الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (15)

طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (15)

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

الساحر جحا
وتيمورلنك

” 1 “
ــــــــــــــــــــ
منذ أشهر ، وجحا يبحث عن عمل ، يناسب ” عبقريته ” ، لكن دون جدوى ، وذات يوم ، ربما عند منتصف الليل ، وزوجته أم جحيح ، تغط في النوم إلى جانبه ، هبّ من رقاده صارخاً : وجدته .
وفزّت أم جحيح ، وراحت تخبط بيديها الثقيلتين يميناً ويساراً ، متسائلة : ماذا .. ماذا ؟
وردّ جحا : العمل ، وجدته .
وحدقت أم جحيح فيه ، رغم ظلام الغرفة ، وقالت : لن يصلح لك إلا عمل واحد ، يا ..
وقاطعها جحا صارخاً : لن أعمل حمالاً ، أنا جحا ، وليس حمالاً .
وصمت لحظة ، ثم قال : عمل سهل ، ومربح ، سأعمل ساحراً ، وستكوني مساعدتي .
وفتحت أم جحيح عينيها في الظلام ، وقد طار النوم منهما ، وسرعان ما أغلقت عينيها خائفة ، حين سمعت جحا يقول : سيكون لي شيطان يخدمني .

” 2 “
ــــــــــــــــــ
أفاق جحا في صباح اليوم التالي ، ليس فقط على صياح ديك ملا قادر ، بل على مأمأة عنزة جارتهم العجوز عيوشة أيضاً .
وبحث ملا قادر عن ديكه ، لكنه لم يجد له أثراً ، وكيف يجد له أثراً ، والساحر جحا قال أمام العديد من الناس ، إن الثعلب قد اختطفه ؟
ودارت العجوز عيوشة في كلّ مكان ، باحثة عن عنزتها العزيزة ، لكن دون جدوى ، ترى أين اختفت العنزة ؟ هذا ما حير عيوشة ، وأحزنها .
وذات ليلة ، دُفع باب العجوز عيوشة ، ودخلت إمرأة كأنها قطعة من الليل ، وخاطبت العجوز عيوشة قائلة : إذا أردتِ أن تعرفي مكان عنزتك ، اذهبي إلى الساحر العظيم جحا ، واسأليه .
ولم تتمالك العجوز عيوشة نفسها ، فتساءلت مستغربة ، ومستنكرة : جحا !
فردت قطعة الليل ، قبل أن تغادر الكوخ ، وتصفق الباب وراءها : لن تجدي عنزتك إذن .
ورغم ذلك ، أخذت عكازها ، وقصدت بيد جحا ، وطرقت باب بيته ، وسرعان ما أطلّ جحا ، وقال مغالباً فرحته : عيوشة ، أهلاً ومرحباً ، تفضلي .
فقالت العجوز عيوشة بصوتها الحاد : قيل لي إنك تعرف مكان عنزتي .
فردّ جحا قائلاً : نعم ، أعرف مكانها .
ورقت ملامح العجوز عيوشة ، وقالت : جحا ، سأموت إذا لم أعثر على عنزتي .
وحدق جحا في وجهها الشائخ ، كما يفعل السحرة المتمرسين عادة ، ثم قال : لا تخافي ، يا عيوشة ، ها هي عنزتك الرعناء ، ترعى العشب على ضوء القمر ، في بستان الشيخ صالح .
وفي فجر اليوم التالي ، ذهبت العجوز عيوشة إلى بستان الشيخ صالح ، ووجدت عنزتها العزيزة ، راقدة تحت إحدى اشجار البستان .
وشاع خبر عنزة العجوز عيوشة ، وكيف أنها ضاعت ، ولم تعثر لها على أثر ، حتى دلّ على مكانها ، الساحر العظيم جحا ، وانتشر الخبر من مكان إلى مكان ، حتى وصل إلى .. تيمورلنك .

” 3 “
ــــــــــــــــــــ
استدعى تيمورلنك جحا إلى قصره ، بعد عدة أيام ، ومثل جحا بين يديه منهاراً ، فقال له : جحا ، عرفت بقدراتك السحرية ، وأريدك في أمر هام .
واتسعت عينا جحا ، وقلبه يخفق بشدة ، وقال متأتئاً : مو .. مو ..لاي .
وتابع تيمورلنك قائلاً : فقدتُ خاتماً ثميسناً ، أهداه لي جدي ، أريد أن تجده لي .
واشتدت تأتأة جحا ، وهو يقول مضطرباً ، مرعوباً : لكن .. مو.. مو .. ومو .. لاي ..
فقاطعه تيمورلك ثانية ، وقال مهدداً بصوت حاسم : أريد هذا الخاتم غداً وإلا ..
ولكي يضمن تيمورلنك استرجاع الخاتم ، في الموعد المحدد ، ولكي لا يفكر جحا في الهرب ، أمر بإيداعه في إحدى غرف القصر المنعزلة .
وعند منتصف تلك الليلة ، جاته جارية من جواري تيمورلنك ، وقال له متوسلة ، وهي تكاد تنهار : جحا ، استر عليّ وإلا هلكت .
وخمن جحا ما تريد الجارية أن تقوله ، فقال لها : قولي الحقيقة ، ولكِ الأمان .
فقالت الجارية ، وهي تتشبث بجحا ، ودموعها تغرق عينيها : أمي مريضة ، تكاد تموت ، وليس لدينا ما نعالجها به ، فسرقتُ الخاتم .
وتنفس جحا بشيء من الارتياح ، وقال لها : أين هو ، هذا الخاتم ؟
فردت الجارية قائلة : إنه تحت شجرة الرمان ، في نهاية حديقة القصر .
وفي صباح اليوم التالي ، مثل جحا بين يدي تيمورلنك ، وكان مرتاحاً هذه المرة ، وقال : مولاي ، اطمئن ، لقد وجدنا خاتك الثمين .
وبدا الفرح على تيمورلنك ، وقال : أحسنت ، يا جحا ، سأجعلك ساحر القصر ، أين هو ؟
فقال جحا بنفس الروح المطمئنة : إنه تحت شجرة الرمان ، في نهاية حديقة القصر .
ونظر تيمورلنك إلى وزيره ، فقال الوزير : في نهاية الحديقة ، يا مولاي ، هناك شجرتا رمان ، الأولى رمانها حلو ، والثانية رمانها حامض .
والتفت تيمورلنك إلى جحا ، وقال : تحت أي الشجرتين ، خاتمي ، يا جحا ؟
وأسقط في يد جحا ، ووقف حائراً مرتبكاً ، فالجارية لم تخبره بوجود شجرتي رمان ، فما العمل ؟ فقال متردداً : الحلو .. لا .. نعم .. نعم .. الحلو .
وحدق تيمورلنك فيه مهدداً ، وقال : إذا لم يجدوا الخاتم ، تحت شجرة الرمان الحلو ، كما تقول ، يا جحا ، سأجلدك خمسين جلدة .

” 4 “
ــــــــــــــــــــ
من سوء حظ جحا ، إنهم لم يجدوا خاتم تيمورلنك ، تحت شجرة الرمان الحلو ، وإنما وجدوه تحت شجرة الرمان الحامض .
وأحضر جحا ، ووقف منهاراً أمام تيمورلنك ، وقال : عفو مولاي ، الخطأ ليس خطئي .
وتساءل تيمورلنك غاضباً : خطأ من إذن ؟
فردّ جحا قائلاً : خطأ شيطاني .
واتسعت عينا تيمورلنك ، وتمتم : شيطانك !
فقال جحا : إنه غاضب مني ، هذا اللعين ، وأراد أن يعاقبني ، ف ..
وحدق فيه تيمورلنك ملياً ، ثم قال : لن أعاقبك ، يا جحا ، بل سأعاقب شيطانك .
ونظر جحا إلى تيمورلنك صامتاً ، مترقباً ، قلقاً ، فتابع تيمورلنك قائلاً : سأجلده ، سأجلد شيطانك ، وهو في داخلك ، خمسين جلدة .
وشهق جحا منهاراً ، فصاح تيمورلنك : أيها الجلاد ..
وانهار جحا ، راكعاً أمام تيمورلنك ، وقال : سأموت قبل الجلدة العاشرة ، لكن هذا لا يهمني ، يا مولاي ، فأنا أخاف عليك .
وحدق تيمورلنك في جحا متسائلاً ، فتابع جحا قائلاً : أخبرني شيطاني ، بأني سأعيش طويلاً ، وإذا متّ فسيموت سيدي تيمورلنك بعدي بثلاثة أيام .
وتراجع تيمورلنك ، وقلبه يخفق بشدة ، والتفت إلى وزيره ، وقال : فليخصص قصر كبير لجحا وعائلته ، يحيط به الحرس المدججون بالسلاح ليل نهار ، وليعين له طبيب خاص يعنى بصحته ، فأنا لا أريده أن يمرض ، و .. ويموت .
وانحنى الوزير لتيمورلنك ، وقال : أمر مولاي .

29 / 8 / 2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *