الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » د. عايدة الربيعي : (الفن الجديد في العراق: نشأة ومسارات) (2/2)

د. عايدة الربيعي : (الفن الجديد في العراق: نشأة ومسارات) (2/2)

(الفن الجديد في العراق: نشأة ومسارات)

عايده الربيعي
في
الفن وعلوم الفن
الجامعة اللبنانية- المعهد العالي للدكتوراه

يمكن ان نسمي الفن الجديد الفن ذو المضمون، هو فن حسّي، فكري ذهني تخيلي، إدراكي شعوري، رسالي، رمزي، معاصر، يهتم بالتعبير والإفصاح عما يختلج في نفسية الفنان وعقله من الأفكار والمعاني التي يصورها بلغة فنية. فأصبح مجالا لتأمل العقلاني النقدي يدعو للتفكير والتأمل لإدراك معنى العمل. يبحث في ماوراء الشيء، انه يبحث في شروطه لكي يكون مقبولا وناجحا في الموقف التواصلي التفاعلي مع الآخر، لذا مثلّت الأعمال والتجارب الجديدة وسيطا معاصرا للتعبير الفني عبر الاتصال بين العواطف والمشاعر والأفكار مع ذات المتلقي المتفاعل مع الفكرة “شكلاً ومضمونا” بواسطة التمثيل الجديد لعناصر البيئة المحيطة.
أتاح هذا للفنان العراقي بعد 2003 أن يمتلك القدرة والتمكن من الإفصاح عن النفس والذات بما يحمل من ابتكار يمثل فيه الإبداع الحر تحت عنوان الجمال، سواء أكان بالتركيب للشكل أو في تضمين المعنى في محتوى المضمون أوفي صياغة فلسفة الفكرة. عبر هذا التراكب تحول منتج الفن الجديد إلى مجموعة صور ونصوص وشاشات وفلم فيديو ترافقه موسيقى وأصوات، وصارت بعض الأعمال عبارة عن مشاهد مسرحية تحمل دلالات عدة عبر الفعل الأدائي الدرامي الإنشائي الموضوعي، لينتج في الخاتمة إحساساً جمالياً بتذوقه فنيا. يتشيء العمل الفني في الفن الجديد من الخلط بين عدة أنظمة فنية في العمل الواحد من: نحت، عمارة، رسم، مسرح، موسيقى، تصوير فوتوغرافي، فيديو، حفر، صوتن حركة، طباعة، أداء، نشاط، نصوص، سياسة، فلسفة الفكرة مما يحول العمل الفني إلى استعراض سمعي، بصري، حركي. فشهد دخول: الشاشة، وأداء الجسد الفن الحركي، والإنشاءات والتنصيب والتركيب، وفن التجميع كفن الخردة وفن المخلفات والمصغرات (التصغيرية)، والفن اللاشكلي، وفنون الكومبيوتر (الحاسب الآلي) الفن الرقمي أو الديجيتال ارت ومنه الكولاج الرقمي وصولا إلى الصورة الافتراضية. فقد عرض الفنان أفكاره على تلك الشاشات الهائلة، وشاشات التلفاز، وفيديو القاعات وفق أنظمة معينة وأمكنة خاصة بأجهزة وظفت في بيئات مخلقة وطبيعية.
فقد قطع الفنان المعاصر الحدود الفاصلة بين مختلف ميادين الفن البصري( بين فني النحت والتصوير) بالحذف والإضافة، الربط والتجميع، التفكيك، والتركيب، والتضاد. حيث أن فكرة التضاد من أكثر الأفكار التي اعتمدها الفنان في الفنون الجديدة. فقد وظفت هذه الثنائيات المتعارضة داخل العمل الفني لتكسبه معنى جمالي كالحزن/ الفرح، الخوف/ الأمن، اليأس/ الأمل… وغير ذلك، والتي ما أن تظهر أحدى هاتين الصفتين المتعارضتين إلا واختفت الصفة الأخرى.
عمّقَ الفنان العراقي بهذه المحاولات والتجارب الجادة حضوره مع تنوعها متأثرا بدرجة كبيرة بالتجارب الغربية للتعبير عن مواقفه وبما يطمح إليه من تغيير، ذلك التغيير الذي تولد بسبب التراكمات المختلفة اجتماعيا، وسياسيا في ظل التفكك الذي عاشه خلال هذه المرحلة لبث رسائله عبر توجهات تحمل معنى متوار. معان لرموز ظـاهـرة في العمـل الفني، وأخرى مبهمة مشفرة تفكك عبر دراسة الأشكال والألوان وطلاسم ورموز بواسطة المعاني المفهومة في المجتمع سواء أكان عند الفنان أو المتلقي للعمل الفني داخل إطارها العصري وفق فلسفات اجتماعيـة مشتركـة. لهذا مثل الفن الجديد في العراق مسعى لخلق شكل فن عصري فيه العديد من الالتباسات المتعلقة على نحو ومفهوم الفن التشكيلي المعاصر في العالم.
