِمثِ إِن ماوَتَتهُ يَومَ أَنفُسِ
فَأَدرَكنَهُ يَأخُذنَ بِالساقِ وَالنَسا كَما شَبرَقَ الوِلدانُ ثَوبَ المُقَدَّسِ
وَغَوَّرنَ في ظِلِّ الغَضى وَتَرَكنَهُ كَقِرمِ الهِجانِ الفادِرِ المُتَشَمِّسِ( 5)
تنطلق صورة ثور الوحش في أبيات امرئ القيس من هيأة متوجسة عليها سيماء الجوع التي نسجتها البيئة القاسية الشحيحة، ولهذا نجده يبيت طاويًا بعدما تناول عشاءً قليلًا بالكاد يسد رمقه. أو ربما يقصد أنه تجوّل قليلًا في وقت العشاء دون أن يأكل شيئًا فبات طاويًا أحشاءه على الجوع. ولم يجد بدًّا سوى أن يهيئ لنفسه موضعًا مريحًا ينام فيه، مستخدمًا أظلافه. مثيرًا التراب ونابشًا فيه لكي يصل إلى برودة الأرض الدفينة. وهنا يشبه الثور بالرجل الذي اشتد عليه حرّ الهاجرة، فجعل ينبث التراب، ليصل إلى برد الثرى. وهذا البيت يمثل صورة تجسيمية متحركة للثورة الوحشي. وضع الثور خده الأسود على الأرض، متهالك القوى، خائر الجسد، مباشرًا للتراب بجنبه، كما لو أنه أسير مقيّد بالأغلال. وكان مبيته جنب شجرة صحراوية كما لو أنها إذا أصابها المطر بيتٌ أعدّ لزفاف. لكن الراحة التي يطلبها الثور في هجعته لن تطول كثيرًا؛ إذ تعاجله مع مطلع الصبح كلاب الصيادين. إنها كلاب تعمّد أصحابها تجويعها؛ لتكون أكثر شراسةً وفتكًا، زرقاء كالأشباح والشياطين، وعيونها حمراء، لتكتمل صورة هذه الكائنات الشريرة التي تستهدف القضاء على هذا الكائن البريء الوديع. فلمّا أحسّ بها ولّى هاربًا، مدفوعًا بقوة كامنة، فانطلق مثل شعلة من النار، يثير التراب على الكلاب التي راحت تلاحقه. وفي تلك الحال أخذ الثور يحدّث نفسه: إن الكلاب إن أدركته وأرادت قتله فإنه لن يتركها حيّة أيضًا، فهو يوم حياة أو موت. لكن ما خشيه الثور قد وقع سريعًا، فقد أدركته الكلاب وأخذت تنهش ساقه، وتمزق عروقها. لكن الصراع يحسم في النهاية لصالح الثور، فتلوذ الكلاب بظلال الغور متهالكة القوى، تاركةً الثور منتصب القامة في تمام نشاطه وقوته، كأنه لم يخض معركة قبل قليل.
نجد في هذه الأبيات اكتمالًا لأركان المرسلة السردية (الراوي، المروي له، والمروي)، فالراوي هو الشاعر المشار له بضمير المتكلم في البيت الأول من القطعة الشعرية. والمروي له هو المتلقي الضمني الكامن في النص، الذي يتوجه الخطاب نحوه. أما المروي فهو يتشكل من أفعال سردية متوالية، جسدت صورة حيّة، كما لو أنها مرئية، لشخوص القصة وعناصرها، في فضاء مكاني وزماني معلومين، وقد تحدد كل ذلك بدقة ووضوح.

قصة الثور الوحشي عند النابغة الذبياني
كَأَنَّ رَحلي وَقَد زالَ النَهارُ بِنا يَومَ الجَليلِ عَلى مُستَأنِسٍ وَحِدِ
مِن وَحشِ وَجرَةَ مَوشِيٍّ أَكارِعُهُ طاوي المُصَيرِ كَسَيفِ الصَيقَلِ الفَرَدِ
أسْرَت عَلَيهِ مِنَ الجَوزاءِ سارِيَةٌ تُزجي الشَمالُ عَلَيهِ جامِدَ البَرَدِ
فَارتاعَ مِن صَوتِ كَلّابٍ فَباتَ لَهُ طَوعَ الشَوامِتِ مِن خَوفٍ وَمِن صَرَدِ
فَبَثَّهُنَّ عَلَيهِ وَاِستَمَرَّ بِهِ صُمعَ الكُعوبِ بَريئاتٍ مِنَ الحَرَدِ
وَكانَ ضُمرانُ مِنهُ حَيثُ يوزِعُهُ طَعنَ المُعارِكِ عِندَ المُحجَرِ النَجُدِ
شَكَّ الفَريصَةَ بِالمِدرى فَأَنفذَها طَعنَ المُبَيطِرِ إِذ يَشفي مِنَ العَضَدِ
كَأَنَّهُ خارِجاً مِن جَنبِ صَفحَتِهِ سَفّودُ شَربٍ نَسوهُ عِندَ مُفتَأَدِ
فَظَلَّ يَعجُمُ أَعلى الرَوقِ مُنقَبِضاً في حالِكِ اللَونِ صَدقٍ غَيرِ ذي أَوَدِ
لَمّا رَأى واشِقٌ إِقعاصَ صاحِبِهِ وَلا سَبيلَ إِلى عَقلٍ وَلا قَوَدِ
قالَت لَهُ النَفسُ إِنّي لا أَرى طَمَعاً وَإِنَّ مَولاكَ لَم يَسلَم وَلَم يَصِدِ( 6)
تبدأ صورة الثور الوحشي لدى النابغة الذبياني بوصفه كائنًا متوحدًا منعزلًا، يستأنس بالوحدة والابتعاد عن الآخر، حتى كأنه يفزع إن رأى أحدًا. مسكنه صحراء شاسعة قاحلة، وقد تركت آثارها على جسده نحولًا وضمورًا. هو أبيض كالسيف اللامع، لكن قوائمه منقطة ومخططة باللون الأسود. وهو في هذه الحال لا تتركه أنواء الطبيعة يهنأ بليله، إذ تمطره السماء مطرًا شديدًا محملًا بالبرد. ثم تكتمل عليه الدوائر عندما يفزعه صوت صيّاد مع كلابه، فبات على حال تشمت العدو وتحزن الصديق. وفي تلك اللحظات الحاسمة يوجّه الصياد كلابه نحو الثور، فما كان منه إلا أن يطلق سيقانه القوية للريح. لكن الصياد كان يحث كلابه للانقضاض على الثور، إلا انه كان أشد فتكًا بها، فقد طعن واحدًا منها بقرنه، واسمه ضمران، طعنة قاتلة. كانت طعنة نجلاء نافذة، مثل علاج البيطار للناقة من داء أصابها في العضد. وكأنه عند خروجه سيخ شواء نُسي طويلًا على المجمرة. فتكوّر الكلب حول القرن متألمًا، يعضّ عليه بأسنانه، لكنه قرن صلب صقيل مستقيم. وإذا بكلب آخر اسمه واشق، يحدث نفسه وهو يرى هذا المشهد المريع الذي لا سبيل معه لأخذ الدية أو الثأر، أن الصراع مع هذا الثور ميؤوس منه، فقد سبقه صاحبه بالخسران، فلا هو حضي بصيد ولا بحياته. فتخلى عن طمعه في الظفر بالثور، وولّى مدبرًا، فكتب النصر للثور.

قصة البقرة الوحشية عند زهير بن أبي سلمى
كَخَنساءَ سَفعاءِ المَلاطِمِ حُرَّةٍ مُسافِرَةٍ مَزؤودَةٍ أُمِّ فَرقَدِ
غَدَت بِسِلاحٍ مِثلُهُ يُتَّقى بِهِ وَيُؤمِنُ جَأشَ الخائِفِ المُتَوَحِّدِ
وَسامِعَتَينِ تَعرِفُ العِتقَ فيهِما إِلى جَذرِ مَدلوكِ الكُعوبِ مُحَدَّدِ
وَناظِرَتَينِ تَطحَرانِ قَذاهُما كَأَنَّهُما مَكحولَتانِ بِإِثمِدِ
طَباها ضَحاءٌ أَو خَلاءٌ فَخالَفَت إِلَيهِ السِباعُ في كِناسٍ وَمَرقَدِ
أَضاعَت فَلَم تُغفَر لَها خَلَواتُها فَلاقَت بَياناً عِندَ آخِرِ مَعهَدِ
دَماً عِندَ شِلوٍ تَحجُلُ الطَيرُ حَولَهُ وَبَضعَ لِحامٍ في إِهابٍ مُقَدَّدِ
وَتَنفُضُ عَنها غَيبَ كُلَّ خَميلَةٍ وَتَخشى رُماةَ الغَوثِ مِن كُلِّ مَرصَدِ
فَجالَت عَلى وَحشِيِّها وَكَأَنَّها مُسَربَلَةٌ في رازِقِيٍّ مُعَضَّدِ
وَلَم تَدرِ وَشكَ البَينِ حَتّى رَأَتهُمُ وَقَد قَعَدوا أَنفاقَها كُلَّ مَقعَدِ
وَثاروا بِها مِن جانِبَيها كِلَيهِما وَجالَت وَإِن يُجشِمنَها الشَدَّ تَجهَدِ
تَبُذُّ الأُلى يَأتِينَها مِن وَرائِها وَإِن تَتَقَدَّمها السَوابِقُ تَصطَدِ
فَأَنقَذَها مِن غَمرَةِ المَوتِ أَنَّها رَأَت أَنَّها إِن تَنظُرِ النَبلَ تُقصَدِ
نَجاءٌ مُجِدٌّ لَيسَ فيهِ وَتيرَةٌ وَتَذبيبُها عَنها بِأَسحَمَ مِذوَدِ
وَجَدَّت فَأَلقَت بَينَهُنَّ وَبَينَها غُباراً كَما فارَت دَواجِنُ غَرقَدِ
بِمُلتَئِماتٍ كَالخَذاريفِ قوبِلَت إِلى جَوشَنٍ خاظي الطَريقَةِ مُسنَدِ
كأن دماء المؤسدات بنحرها أطبة صرف في قضيم مصرد(7 )
تتجلى بقرة زهير بن أبي سلمى في منظر يسر الناظرين، بأنف قصير، وخد أسود مشوب بحمرة، حرة في السفر والترحال، لكن في نفسها ارتياعًا وذعرًا داخليًا، ربما بسبب خوفها على ولدها الصغير من الأخطار المحيطة بها. إلا أن القرون التي تمتلكها كانت بمثابة سلاح، تتقي به الأعداء، ويدخل الراحة إلى قلبها الخائف. فهي قرون ملساء صقيلة ورؤوسها مسننة حادة. لها عينان كحيلتان تطردان ما يقع فيهما من قذى. تركت البقرة وليدها في مرقده وذهبت للرعي ضحىً، فظفرت به الذئاب. ولما عادت إلى بيتها وجدت ما ينبئها بمصرع وليدها. دماء وأشلاء تحوم الطيور الجارحة حولها، وبقايا من جلده الممزق. ومع هذا الوضع كانت تترقب وتخشى أن يباغتها الصيادون من بين الكثبان والخمائل. ثم أخذت تجول حول مصرع ثورها الوحشي الصغير، وكأنها ترتدي ثوبًا ابيض مخططًا. وفي الطقس الذي مارسته البقرة تمثيل رمزي لعمق مشاعر الحزن الإنسانية. إلا أن ما تخشاه قد وقع سريعًا، فقد أحاط بها الرماة فجأة وسدوا عليها جميع منافذ الهرب. ثم وثبوا عليها فأخذت تجول وتجري بسرعة. فأحاطت بها الكلاب، لكن سرعتها كانت تفوق من يتبعها، أما من يأتيها من أمامها فكانت تطعنه بقرنيها. وقد كانت نجاتها من الموت بهروبها، وإلا فإن الرماة لن يمهلوها كثيرًا إن وقعت في مرمى نبالهم. وكان هروبها سريعًا مراوغًا، ليس على وتيرة واحدة، فضلًا عن قرنها الذي كان سلاحًا حاسمًا في المعركة. وقد ثار في هذا النزاع غبار كأنه دخان كثيف، من سيقانها القوية السريعة المسندة بعضلات وصدر قوي. فغادرت منتصرةً وجيدها ممتلئ بدماء كلاب الصيد، كأنها أصباغ حمراء.

تحليل واستقراء وخلاصة
من خلال قراءة وتحليل قصة الثور والبقرة الوحشيين في النماذج السابقة، واستقراء العلاقات النصية والمشتركات الدلالية بينها، يمكن أن نستخلص ما يأتي:
1. يمثل الثور أو البقرة البطل الرمزي الذي تدور القصة حوله، وشخصيتها المركزية، ورغم أن ثمة شخصيات ثانوية مؤثرة أو عابرة في القصة، وثمَّ تجلٍّ للمكان والزمان بشكل مؤثر في البنية القصصية، إلا أن كل هذه العناصر لا تصل إلى مكانة البطل ومحوريته الفاعلة في تشكيل القصة. فهو الشخصية الوحيدة واضحة الملامح، والتي تمتاز بالأوصاف الجميلة، والوجه الحسن، والقوام الرشيق، والقوة الجسدية الكامن التي لا تظهر إلا وقت الأخطار.
2. يتجلى البطل منفردًا دائمًا، وحيدًا مُستأنسًا بعزلته، متوجسًا من الأخطار والمصاعب المحدقة به في كل حين، وهو بذلك يمثل كل المتوحدين الذين أفردتهم الحياة ونفتهم صروف الزمان عن الأهل والأحبة والأصحاب والأوطان. والبطل هنا ينزع نحو الوحدة طلبًا للأمان؛ لأن الآخر هو الخطر، أو بحسب مقولة سارتر الشهيرة «الآخرون هم الجحيم»، إذ لا راحة له إلا بالابتعاد عن الآخرين، الذين تبدأ المشاكل دائمًا مع حضورهم في فضاء القصة.
3. تتجسد في القصة مشاهد مفعمة بالحركة والتحول والانتقال والصراع، تغذيها الأفعال الكثيرة التي تزخر بها النصوص، فكما لو أن القارئ أمام مشهد سينمائي مثير.
4. مثلما يتم تمثيل الصراع الجسدي الظاهري بين البطل من جهة وبين الكلاب والصيادين من جهة أخرى، يجري أيضًا تمثيل للصراع الداخلي الذي يعتمل في نفس البطل، وتظهر منولوجاته الدفينة على ظاهر لغة النص.
5. يمتلك البطل قوة أسطورية قاهرة، وعزيمة مناوئة للطبيعة، ومقاومة لا تلين، وتمسكًا شديدًا بالحياة، وقدرةً خارقة على البقاء تمنحه النصر النهائي في كل واقعة، مهما كانت قوة وشراسة الخصوم أو كثرتهم وتنوع أسلحتهم.

هوامش:

(1 ) الرحلة في القصيدة الجاهلية، وهب رومية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1982، ص97.
( 2) ينظر: توظيف الأسطورة في الشعر الجاهلي، وهب رومية، مجلة التراث العربي، العدد 93 / 94 ، 2004، ص38.
( 3) ينظر: معركة الحيوان الوحشي في قصائد جاهلية، خالد عمر يسير، مجلة دراسات في اللغة العربية وآدابها، العدد18، 2014، ص71.
( 4) الرحلة في القصيدة الجاهلية، مصدر سابق، ص117.
( 5) ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، ط5، 1990، ص101-104.
( 6) ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط2، ص17-20.
( 7) ديوان زهير بن أبي سلمى، شرح علي حسن فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988، ص37-39.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *