فؤاد قنديل: نساء وألغام (4)

تمشيت فى شوارع باريس التى لا أعرف شكلها على وجه الدقة . الشوارع فسيحة ترقص فى سمائها وعلى جدرانها الأضواء . المحلات  الكبيرة مفتوحة رغم  اقتراب الفجر . لا أود أن أنام وكذلك المدينة . اللافتات الملونة  تجتذب المارة وتتراقص كلماتها  وتغادر اللوحات ثم تعود . الحروف تلوح بأيديها للعابرين . مغمور أنا فى السعادة والفضول  . الفتيات الجميلات العاريات  يتخبطن بى دون أن يلتفتن إلى كأنى الفراغ . أتطلع إلى برج إيفل وإلى المسلة المصرية فى ميدان الكونكورد . هل يتعين أن أنام بضع ساعات حتى أستطيع التجول غدا فى متحف اللوفر ؟  لا . لن أنام . المشاهد المتوهجة  تسحبنى ولا تود أن تدع لى أية فرصة كى أشعر بالملل أو الشبع . الورود فى كل شىء وعلى كل شىء . الأسفلت تكاد تشرب من عليه القهوة إذا سالت أو تلحس الجيلاتى إذا سقط وأنت تميل هنا وهناك لتحدق فيما خفى عليك .. أنا ضعيف أمام كل ما هو نظيف  ومنظم . أنا  صديق حميم لكل من يحس بالجمال ، حتى لو كان مجرد شخص عابر ، لذلك عندما  دعانى إميل زولا لرحلة نهرية فى السين  لبيت على الفور . انضم إلينا  بلزاك وسألنى عن نجيب محفوظ . فرحت جدا  وسألته عن لوميير ورامبو . لماذا لم يحضرا  ؟  كنت قد قلت إنهم سيشاركوننا هذه الجولة .قال : مات فرلين . أسفت لرحيل الشاعر الجميل . قال زولا إن  فلوبير سيكون فى المقهى الواقع أمام  المرسى الذى سنغادر عنده هذا المركب . التقينا بفيكتور هوجو  مع فلوبير فى المقهى ، وما لبث هوجو أن هجم على  صارخا فى وجهى وقال : أنت  تبدد وقتك دون قراءة  . سألته مالسر فى اتهامك هذا . قال : أنا لدى حاسة تدلنى على من لا يقرأ .  سلك أسنانه  وهذب شعر ذقنه ، ثم قال : هيا معى كى  تتفرج على كنيسة نوتردام . جذبنى فلوبير من ذراعى وهو يقول : لا تذهب معه . اجلس وحدثنى عن مصر . قلت : أنت أعلم بها منى . رفع هوجو عقيرته وبدا صوته خشنا وهو يقول : تحرك وإلا تركتك . كانت الكنيسة ذاتها التى رأيتها فى الفيلم . عالم مضيىء وجميل . التاريخ يتجول محاولا التذكر  وإذا نسى يطل فى أحد النقوش . الترانيم تتناهى إلينا مضفورة بالموسيقى والندى . عبق المكان الذى خلده الفن . العمارة تتحدث إلى الأدب  والأدب ينصت ويشرد  ويجر التاريخ ويخرج إلى الشارع ويحتفن  قدرا من الحيوية الحميمة من نسغ الحياة الراكضة فى الأزقة  المغموسة فى الغرائز . الأدب يعجن ويطهو ويحيك ويحكى ويحاور ويوقد النار تحت القدر بعد أن اطمئن إلى المقادير وإلى المقادير . ثم انطفأت النيران  وشرعت فى رهافة تخرج الحياة الجديدة من رحم القدر المحموم . فتاة جميلة ولعوب زأحدب وغوغاء وسلطة وحب وجريمة ز مطاردة وتضحية وإثم وعقاب وصبر وأمل وصراع وإرادة .. يالروعة الأدب .
 فجأة دقت الأجراس . أسرع فيكتور وأنا وراءه إلى البهو الكبير ورفعنا رؤوسنا إلى أعلى . تساءل هوجو : من تراه الذى يقرع الأجراس ؟ قلت : لعله هيمنجواى . عاد يرفع عقيرته غاضبا : اسكت .. من هيمنجواى هذا ؟  حاولت أن أعرفه بالكاتب الأمريكى، فصرخ : لا أريد أن أعرف . أنت لا تتمتع بالتركيز الكافى . تسللت إلى نفسى بعض المشاعر السلبية تجاه هوجو الذى أحبه وقرأت كتبه جميعها عدة مرات . تمشى فى جسدى نمل من الضيق . قال أخيرا وقد ابتسم ولمعت عيناه  واتسعت فتحتا أنفه : لقد حذرته مرارا من الاقتراب من الأجراس لكن الطبغ يغلب التطبع . سألته عمن قرع الأجراس . قال : ألا تعرفه  ؟ قلت : كيف أعرفه ؟ قال : الأحدب .. قبل أن أرد عليه اتهاماته الكاذبة لى وأتهمه بالخلط . جاء سارتر وفى يده سيمون دى بوفوار ..  قال سارتر لهوجو : أعرف أنك لا تحب الفلاسفة  . هز فيكتور رأسه .  استطرد  سارتر : ربما يسعدك أن تعلم أن الكنيسة أوحت لى بجزء من فكرة فلسفية أو يمكنك أن تقول إنها القاعدة التى ستكون منطلقى فى بناء فكرة فلسفية  ورغم  ذلك فلن تكون لها علاقة بالدين . التفت إلى هوجو وقال لى وهو يكاد يشدنى : لا تبق طويلا حيث يوجد الفلاسفة . إنهم يزلزلون كل شىء من حولك . قهقه سارتر  وقال : أنت لا تدرك الشرك الذى وقعت فيه ياهوجو . مسكين هوجو . تضخم الرجل والتفت إلى سارتر واشتعلت عيناه نارا . فقال سارتر : أنت لا تعرف أن من يصاحبك مشروع صغير  لفيلسوف . عندئذ انتفض هوجو ورمى ذراعى ودفعنى بعيدا عنه وكدت أقع لولا أن لحقنى ألفونس دوديه . فرحت أنى رأيته فأنا من المعجبين به  وسرنا معا وانضم إلينا  فرانسوا مورياك واندريه جيد  الذى قال : هل تحبون أن نمضى إلى جماعة هنرى ماتيس . سوف نلتقى عنده بجوجان ومونيه ورينوار  وبيكاسو واندريه بريتون وبول إيلوار .. صخت فرحا :  هيا . أنا لن أترككم . لكنهم توقفوا فجأة عندما مر هايدجر . ظهر  أندريه مالرو  بعربته الطويلة ذات الأحصنة الأربعة وقال : هيا . هيا أيها الكسالى .  أسرعت للصعود حتى لا أفلت الفرصة . لكننى اندفعت بشكل زائد  حتى اختل توازنى وسقطت من الفتحة الأخرى  وارتطمت رأسى بالأرض الصلدة ، حاول فولتير أن يرفعنى فلم يستطع فتركنى أسقط من جديد وسبنى بكلمات قبيحة ، وكان جسمى منهكا ومتهاويا . فجأة ارتطم بجسدى شىء  قوى وضخم وغبت تقريبا عن الوعى واختفى الجميع .
                                         

                                            *****
        المعسكر بين هذين الماردين. البحر والجبل.. حدودنا مائتي كيلو متر، مائة قبل المعسكر ومائة بعده، وعلينا خدمة السيارات التى تمر عادة بأقصى سرعة، مع صيانة الطريق باستمرار، وحمايته من غائلة الرمال.
  لفت الجبل نظري منذ البداية، كان جهما ومتغطرسا وله هيبة لا تغيب. خطر ببالي غير مرة أن أصعد إلى قمته وأراقب الفضاء الفسيح، لكنني أرجأت تنفيذ الرغبة الساكنة أبدا بأعماقي.. ها أنا الآن أصعد إليك، ضاغطاً على صخورك المتعجرفة ونتوءاتك القاسية ودروبك الوعرة.
 نقلت قدمي على الصخور بمهارة حتى وصلت إلى نصف المسافة نحو القمة.. واستدرت ورأيت المعسكر مثل جرح على خد الرمال وبعده الزرقة الشاسعة لبحر سبح طويلا فى الزمان، واجهتني جدران من الصخر كأن سكينا ضخمة وقعت عليها فشقتها، لم أتجاوزها إلا بعد معاناة. أحس بحبات العرق تنبت من مسام جسمي. الحرارة الداخلية والخارجية أجبرتني على خلع قميصي وربطه حول وسطي. واصلت الصعود حتى بلغت القمة.
  أنا فوق الجميع وإن كنت حافي القدمين. تنبهت أن بنطلوني تمزق والدماء تنزف من بعض الجروح فى قدمي وركبتي. أمسكت بالقميص ولوحت به فى الفضاء، كأني أقذفه فى وجه العالم. أنا هنا يا أيها العالم الصغير. لا تستطيع النسور أن تبلغ ما بلغت ولا الأسود. كانت حولي جبال صغيرة. تلال من الرمال والرماد المحترق.
  شعرت بالنشوة والاستعلاء. تنفست بملء رئتي. غنيت ورقصت. لبست القميص واستلقيت على بطني وبسطت ذراعيّ وأصابعي. حضنت الجبل. قبضت بأظافري على الصخر، وضغطت جسدي على جسد الجبل. حفرت فيه ملامحي وسقيته من روحي وعرقي. وقعت معه اتفاق المحبة والتواصل. وعدته بالزيارة كل شهر مرة وأن تطول الزيارة، وأن أحمل معي بعض الفاكهة وآلة التصوير وكتاباً ومسجل وترموس شاي.
كان النزول سهلا. مضي الوقت سريعاً وأوغلنا فى المساء. اشتقت للمعسكر وأهله. مررت بهم جميعاً. هل سيدركون أنني إنسان جبلي.. هل سيلمحون جبليتي. قلت لهم: كنت فى نزهة مشياً على الأقدام. نفذت إلى فمي الرائحة قلت:
ـ يخرب بيوتكم من أين لكم؟.
ضحكوا جميعاً، وقال أنور:
ـ انكشفنا..
مد لي سامي يده بسيجارة. أخذتها وسحبت النفس تلو النفس. تسلل تأثير الحشيش إلى خلاياى وعروقي..
قال مبارك:
ـ السجاير يا ريس دون حشيش عبارة عن خيش.
قلت بلا تركيز: آه..
ضحكوا جميعاً.. نهضت. أصروا على تناولي العشاء معهم، وعادوا للسجائر. طلبوا منى
الاستماع إلى أنغام سبتمبرية ..ضعفت
انظر وشوف ع المهل بالراحة
الشمس وسط القبة قداحة
وناس بعيد فى الضل مرتاحة
ومصر واقفة صبية فلاحة
على كتفها بلاص
فيه ألف تقب رصاص
والمية منه خلاص
شلالى فى الرمل غاص
صبية حلوة كأنها تفاحة
لكنها م الحزن دابت
وسط السواد ندابة نواحة
ولما هل بطلها فى الساحة
بالحب والإخلاص
وقف الشريط فى وضع ثابت
 طلبوا منى مشاركتهم فى لعب الكوتشينة. شكرتهم وانصرفت.. استوقفني الخفير، وقال:
ـ أنت ديمة شارد، وديمة تتطلع للسما.. كنك؟
ـ أبدا..
ـ تتكبر علينا؟
ـ استغفر الله
 دنا أكثر وحدق فىّ
ـ ليش ما تجَعد معي.. أنا أفهم كيف عَشرة.
ـ أعرف يا لصقع
ـ هيا تعال اسمع منى أغاني العلم.
ـ سمعت منها الكثير.
ـ كل ما سمعته ما يحصل غناي.
   لم أكن فى مزاج يسمح لي بالسماع، كنت قد تشبعت بعد زيارة الجبل، لكن الخفير الليبي متغطرس، وسوف يحسبني أنا المتعالي، وتصبح له حجة للنيل منى وربما التطاول فلابد أن أخلص البالونة مما بها.
  جلست وسمعت العلم.. ورغم امتلائي حتى الحافة، فقد سعدت بالأغاني والصور والخيال الذى تمتع به مؤلف هذه الأغاني.. كم تساءلت عن هذا الكم من الخيال والرومانسية والتشكيل فى أغاني “العلم” التى تركز على المحبوبة وجمالها وروعة العيون، خاصة إذا تكرمت بنظرة، ينفرط قلبي من وصف المكانة العالية للحبيب والجنون الذى يصيب العاشق إذا لم يجد غير الهجران. قلت للصقع:
ـ خلصت علىّ.. الله يسامحك.
ـ كيف يعنى؟
ـ يعنى حليت بدني من الأشواق.. مسيت أوتار قلبي وضغطت على
ـ ايش بيك حدثني..
لوحت له وانصرفت.
* * * * *
 انتفضت من نومي على طرقات قوية أزمعت كسر الباب، وصيحات عالية ومتلهفة، تصورت فى البداية أنه كابوس، لكن الطرقات واصلت عملها فى إيقاظي، والصيحات تردني للوعي بشدة.. فتحت باب الكرافان.. وجدت رجالا عراة السيقان، يخوضون فى ماء يصل إلى بداية أفخاذهم، والمطر يهطل ويصفع كل شئ ،  المعسكر تحول إلى بحيرة كبيرة، والظلام دامس إلا من أضواء البرق.
ـ أسرع يا أستاذ.. المعسكر يغرق.
انحنيت فرفعت رجلي البنطلون إلى ما فوق ركبتي واندفعت معهم.
ـ سيول عنيفة يا أستاذ.. لم نر مثلها.
ـ أيقظوا الجميع.
ـ الجميع خرجوا إلى الطريق.
  لمحت الديناصورات تقف ساكنة كأن الأمر لا يعنيها.. أمرت السائقين بسرعة ركوب الآلات والسيارات وكافة المعدات وإخراجها من المعسكر إلى الطريق، قبل أن تصل المياه إلى موزعات الكهرباء (الإسبراتير) والبوجيهات.
  التفت نحو الجبل، لأري حاله فى هذا المطر الذى تفتحت عنه كل بوابات السماء، راعني منظر السيول المندفعة من فوقه فى اتجاه المعسكر.. الأمطار تسقط عليه وتكاد تتجمع فى مخر واحد نحو البوابة لتملأ المعسكر وتغرقه، الخطر ليس من السماء، ولكن من الجبل.
ـ أيقظوا المهندس رفقي بسرعة.
ـ المهندس رفقي سافر عصر الخميس ولا يحضر إلا مع الصباح.
ـ كم الساعة الآن ؟
ـ الرابعة والنصف.
ـ هل أطفأتم مولد الكهرباء؟.
ـ سكت وحده بسبب الماء، والحمد لله أنه لم يتسبب فى حدوث ماس.
  كان الوضع سيئا للغاية وأنا المسئول الأول الآن لغياب رفقي.
حاولت الجري فى الماء، كان الأمر صعباً، أيسر منه الجري فوق الجبل.. السيول تتوالى وتتدفق بلا رحمة وبلا أمل فى توقف قريب أو هدنة، تهجم محملة بفتات الصخور.. يرتفع منسوب المياه تدريجياً ولكن بسرعة.
ـ أين السائقون؟
ـ الكل فى الخارج.
لمحت بعضهم يقف فوق السور.. صرخت فيهم ليحضروا ويخرجوا هذه الآليات.. هذه ليست مناسبة للبرود والتبلد الذى يصم البعض.. زعقت:
ـ إذا غرق المعسكر سوف نغرق جميعاً، ولن ينفع أحداً وقوفه على السور.
  كان نفع ابن نوح من آلاف السنين.. بسرعة يا مبارك.. هيا يا خميس.
  جريت فى الماء الذى علا حتى وصل إلى بطني.. لمحت المراتب تخرج من الخيام.. الملاءات والطشوت.. الحلل تدور حول نفسها حسب دوامات الماء المتدفق باستمرار، بنطلونات وجلابيب ووسائد وأخشاب وأطباق وعلب سجائر تنتقل فى البحيرة حسب هجمة السيول.
  زأرت الآلات الضخمة والسيارات واشتعل الضوء من مصابيحها ورأيت على هداه خياما تهاوت وركب الماء عليها، أشرت للسائقين بسرعة الخروج بعيداً عن البوابة والوقوف على الأسفلت. المعسكر منخفض كثيراً عن الطريق.
ـ بسرعة.
   معظم العمال هربوا وصعدوا فوق الأسوار حملوا معهم أهم ما يملكون خاصة أجهزة التسجيل والشاي والسكر والكبريت.. لم يحدث من قبل ما يحدث اليوم.. ما الذى يفعله بنا هذا الجبل المجنون.. المياه لا تزال تتدفق حمراء قوية وغاضبة، تكاد تقفز فوق الصخور وفوق الإسفلت، وتنوي أن تغرق كل شئ وتأخذ فى طريقها كافة البشر.. لماذا؟ لماذا أيها الجبل الطيب؟ لا شك أن عربة نومي الآن قد غرقت.. تذكرت أني أغلقت الباب بعد خروجي، لي بها أشياء تستحق أن أستنقذها. ربنا يستر.
  المياه تعلو وأنا أجري فى كل مكان.. أحاول إنقاذ ممتلكات الشركة.. مجموعة من العمال تجري معي وتقترح حلولا.. تذكرني بأشياء هامة.. أو تلفت نظري لوجود أشياء خطرة، أوجههم للعمل .. المياه تعطل تفكيري نسبياً.. ترتفع وترتفع، والسور محيط بنا.. البوابة شبكة حديد لا تمنع الماء، الجبل لا يكف، والسماء تبرق وترعد كأنها فى حرب ضارية مع عدو لا يهدأ.. تأكدت أن هذا السور هو اللعنة الحقيقية فهو يمسك بأيدينا ويقيد حركتنا حتى نتلقى لكمات الجبل وصفعات الماء.. السور الذى يحيط بنا من كل جانب، يحمينا ويمنعنا الآن من النجاة، ويرد علينا الماء. ليس كل ما يحمينا ينفعنا.
  وصلت المياه إلى صدري.. تذكرت الورشة.. أسرعت إليها.. بلغت المياه كل شئ.. نفذت من خصاص الباب وجانبيه ومن أسفله.. غطت المنجلة والمخرطة ووصلت إلى لوحات العدة على الجدران، تسللت إلى براميل الزيت المفتوحة.
  خرجت إلى البحيرة الواسعة على زعيق العمال.. كانوا يحملون أحدهم فى اتجاهي.. جري راشد ليخبرني بأن حمدي الأشرم تعثر وهو يجري فى وتد خيمة وسقط فى الماء، ثم نهض فوقع ثانية وراح فى شبه غيبوبة، ثم قام وهو يكح باستمرار ثم سقط وكاد يغرق ولحقه الحسيني ومفتاح وكامل.. الحمد لله، حصل خير.
  تنهدت.. الوضع سيئ ولا يبدو ثمة أمل فى أن يتحسن.. تحولت إلى السور.. ثلاثة أمتار ارتفاع.. ومن ورائه البحر مباشرة.. المدير عصبي ومجنون عندما تضيع ورقة أو نشغل لمبة زيادة يشد شعيرات رأسه الباقية، وخصم خمسة أيام وعشرة أيام وقصص بلا نهاية تشل الحركة وتمنع التفكير إلا تفكيره هو.. فجأة لاحت فى رأسي فكرة، زعقت على مبارك الذى لا يكف عن السخرية حتى فى هذا الوقت، والعمال حواليه يستمعون لقفشاته، وقبل أن يتحدث يضحك أولا وتبدو سنته الذهبية.
 ادعي مبارك أنه لم يسمع.. أسرعت إليه، فهذا ليس وقت الرؤساء والمرءوسين..
 قلت له: افتح لي فتحة فى السور يا مبارك.
سكت لحظة ثم ضحك.. لا أعرف لماذا يضحك.. تمالكت أعصابي.
قال: لا أستطيع يا ريس.. المياه كما تري.
ـ هذا أمر يا مبارك.. افتح السور من ناحية البحر.
بهدوء شديد ضحك مرة أخرى وقال: أهدم السور ؟!
ـ بسرعة.
ـ مدير الشركة لو عرف.
ـ اسمع كلامي.. أنا المسئول.
ـ قل لخميس يا ريس.. أنا لا.. أنت تعرف أن موقفي فى الشركة أصبح على كف عفريت بعد الحوادث إياها.
  تذكرت أنه كان قد ضرب رئيسه فى معسكر سابق، ومرة اشتكاه زميل له إنه دائماً يحاول معاكسته بمناسبة وبدون، ومرة ترك الآلة عندما وصل إلى إحدى القرى، وراح يشرب كرسيين معسل، ورآه المدير.. عذرته.
قلت لخميس.. قال على الفور.
ـ من عينيه يا ريس.
فرحت لأن الغمة ستنزاح أخيراً
تململ وهو واقف.
ـ أسرع يا خميس.
قال بهدوء: أكتب لي ورقة.
ذهلت..
ـ أين هو الورق الآن يا خميس؟
ـ أعذرني يا أستاذ.
   تذكرت الورق والمكتب، حمدت الله أني أغلقت باب المكتب، لكن الماء لابد دخل، أسرعت وأنا أتميز غيظاً لأفتح الباب وأطمئن، وما أن فتحته حتى توقفت وأغمضت عيني من هول ما رأيت.
    الماء بالداخل مساو تماما لما هو بالخارج وجميع الأوراق تسبح فيه.. الفواتير بمئات الجنيهات لم أسجلها، كانت تسبح وقد اختلفت معالمها تقريباً ـ دفاتر القرارات الإدارية والموظفين وملفات الآلات وحركة الوقود.. كله.. كله غرق وباش.. أخذت أجمع وأنثر الماء ثم أرمي كل شئ فوق الدولاب حتى أفرغ له أو يغرق كل شئ ونحن أول الغارقين.
  ناديت على موسي الميكانيكي وطلبت إليه أن يهدم السور من جهة البحر.. قال:
 ـ منذ أن خصم لي المدير سبعة أيام من مرتبي لأني أنقذت سيارة مقلوبة وقال لي مكانك الورشة فقط.. وأنا قررت ألا أفعل إلا شغلي وأنفذ أوامر المهندس رفقي فقط.. سامحني يا أستاذ.. أنت تعرف أن المعسكر كله يحبك ويحترمك.. لكن.
 ما الحل؟ لا حل إلا الهدم.. الآليات خرجت ووقفت على الطريق.. النور يتسلل بحذر كأنه خائف من المطر وهدير البرق والرعد.. نور باهت حزين.. أنا.. نعم أنا.. ليس غيري أنا من سيهدم السور.. الجبل لا يزال غاضباً يصب الماء علينا.. لا أدري لماذا أنت غاضب؟ هل فيما فعلت معك اليوم أية إهانة؟.. هل تتملكك الرغبة فى الانتقام؟!!.. مازالت السماء متواطئة معه على اقتلاعنا من الوجود.. المعسكر يغرق والخسائر تزيد كل دقيقة وسوف تكون أكبر لو بقي الوضع على ما هو عليه من السوء.. كل شئ يندفع نحو النهاية التى لن يتوقف هجومها إلا بالهدم، لدي فكرة متواضعة عن قيادة البلدوزر الصغير.. المفتاح مع خميس.
هات يا خميس المفتاح.
ـ قلت لحضرتك أكتب لي ورقة.
ـ هات يا خميس المفتاح
لم يعرني أي اهتمام.
   هل أنزع  منه المفاتيح بالقوة، هو أقوي مني وأطول. المسائل تتعقد. الجميع صعدوا فوق الأسوار، وقلة كانت لا تزال تستنقذ لنفسها بعض ممتلكاتها وترصها فوق السور.
قال كامل: إن الله يعاقبنا.. أي والله.. هذا عقاب.
أيده نجيب وهو يمصمص شفتيه، وقال مبارك الذى يتميز ببرود شديد: خذوا المسألة ببساطة.. هذا تغيير جو. أحسن ما تكون الحياة نسخا مكررة من بعضها. وضحك بدون مبرر ولمعت سنته الذهبية.
  قال راشد: يا عم ربنا لا يعاقب الغلابة.
تحمس كامل: الكل عند الله سواسية، والذى لا يعرفه ولا يتذكره يلحق به العقاب، لم أكن أفكر فى الله هذه اللحظة بالذات. كنت أفكر فى الحل، لا حل إلا بالهدم، ولا هدم إلا بالبلدوزر، ولا بلدوزر إلا بالمفتاح، والمفتاح مع خميس وخميس لا يريد، ولكي يريد لابد أن يضرب، ولكي يضرب لابد أن أكون أقوي منه!! التفت إلى المعسكر عبر البوابة. ركزت دقيقة.
  ثم استدرت بسرعة ولكمت خميس فى وجهه لكمة واحدة، مفاجئة وقوية.. سقط على الأرض مغشيا عليه وبهت الآخرون .. قال مبارك:   
ـ لا يصح يا أستاذ ما فعلته.
وصاح آخرون.
ـ لا.. لا يصح.
  قلت وأنا أكظم غيظي بأقصى ما أستطيع: ولا كلمة منك له.
قال كامل: “قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا” صدق الله العظيم
  انحنيت على خميس، ونزعت المفاتيح كلها من صدره، وأسرعت إلى البلدوزر.. اعتليته . أدرته وضغطت بعنف على الاكسراتير، فزعق.. توقفت لحظة لأختار قبل أن أنطلق، هل أهدم السور من داخل المعسكر أم من الخلف فى المسافة الفاصلة بين سور المعسكر والبحر؟.
  الماء ارتفع جدا.. أخشي إذا كان من الداخل أن تفسد المياه موزع كهرباء البلدوزر، وإذا هدمت من الخارج قد يندفع الماء المحجوز بعد فتح السور فيلقي بي وبالبلدوزر إلى البحر.. قررت أن أجرب أولا من الداخل، فإذا توقفت الآلة.. ركبت آلة أخرى.
  خضت فى الماء وأسقطت سكين البلدوزر إلى الأرض حتى يحمي الكهرباء مؤقتاُ، ويشق لنا طريقاً فى الماء.. اقتربت من السور وقلبي يدق.. قلبي يدق.. الماء ارتفع كثيراً لقد أخطأنا ببناء المعسكر فى هذا الموضع السيئ، تقدمت وزدت الضغط، رفعت السكين قليلا لأضرب السور فى منتصفه العلوي بين عمودين، رأيت أن أهدمه على دفعتين المرة الأولى تسمح بسحب نصف الماء دون أن تدفعني أمامها.. تكفي ضربة واحدة.. عاكستني بعض الأدوات ، لكني اكتشفت الصحيح من خلال المحاولات.. هذا ليس عملي ولا خبرتي.. ناهيك عن ثورة المدير إذا رأي شخصاً فى غير مجاله أو مكانه.. أسرعت المياه تقفز فوق السور بعد أن رأت البحر.. جرت إلى بنت عمها المياه المالحة، مشتاقة إلى الاتساع والعمق والصدر الكبير.
  بقيت واقفاً بالآلة، أحاول منع بعض الأمتعة من صحبة المياه المهاجرة.. انخفض الماء إلى ارتفاع نحو متر وهو الجزء الباقي من السور، تراجعت قليلاً وأنزلت السكين، ولمحت خميس يخوض بسرعة قادماً نحوي، لم أعره التفاتاً، وتقدمت فضربت السور بالسكين فسقط كله.
   أسرعت المراتب والوسائد العائمة تحاول المرور، لكن البلدوزر احتجزها .. حاولت الأواني الفارغة، والأطباق النفاذ من بين العجلات الضخمة، لكن السكين احتجزها ولم تسمح إلا للماء.. كان خميس يواصل تقدمه، فجأة وجدته تعثر فى المياه المندفعة وحالت الأمتعة العائمة دون وصوله إلى وأنا أقف فوق البلدوزر، أراقب المياه التى تجري بسرعة عجيبة نحو فتحة السور وأتفرج على خميس الذى يتعثر فى كل شئ.
   اكتشفت أن النور تجاسر وملأ كل الأرجاء، بعد أن هدأ المطر واختفي البرق وسكت الرعد.. بدت الدنيا مبتهجة بعد الذى حدث فى الأرض والسماء.. جاء الفرج من كل ناحية.. رفعت رأسي إلى الجبل.. بدا أقل مما كان وكأن السيول أكلت من هامته، أو يكون قد هدأ بعد أن شفي غليل نفسه الغاضبة، الأرض فى دقائق قليلة جفت وبينما خميس يلمس عجلات البلدوزر.
كان الرجال يهللون:
ـ أنقذتنا يا أستاذ.
   بقيت واقفا حتى وصل خميس وهو يسب، ويلعن، وأنا أبتسم وكان فيما يبدو قد هدأ قليلاً بعد أن رأي الدنيا المبتسمة والأرض أشرقت بالنور والناس فرحة تلهج بالإعجاب.. حاول دفعي من فوق البلدوزر فأمسكت به وعانقته وربت على ظهره وقبلته قائلا:
ـ سامحني.
ـ أنا كنت ناوى أذبحك.
ـ أنت لا تستطيع أن تذبح فرخة.
ـ  عملتك عملة خائن.
ـ قلت لك حقك على.
ـ لا، لن أسامحك أبدا.
  تدافع الرجال نحونا، وأخذوا يصفقون.. وفوجئت بخميس يحملني عالياً.. ثم ينزل بي إلى الأرض.
  وقال مبارك، ربما ليواري خجله:
ـ طلعت ركيب يا أستاذ.. لابد نفطر سوا.. لابد.
ـ شكرا يا مبارك.
ـ خلاص ولا كلمة.
  ضحك الجميع وبانت أسنان مبارك الذهبية، وأسرع العمال يجمعون حاجاتهم ويعيدون نصب خيامهمتحولت إلى الجبل، أنظر إليه نظرة عتاب، كانت عيونه تهرب منى وتتطلع إلى السماء.
                                   
          مع دخلة العيد.. طلب عدد من العمال والموظفين أن يغادروا الصحراء إلى طرابلس بنغازي.. اشتاقت نفوسهم إلى البيوت والأسواق والشوارع والسيارات وقد تقع أعينهم على النساء.. ولابد  قد هفت أرواحهم إلى المقاهي والأصدقاء والنكت والأخبار..
   وافقت للجميع، حتى الخفير سمحت له بزيارة أهله وقضاء العيد معهم.
   ما أجمل  أن تكون سببا فى سعادة الاخرين !.. أن تكون طاقة أمل  تخفف الشقاء عن بعض البشر .. الأعباء على الناس كثيرة وثقيلة ، والحصار فى بلادنا مصادره غير محدودة ، والحياة مهددة  دائما بمن يختطف  منها عوامل الفرح والبهجة . أنا لست ملاكا ولا إنسانا مثاليا ،  فأنا لى مآرب .
     أخليت الموقع تماماً .. كنت بحاجة إلى أن أكون وحيداً، أستمتع بألف باء السعادة.. الصمت والحرية.. سوف أجد وقتاً للقراءة ونزول البحر ومعانقة المياه القادمة من بعيد . ربما اشتاقت للبشر كما اشتاقت للشواطئ.. لن أضيق بوحدتي فقد اعتدتها وسعدت بها وتعلمت كيف أقضيها وأبتكر لها ما يجعل منها متعة، يكفي أن أقرأ وأكتب، وأسبح وأفكر .. أطهو الطعام وأعد العصائر.. أتابع أحوال النباتات التى زرعتها أمام سور المعسكر، وأخلف الله ظن المعارضين حين نبتت، وحاولت جاهدة أن تكبر مبكراً وأن تستجيب لكل قطرة ماء، وأن تبيض وجهي.. زرعت الريحان النعناع والخروع والذرة وأنواعاً مختلفة من الصبار.  
   قبل غروب يوم الوقفة سمعت صوتاً عالياً كأنه بوق سفينة تتأهب كي تدخل الميناء، أطللت فإذا بي أري سيارة نقل ضخمة بمقطورة تحمل “شكاير أسمنت”، ربما كان سائقاً ضل طريقه، اتجهت نحوه لأدله، فوجئت بشعار شركتنا على السيارة، إذن فهو قادم إلى المعسكر، تسللت إلى نفسي الشكوك والقلق. هذا السائق الليبي ليس ثمة شخص أسخف منه وأغبي. أبقيت البوابة مغلقة وسألته:
ـ نعم يا حميدة.
ـ افتح.
ـ لا أحد هنا.
ـ الأسمنت لكم.
ـ لا شأن لي به.
ـ لابد أن تأخذوه.
ـ من الذى سينزله؟
ـ أنتم.
ـ واضح أنك لا تفهم.
ـ المدير أمرني بإحضاره لكم.
ـ لن أفتح لك.
ـ إذن سآخذه إلى بيتي فلا أحد فى الشركة.
ـ أنت حر.
ـ سأتصل من أول تليفون بالمدير.
   أسقط فى يدي. أنا من وضعت نفسي فى المأزق. أردت أن ينطلق الجميع. المدير لن يتقبل فكرة غياب كل العاملين عن الموقع. يتوقع دائما أن هناك خمسة على الأقل من الوافدين الغرباء. سوف يجن إذا أخذ هذا الغبي المدمن للمشاكل سيارة الأسمنت إلى قريته على بعد مائة وخمسين كيلو متر. من حقه أن يقضي العيد مع أسرته.. لن يساند أحد فكرة تفريغ المواقع من عمالها كما حدث عندي.
  فى صمت ساخط وبيد مغلولة فتحت القفل وأطلقت مصراعي البوابة الحديدية ليندفع كل منهما إلى الاتجاه المعاكس ويدخل ثقيل الظل ويقف فى الوضع الذى تعودنا أن نكدس فيه شكاير الأسمنت.
  نزل بكبرياء المنتصر ومضي إلى أقرب حنفية. غسل يديه ووجهه، ثم جلس على دكة من حجر أبيض، وقال:
ـ كل سنة وأنت طيب.
  قلت بقرف وأنا أدور داخل شبكة المشكلة:
ـ وأنت طيب.
لحظة ثم قال:
ـ خلصني كي أمضي.
ـ كيف أخلصك؟
ـ أنزلوا الأسمنت.
ـ ألا تفهم؟.. قلت لك.. لا أحد هنا.
ـ وما العمل؟
ـ دع السيارة كما هى حتى انتهاء العيد.
ـ لا أستطيع تركها.. الأوامر ألا نترك سياراتنا دقيقة.
 سألته:
ـ والعمل ؟
ـ نزلها أنت.
اندفعت:
ـ أنت مجنون !
قال بمنتهي الهدوء:
ـ ستنزلها يا مصري، ولا حل غير هذا.
  تركته ودخلت الكرافان أقضم الجزر وأستمع إلى الراديو.
بعد دقائق جاءني وقال:
ـ تفضل بالتوقيع على هذه المذكرة.
بلا مبالاة، سألته:
ـ ماذا بها ؟
قال:
ـ مذكرة تفيد عدم وجود أحد بالموقع لاستلام الأسمنت.
عدت أفكر من جديد فى خطأي وجنون المدير وضرورة أن يسافر هذا اللعين. مثلث شرس أطبق علىَّ.
  يبدو إنه لا حل إلا أن أقوم أنا والسائق بإنزال الأسمنت.. خمسة طن أي مائة شيكارة، كل شيكارة خمسين كيلو أي خمسة ألاف كيلو.
 أخيرا قلت له: أنا لا يهمني الأسمنت ولا يهمني أحد، أنا أفكر الآن فيك وفى أولادك، فيجب أن تكون بينهم فى العيد.
قال بكل برود:
ـ باهي. باهي.. مشكور على شعورك.
ـ نتعاون معا فى إنزال الأسمنت.
قال بسرعة: لا علاقة لي بالأسمنت.. أنا سائق ما أنا حمال.
ـ وأنا مدير موقع وما أنا حمال.
ـ عندك حق.. هيا وقع.
  ندور وندور ونعود إلى الصفر.. تناقشنا طويلاً، والسائق اللعين كالصخرة.
  فكرت فى (الفوركلفت) الصغير الذي يمكن أن أرص فيه عشرة شكاير وأنزلها إلى الأرض.. لكني تذكرت إنه عاطل وفى انتظار قطعة غيار صغيرة.. “حظ منيل” استغفر الله.. الدائرة مغلقة تماماً.
  تركت المعسكر وأنا فى قمة الغيظ. طلعت إلى الإسفلت أبحث عن النسيم العليل لعله يخفف جمر قلبي وحمم غيظي.. مشيت فى الظلام الوليد الذى هدهدته أنوار الموقع القادمة من ورائي ترجوني أن أعود..
 بعد دقائق مرت كساعة زعق السائق وقال:
ـ هيا يا مصري سأرفع لك.. هيا.
 ولاحقني.
ـ هيا..
  مضي يوقف لي الشيكارة رأسيا على حرف السيارة وأنا أعطيها ظهري وأمسك طرفيها العلويين بأصابعي وأنحني جاذبا إياها لتنام على ظهري وأمشي خطوات حتى أوسدها ركنها، وأعود لأحمل الثانية التى يكون قد جرها وأوقفها رأسيا.. خمسة ألاف كيلو أسمنت فى نحو ساعة ونصف ساعة.
  مع آخر شيكارة سقطت فى موضعي، وغادر الغبي ذو القلب الحجري مسرعاً، دون كلمة.. وبقيت مرمياً وقد داهمني النوم حتى الفجر إلى أن شعرت بالبرد، نهضت بصعوبة حتى الكرافان، عاودت النوم إلى الغروب.. ثم قمت فشربت لتراً من الحليب وقالباً من الشيكولاته وعدت إلى الاسترخاء ثم النوم.
  لم أتعلم كثيرا من التجربة وإن أيقنت عقلياً فقط أن الرومانسية لا يعتمد عليها ولا يوثق بأنها ذات نفع، وأن عدم وجود الكلاب لا يعني أن تفتح الباب، لم أتعلم من التجربة فأنا أقاوم كل ما يسئ ظني بالإنسان وإن أدركت أن على الإنسان أن يحتاط بسوء الظن.. صدق رسول الله إذا كان فعلا قد قال:
ـ سوء الظن من حسن الفطن.
     صدق.. لكن طبعي لا يستطيع الاستجابة.. ليس كل شئ فينا تحت سيطرتنا.
* * * * *

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مَريم لُطفي الآلوسيّ: النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (5)

في المطار بلادي والقلب يقطر دما .. حلو اللقاء مرًّا وعلقمًا الإجراءات في المطار كانت …

مَريم لُطفي الآلوسيّ: النَّوارسُ المُهاجِرة- رحلةُ الموت (قصةٌ مأساويَّةٌ لأرواحٍ تبحثُ عن السَّلامِ) (4)

فتاة الجحيم حوارٍوقيود بالكادِ وصلوا الى داخل الخربة التي كانت تعلوهُا اكوام الركام ،وجدوا فراشا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.