ظهر الفن الجديد في العراق نتيجة لمخرجات، ومدخلات، ومتحوّلات، وتغيرات جمالية فنية وفكرية مفاهيمية معرفية لمرحلة ما بعد 2003 وحتى وقتنا الحاضر، حتى بات يمثل شكلاً جديداً وفهما جديدا لتجربة فنية تشكيلية مغايرة للتشكيل القديم، يمكنُ بواسطتها التعرّفُ على شكل وفهم ماهية الفن الجديد في العراق، والذي تخطى بالمقاييس الجمالية والمفاهيمية التقاليد والقواعد الكلاسيكية. ويمكن التعبير عبر هذا الفن عن دواخل المبدع وهواجسه بفلسفة الفكرة وطريقة صوغها. فيكون بذلك قد تجاوز بنحو معاصر الموضوع الذي يقترحه على نحو مباشر إلى معنىً مبطن غير مباشر، يتضمن فكرة تنطوي تحت مرموز وإشارة ومدلول، مرتكز على نظام ونسق تأويلي رمزي، انعكاسا لتلك الدواخل. فقد ركن الكثير من الفنانين العراقيين المعاصرين إلى الكيفية الجديدة في صياغة العمل الفني، ليفرغ إسقاطاته النفسية في تجربته الجديدة، ومنه على سبيل المثال: التصوير المعاصر على نحو خطوط متقاطعة ومتداخلة ومتشابكة او يبنى مثلا على اللاشكل أو أي هيئة أخرى ليتحرر فيها الفنان من العوامل والأسباب الخارجية وأي قيود كلاسيكية.
هذا، وقد انحصرت قيمة أعمال الفن الجديد في بنائها الداخلي، وذلك باتساق عناصر التكوين وأجزائه، ينبثق ذلك من معرفة علم الجمال الشكلي والتي تنبعث من تنظيم اللا منظم للأشكال ومن ترتيب اللا ممنهج للأشكال على نحو يخلق جماله الخاص من علاقات التركيب بعشوائية، وتلك سمة وملمح تتبدى في أشكال تُدرَك (دون الاحتياج إلى تصور أو اعتقاد لشكل محدد) مع هذا يقضي ويحكم المتلقي بان العمل جميل في ذاته. يخلق الفنان هنا المتعة الجمالية. يتبين ذلك بشكل جلي و واضح في أعمال الفنان العراقي المغترب (ستار نعمة) التي تعدها الباحثة مثالا واضحا عن الفن اللا شكلي التي تنتمي إلى فن التصوير المعاصر. كما في أعمال الفنان (عمر المطلبي) في معرضه ارض الأجساد. لقد أصبح الفنان حرا لخلق فعالية فردية حرة متجددة. ومن غير الممكن أن تكتشف ذلك إلا عبر الرجوع إلى فلسفة الفنان ومرجعيته وكيفية التعبير عن آرائه للوصول إلى المعنى.
ويبدو من خلال هذه الدراسة إن المسوغ من ظهور هذه الفنون في العراق خلال هذه المرحلة المهمة من تاريخه هو في تحقيق الامتداد الطبيعي لتطور المشهد والمرأى الإنساني عبر التاريخ والزمان الماضي، وتأكيداً لعلاقة الفن بالمجتمع وتأثر بعضهما بالبعض الاخر. ويمكن حصر العناصر التي يفترض توافرها ليتحول العمل بموجبها من المعاصرة والمفاهيمية ومن الحداثة وما بعدها إلى فن جديد، هي كما يلي:
1- إن يكون العمل الفني نتاج تجربة ذاتية خاصة بالفنان. أي نتيجة وثمرة لفكره وثقافته
وحياته والتعبير عن مشاعره.
2- يمثل العمل الفني في الفن الجديد موقف المبدع المتمرد على البيئة والثقافة والفكر
وانحرافاتها.
3- غالبا ما يمثل العمل الخلاق في الفن الجديد صورة مستقبلية يسعى الفنان التنبؤ بها
)يمثل إرهاصات الفنان).
4- العمل الفني الجديد فضاء يجرب فيه المبدع أقصى مدى للحرية والتعبير دون قيود.
5- يمثل لغة بصرية.
6- يتطلب العمل الفني في الفن الجديد من المتلقي إعادة تحليله وإنتاجه
لفهمه والاستمتاع به.( )
7- لا تكفي المشاهدة لفهم العمل الفني واستيعابه، إنما يتطلب الذهاب إلى الحدس.
8- يتطلب العمل الفني في الفن الجديد من المتلقي ثقافة ووعي وتذوق وحس مرهف وعقل
مفتوح كما يتطلب لانجازه الذكاء والمهارة والفطنة والقدرة الخلاقة والفكر المتوقد.
9- يتشكل العمل الفني من بيئة الفنان وثقافته.
10- يلزم الفنان أن يتجاوز بالعمل الخلاق نحو فكر المتلقي بمراحل الجذب والتأمل والاستمتاع
كاملة.
11- يتطلب من المتلقي فهم معنى ودلالة أبجدية اللغة البصرية الجديدة المشفرة (ذهنيا) بدءا
من النقطة والخط واللون والملمس والفراغ والخامة لفهم المرموز والإشارة في العمل للفن الجديد.
12-يمثل العمل الجديد تحطيم لكل المسلمات السابقة في الفن التشكيلي وقيم الجمال والمفهوم. حيث أصبحت فلسفة الفكرة ومفهوم العمل هي أهم قيم الجمال وهي العنصر الأساسي الذي يرتكز عليه العمل. (ولكن الدخلاء على الفن الجديد شوهوا حقيقة العمل الفني المعاصر وجعلوا من الأمر فوضى).
13- التوجهات الجديدة احد أسباب ودوافع دخول مفهوم المعاصرة ومابعدها ( التداولية) والجدة والفرادة على أشكال الفن في العراق. فتخطّى الفن التشكيلي العراقي بأشكاله المتنوعة النظريات القديمة بمنطلقات الفن المعاصر وثقافته.
لهذا، يمثل الفن الجديد مرحلة عصرية من مراحل تقدم الفنون وتطور علومها في العراق، ليمثل بذلك حالة بحثية تجربية جديدة في مسار ومجرى شكل الفن التشكيلي من رسم وتصوير ونحت إلى شكل آخر خارج السياقات المعروفة للفنون التشكيلية الجميلة بإدخال الإشارة وتضمين الصوت والحركة والأداء الحي والتكنولوجيا إلى الأعمال الفنية الجديدة. بل مثل هذا التوجه الفني الجديد مظهراً من مظاهر جمع المعاني والمواقف بدمج الفنون السبعة أو على الأقل التشكيلية منها مع المسرح أو الصورة السينمائية. و وراء هذا التحول الفني أسبابا، أذكر منها:
1- نتيجة الملل من الإطار التقليدي للعمل الفني.
2- نتيجة التحولات المتعددة والمتغيرة لمفهوم فكرة الجمال الشكلي في الفن التشكيلي العالمي.
3- تطويع جمال الفكرة والتعبير عنها بشكل فني مثير عبر فلسفتها والية صوغها على نحو مختلف، إذ لا يكفي جمال الفكرة بل أن تكون طريقة التعبير لافتة وصادمة. فوظيفة هذا الفن هي الإثارة. يقوم هذا الفن أساسا على ترجمة الفنان لأفكاره باستعمال الوسيط المناسب للتعبير بطرائق غير مسبوقة داخل العراق.
4- محاولة الفنان الجادة لتخطي الرؤية السائدة والسياق، بتحويل الواقع العراقي وصياغته فنياً إلى تجربة فنية فردية ذاتية( بعيدا عن السياقات المتداولة).
5- البحث عن الإبداع والابتكار، فالتميز صار هوس الفنان المعاصر.
6- التجريب. بدأ الفنان التشكيلي يتمتع بفضاء واسع من الحرية جراء التعبير بأشكال ومواد يبتكرها لنفسه، فانتقل من التجريب بالمواد الفنية التقليدية إلى كسر القواعد بالتجريب بشتى التقنيات والوسائط غير الفنية. بمعنى التوجه نحو العمل بمادة البيئة بشكل مباشر.
7- التطور العلمي والتكنولوجي كسر روتين العمل الفني وحرر الفنان في العراق من القيود، بالتحول إلى الآلة والتكنولوجيا و وسائط الميديا الحديثة في صوغ الرؤية. فساعدته تقنيات العصر المتنوعة في إنتاج منجزه الفني الجديد ومنها الرقمية وفنونها.
8- الاختزال إلى إنتاج أعمال أكثر فرادة وجدية حررت الفنان في العراق من القيود الاجتماعية والثقافية السائدة في بيئته الفنية للأشكال التي تنتج للسوق العالمية.
9- ظهور مفاهيم فلسفية جديدة في الساحة الفنية العالمية اتخذ منها الفنان في العراق وجهة فكرية له في إنتاج أعمال مفهوميه.

عبر هذه الأسباب على الأقل تحول الفن البصري في العراق إلى فن ثقافي فلسفي وجودي علمي ذات طبيعة مفاهيمية تداولية، منحت المتلقي العراقي وغيره من اكتشاف طبيعة المادة في العمل أو الشئ المستعمل وفلسفته في الفن الجديد الذي سأتناول سماته وملامحه ومعوقاته وسبل حلولها أيضا فيما سيأتي.

أولا- السمات

1- اتسمت هذه المرحلة بكثرة المعارض الفنية خارج العراق وانحسارها في داخله بسبب الظرف السياسي وتداعياته، وتخلي المؤسسات عن الفن والفنانين، فضلا عن عدم تهيئة القاعات للعروض الفنية المعاصرة مما ساعد على انتشار فن التشكيل المعاصر عالميا وانحساره داخلياً .
2- نزوح الكثير من الفنانين إلى المنافي بحثا عن الحرية والأمان ومحاولة إيجاد مساحة جديدة للابتكار والإبداع.
3- تأكيد الفنان لهويته الوطنية في جل أعماله الفنية التي أنجزها في داخل العراق وخارجه، بعد أن حرص على نشر رسالته الإنسانية في مجابهة الغزو الأمريكي عبر أعمال نجحت في توصيل مضامينها الجديدة.
4- عبر الفنان عن الموت والدمار وانعكس ذلك على اختياراته لعناصر تكوينية جديدة، وكذلك لقيم جمالية متميزة مهدت لولادة فن تصويري جديد.
5- اعتماد الفنان التجريب كأسلوب لتمرير أفكاره في ظل الاحتلال وحاكى الحداثة وما بعدها في انجاز أعماله الفنية.
6- شغل موضوع السلام ي السنوات الأخيرة أفكار الفنانين وتجسيده في أعمالهم الجديدة عبر رؤى مستقبلية زخرت بالنور وازدهت بالألوان في تكوينات بعيدة عن الحروب والدمار.
7- تضمنت بعض الأعمال الفنية نصوصا شعرية بإمكانيات تعبيرية متميزة بتقنيات فنية عالية.
8- برزت قضية التحول عند الفنان في المهجر حينما تخطى مرحلة الاندماج المباشر بالغرب، وجرب مختلف التيارات والاتجاهات والمدارس مما أدى إلى ولادة تصوير يخرج برؤى مختلفة في استعماله للعناصر والمواد والتقنيات الحديثة ليكسبها أبعادا تختلف عن أبعادها السابقة .
9- ظلت التجارب الفنية العراقية في الخارج فاعلة تعبر عن الصدمة والدهشة والتمرد والثورة على الشكل الفني عبر تكوين اتجاه فني جديد رافض للفن الكلاسيكي ليواكب التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحديثة في مجتمع ما بعد 2003.
10- أدراك الفنان في العراق إفلاس الفن الشرقي مقارنة بالازدهار الكبير لأساليب التعبير (الأوروبي والأمريكي) المتمثل في الفن الغربي بين الحداثة وما بعد الحداثة كفن الفيديو أرت، المفاهيمية في الفن، التجهيز والتنصيب، فن الأداء الحي، وفن الديجتال والفوتوغراف وغيرها.

ثانياً- المعوقات

كثيرا ما كانت تثار نقطة مهمة بين طلاب الفنون الجميلة في الدراسات العليا (خلال دراستي للماجستير) وبين إدارة القسم عن علاقة البحوث التي يقدمونها في قسم الرسم والتصوير والتي تحمل عناوين للفن المفاهيمي سواء أكان في فن الأداء، أو فن الفيديو، أو الإنشاءات والتجهيز في الفراغ، والفنون الرقمية وفن الهولوجرام ( )، وبين علاقتها في تخصص قسم الرسم والتصوير؟ فليس لتلك الفنون (الجديدة) أقساما محددة تدرس في الجامعات العربية. وليس لها متاحف أو قاعات عرض خاصة بها أو مراكز لتسويقها. بل لم أر قسما أو منهجا خاصا لتدريسها في كليات ومعاهد الفنون، بصرف النظر عن وجود أكثر من كلية للفنون الجميلة في العراق كجامعة (بغداد، والبصرة، وبابل، صلاح الدين، ديالى) ومعاهد الفنون الجميلة والتطبيقية، و أقسام لتدريس التربية الفنية، لم تسعى أي مؤسسة تعليمية في هذا الميدان من إنشاء قسم خاص لتدريس هذا الشكل المعاصر من الفنون. ( )
لهذا تجد الباحثة وجوب استحداث أقساماً علمية تحمل اسما خاصا بهذه الفنون، او تحت مسمى (قسم الفنون المعاصرة) تدرس فيها المناهج المخصصة لها. وان يقوم متخصصون وخبراء أكاديميون بتدريس تلك الفنون بمعزل عن قسم الرسم والتصوير، ضمن توجه المؤسسات التربوية والتعليم العالي.
فضلا عن تلك المعوقات، لم يستطع الكتّاب النقاد الدفاع عن هذه الفنون بعد 2003 بنحو واضح وحتى كتابة هذه الأطروحة. فعادة ما يخضع النص المرئي أو أي عملية ابداعية لسلطة الناقد الفني بعد أن يكون قد تخلص من سلطة مبدعه وعرضه لجمهور المتلقين (في العادة ان أسبقية النص المرئي يتقدم على النقد الفني). فان النص المرئي بعد أن يكون قد استوى بصورته النهائية يأتي دور الناقد ليحدد الأنظمة الداخلية والخارجية لمسارات تشكل النص، واعني هنا بالناقد ذلك الذي يُخضع النص لسلطته القرائية، وتبعد ذات المبدع حين قراءة النص. هذا بالنسبة للفنون القديمة. على العكس في الفن الجديد، اذ تدخل ذات الفنان وبيئته والظروف المحيطة به ضمن قراءة النص وانعكاسها على فهم المحتوى، فثمة مستويات ذاتية تتحكم بصياغة النص والخطاب فتتدخل في هذا الحكم، لذا يصبح حكم القيمة هنا بحد ذاته حكماً ذاتياً/ موضوعياً لتقييم ذلك النص. إذ لا يمكن الحكم مطلقاً على العمل حكماً نهائياً لنسبية المعايير التي تتدخل في هذا الحكم بعيدا عن الفنان وحياته أو بيئته.
أما الباحث المتعمق في فهم محتوى ومضمون هذه الفنون الجديدة والمعاصرة فانه يجد فيها معنى مطمورا خلف الأشكال (واقعية مختبئة). واقعية ابتعدت عن الأطر القديمة ، تأخذ المعنى إلى تخطي المحسوس والواقعي السهل إلى ما هو رؤيوي متخيل نابع من عمق ذات الفنان فتاتي القراءة في السهل الممتنع. ورغم كل ما تقدم لم يضع البحث يده على تحرك نشط والتفاف واسع في الساحة التشكيلية لهذا النوع من الفنون داخل العراق ( إلا ما ندر) حتى من بين فنانين الجيل الجديد (الشباب)، الذي لم يستوضح موقفهم منه (ضد أو مع هذا الفن إلا القليل جدا منهم). ” أن الخبرات المتعلقة بالقديم ، بالماضي، بالتراث، بالمألوف، بالموروث، هي خبرات حميمة عزيزة ومألوفة بالنسبة إلى معظم البشر ، بحيث أنهم ينظرون إلى الجديدة بنظرة من التشكك وعدم الثقة والقلق وربما العداوة”

كما تبين للباحثة أن هناك جيلاً سابقا مازال متمسكا بلوحة المسند والتقاليد الكلاسيكية في انتاج الفن التشكيلي (والذين يشكلون النسبة الأكبر). يخاف هذا الجيل من طبيعة التحول والانفتاح. بل وجهوا بعض هؤلاء المتمسكون بالفن التقليدي اتهاما إلى الفن الجديد ونتاجاته ونشاطاته بأنه فن خراب ودمار للذائقة الفنية العراقية، رافضاً بل يحاول وأد التحولات الجديدة قبل نشوئها. وتشير الباحثة هنا، إلى انه لا يمكن لأي مكان في العالم أن يكون منقطعا عن تحولات الحراك الإنساني الشامل على كل الأصعدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا في ظل أزمات متلاحقة نواجهها كل يوم، بما يتيح لي أن أتحدث عن حركة التشكيل العراقي ما بعد التغيير ( 2003-2016) تلك المرحلة الحرجة من حياة البلد بشكل كامل, وبالتالي فان الانفلات من حصر المشهد قد يكون صعبا نوعا ما لتنوع التجارب والملاحظات وتوفرها في جغرافيات مختلفة. إلا أنني سأحرص على البدء بما يتوفر لديّ من عينات قابلة للفحص, حيث ألقت أحداث ما بعد 2003 ظلالها على العراق, فانعكس ذلك على مسارات الفن فيه سواء أكان على مستوى تجارة الأعمال الفنية ومستوى استقبال الفن العراقي، أو إنتاجه.
ولكن، المهم في هذا الأمر هو إلى أي مدى عمل الفنان العراقي على إظهار الحقيقة، وكيف مارس دوره على اعتبار أن الفن بصفته انعكاسا لصورة الإنسان ومعيشه .ينطوي هذا على أبعاد اكبر، تقف في مقدمتها إمكانية التواصل الروحي مع الواقع المعاصر في الحياة العراقية الغنية بتراثها وأساطيرها التي تحمل جمالياتها وخرابها، أفراحها وآلامها، انتصاراتها، وفواجعها. فهي الهوية والتاريخ والجذور والطفولة، هي الصور الحاضرة في الذاكرة. وهذا يعني إن دخول التيارات والاتجاهات الجديدة المعاصرة على الفن التشكيلي العراقي لا يعني الانقلاب على الهوية العراقية، فليس بالضرورة إن كل جديد يعني مبارحة الهوية أو الانقلاب على التراث المحلي أو الانخراط برغبة أو دونها مع الآخر الغريب المستورد. فحين يقدم الفنان التشكيلي المعاصر فكرة دمج ومزاوجة التراث بالمعاصرة ، فهذا حق مشروع؛ لإثراء التجربة الفنية الجديدة أولاً، ولنقل وتوصيل رسائله الإنسانية كفنانٍ مجددٍ محبا للتقدم عبر نقل مفردات موروثه المحلي باللغة الفنية الخاصة به وببيئته عبر عولمة الفن وثقافة العصر ثانيا.
ان هذا بدوره سوف يسهم في تنوع رؤى الفنان العراقي الأسلوبية في فن التشكيل المعاصر الذي وصل إليه الفن التشكيلي العالمي والذي قد تجاوز شروطه الزمكانية. كما يسهم في التوصل إلى جملة من الرؤى الذاتية والفنية للفنان، والتي تنتج معنىً جديدا في الفن الجديد، وهذا من الاهمية التي تبوأها البحث. فعندما تبنى البحث هذا الموضوع (موضوع الدراسة الحالية) بدراسة هذه التجارب الجديدة فهو إيماناً بمدى أهميته، وبمدى أهمية حاجة الفنانين له في داخل العراق وفي الخارج ولكل المختصين بالمجال الفني التشكيلي من جمهور المثقفين والمتلقين. فضلا عن ذلك معرفة المسافة التي وصل إليها الفن التشكيلي في العراق في الوقت الراهن، والثوابت التي سوف يعتمدها الفنان والناقد في قراءة المشهد الفني التشكيلي بعد 2003 وحتى وقتنا، وعن إمكانية قراءة تجارب جديدة ظلت بعيدة عن أنظار الفنانين العراقيين في الداخل (تحديدا)، ليستدلوا منها على قضايا مهمة في الفنون المعاصرة.
ولكن بات من الصعب التوصل إلى تعريف محدد لهذا الفن وتوضيح مفهوم معين له، وذلك لإشكالية تدريس وتعليم مناهج ذلك الفن عالميا، وقلة متناوليه في داخل العراق حالياً لندرة تناول أساليبه أولا، ورفض البعض من الفنانين لهذا النوع من الفنون ما سبب غيابه في الوسط التشكيلي العراقي في الداخل إلا ما ندر، شأنه بذلك شأن أنماط التجديد للفنون السابقة وبداية تشكلها في العالم. لذا فأن محاولة الباحثة من وضع تعريفا دقيقا له ستأتي بشكل منقوص وذلك للأسباب التي ذكرت آنفا.
ويبقى السؤال: لماذا يرفض بعض الفنانين هذا التجديد في الفن؟ ولماذا كل هذا التحامل والهجمة على كل ما هو جديد يتسم بصفة التطور والتقدم؟ هل يرجع ذلك التمسك إلى أنهم ببساطة يفتقرون إلى الجرأة بالتبشير بهذه التحولات أصلا؟ أم هي حالة من الوعي الرافض، والخوف من أن العالم كله اليوم يعيش تحت وطأة الفكر العالمي الجديد الذي تصدره الرأسمالية العالمية (الغزو الثقافي)، والذي تنشد من وراءه أن تسود هذه الأنظمة الرأسمالية العالم بمفهوم السطوة والهيمنة على الثقافة والاقتصاد للدول الأخرى، لتدير شؤون العالم كما يحلو لها، والتي باتت تروج لأمور لها علاقة بالثقافة سواء أكانت بفنونها أو بآدابها. أم ربما هو الخوف على اندثار ثقافة العراق المحلية في ظل العولمة والغزو الثقافي؟ وخاصة ومما لا يغيب، إن للمجتمع العراقي ثقافته العريقة، ورؤاه الفنية العميقة. مجتمع له لغته الفنية الخاصة، وهويته، وتراثه الحافل الكبير، فضلا عن ماضٍ جميل أُسِسَ على ركائز كبيرة، وحضارة يشهد لها العالم يناهز عمرها السبعة ألاف عام (7000 )، فلماذا هذا التهافت على كل جديد، والانقلاب على روح الفن عند الفنان العراقي المعاصر؟
يجد البحث، وبواسطة تقصي بعض من الأمور الهامة ان الغايات من نشر ثقافة العولمة والاستعمار الثقافي على دولنا بأن هناك هجمة ناعمة واسعة، وغزو ثقافي للمجتمع العربي والشرق أوسطي (ومنه العراق) وعلى عاداته وتقاليده ومنظومته الاجتماعية. اذ إن قضية “الغزو الثقافي” تعد مسألة خطرة، لابد من التنبه لها ولما يحصل من حولنا. كما يرجح البحث، عبر بعض التقصي أيضا في جوانب هذه القضايا إلى أن الفن الجديد لا يخدم الموروث العراقي، ولا يحاكي مفرداته مئة بالمئة، أنها اتجاهات غريبة عنه بكل ما أوتيت. ولكن، بالإمكان أن تُوَظَفْ إمكانيات هذه الفنون بكل مقوماتها إلى خدمة قضايا إنسانية كبيرة تنهض بثقافة البلد الذي دمره الاجتياح الغاشم، والسياسات الحاكمة الفاسدة، وذلك ببعث رسائل الفنان الإنسان العراقي إلى العالم وخاصة فيما يتعلق بمحنته الأخيرة وقضايا البلد المتداعية عبر مفاهيم الفن الجديد.
كما انه ليس بالضرورة أن كل جديد في الفن سوف يخدم الحركة التشكيلية العراقية، ويدفع بها نحو فعل حضاري مائز. لكن الإدراك الحسي والبصري، وكل المناخات الإبداعية المتقدمة، سوف تكون هي الفيصل في دعم الحركة التشكيلية العراقية خلال المرحلة الراهنة، وخاصة بعد حجم الدمار الذي طال “أهله، ومؤسساته” تحت وطأة الظروف وفضاءاتها المغلقة التي طوقت وحجمت بدورها حياة الفنان عامة والتشكيلي خاصة في داخل العراق وخارجه. فإن قضية نشوء الفن الجديد في التشكيل العراقي لابد أن تنحَ إلى (دنو) فن عراقي متحضر متخلص من ثقافة الحقد والعنف، للوصول إلى ثقافة الإبداع والجمال والتنوع، بعيدا عن التبعية. وعليه سيتبنى الفن الجديد في العراق قضية الخير والشر، الألم والأمل، الهدم والبناء في إنتاج أعمال فنية جديدة تحمل مفاهيمها ورسالتها وقيمها إلى الآخر، لتكون وثيقة حقيقية عن طبيعة الحياة في العراق ولا يتحقق ذلك إلا بواسطة مخاض عسير لطاقات إبداعية حفلت بالعمق والتجدد.

ثالثا- الحلول
يلزم تغيير الخطاب النقدي الفني تبعا لهذا التحول في مفهوم العمل الفني الجديد، وفي طريقة إنتاجه في التشكيل العراقي الذي بات قائما على مجموعة من الأشكال والخامات، والوسائط، والرموز، والدلالات التي تضعنا أمام إشكالية اللغة التشكيلية الجديدة وخطابها، اللغة المرئيّة المتطوّرة عبر آليات القراءة وتنوّعها.
فقراءة النصوص البصرية الجديدة هنا تعني: اختراق الحدود التقريريّة ( الظاهر Denotations) في محاولة للكشف عن الإيحاء (الباطن Connotation) لاستخلاص مختلف العلاقات بين العناصر التشكيليّة، والأنساق التعبيريّة، وفك رموزها. ولكي تكون القراءة والدراسة دقيقة، كان لابد من إيجاد عدة أنظمة، هي:
– النظام التأويلي
– النظام الرمزي
– النظام الدلالي (يحيط بدلالات العمل الجديد).

ويتوجب على قارئ هذه الفنون أن يميز بين التفسير لها، والتأويل. فالتفسير هو بيان المضمون، وهو عبارة عن تحديد المعنى الواقعي. أي شرح العلة الصورية. أما التأويل: فهو بيان الغاية، ومعرفة الباطن. وهناك معنيان: معنى يمكن الاستفادة منه من الظاهر. ومعنى لا يمكن اقتناصه من الظاهر يسمى باطن. أي بشرح العلة الغائية. ولكل شيء علتان علة صورية وعلة غائية. فمثلا مفردة الكرسي في أي عمل فني تقرأ على ان الكرسي له علة صورية، وهو شكله، تصميم جميل متناسق. وله علة غائية هي، لماذا صنع هذا الكرسي؟ ان الغاية من صنعه هي الصعود والجلوس عليه. إذن له علة صورية فعندما تشرح العلة الصورية فهذا تفسيرا. وله أيضا علة غائية، وندما تشرح العلة الغائية يسمى تأويلا.
فتحدّد العلاقة من خلال الفن الجديد ومنجزه قناة التواصل بين الباث ( الفنان) والمتلقّي ( القارئ ) عبر الخطاب البصري الجديد وقراءة النص. (راضية العرفاوي، سيميولوجيا الصورة والتواصل، قراءة الأثر الفنّي تشكيليّا). ولكن يبقى لكل أثر فنّي حكم خاص به رغم أن كل اثر فني هو مطلق في حدّ ذاته، فهو خلق فريد وفذ. أي لا يمكن الحكم له أو عليه أو تقييمه وفق مقاييس غير تلك التي تنبثق منه. فالأثر الفنّي يخلق عالمه الخاصّ. لذلك لا تجوز المقارنة بين أثر فنّي وآخر. نقول هذا أثر فنّي جميل وقد نصدر نفس الحكم على أثر فنّي آخر يرتبط في الوقت نفسه باللاّنهائي والنهائي، بالمحدود واللاّمتناهي.
ومن مهام الفنان المجدد ان يجعل أثره الفنّي يبرز شكلا أو رسما أو قطعة موسيقيّة أو قصيدة محدودة ونهائيّة أي ما يعبّر عنه الفيلسوف ( كورنيليوس كاستورياديس (Cornelius Castoradis بموضع أو موقع الأثر الفنّي. فأشكال الفنّ الجديد لا تحصى ولا تعدّ، ولكن يبقى الأثر الفنّي البارع الخالد هو ذلك الأثر الذي يصمد على مدى الأيام، ويحافظ على مكانته مع مرور الزمن. الفنان يخلق الجديد والفذّ، ويحفظ لنا ذاكرة وعلامة مميّزة من التاريخ تبقى اثرا فنيا كما في عمل نصب الحرية للرائد جواد سليم وغيره.
يبيّن لنا ( رولان بارث Roland Barthes) لقراءة العمل الفني الجديد سيميولوجيا في كتابه مبادئ في علم الأدلّة، قضية الحدود التقريريّة ( الظاهر Denotations) والكشف عن الإيحاء ( الباطن Connotation). إذ يعدا هذين النظامين هما أساس كلّ القراءات السيميائية للفنون الجديدة. وأنّ النظام الثاني هو توسّع للنظام الأوّل ومنه تبرز العلاقات القائمة بين الدال والمدلول، الباطن والظاهر، الإخفاء والإعلان .. وغير ذلك. كما يقول (بودلير Charles Baudelaire) فأّنّ هناك طريقتان للقراءة حول النقد الفنّي، وقد بيَّنها في كتاباته، وهما:
– القراءة الأفقيّة: هي طريقة أولى لمعرفة الظاهر، وما يمليه العمل الفني التشكيليّ على العين، وهي طريقة حدسيّة ومباشرة.
– القراءة العموديّة: هي قراءة متعدّدة، كونها تخترق حدود السطحي لتكشف عن المعنى والبعيد غير المباشر.
وتعد هاتان الطريقتان احد أهم أسباب مفاصل دراستي الحالية، إذ تمثلان دعوة لإعادة دراسة أعمال الفن التشكيلي الجديد، وبيان دوره في التحولات الجمالية، والمفاهيم التي تتالت منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن، مما اثر بشكل واضح في إنتاج الفن المعاصر في العالم ومنه العراق، وفي كيفية قراءته بعد 2003. فقد أسهم (هذا التحول) في شكل الخطاب البصري، اذ سجل منعطفا فنياً وجمالياً جديداً في كل مرفقاته وأطروحاته واستعمالاته في مجالات التعبير الجمالي، وذلك بتشكيله إفرازاً لمخاض صراعات وتحولات العصر بضغوطاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال أزاحته على مستوى الرؤية، والذائقة، والحس البصري في العالم والعراق.
أما كيف لنا أن نحكم على العمل التشكيلي بأنه ينتمي الفن المعاصر؟ وما هي عناصر العمل المتكامل في الفن الجديد؟ وكيف لنا أن نحكم بأنه عمل متكامل؟ فالجواب. ينبغي أن تتوفر بعض العناصر في العمل التشكيلي المعاصر تجعل المتلقي يحكم على أن العمل الفني جديدا معاصرا بعيدا عن البناء والتقديم والعرض الكلاسيكي. ومن أهم هذه العناصر هي:
1- الفكرة وطرحها: تتمثل في كيفية تناول الموضوع لتجسيدها بصرياً. وقد يختلف تقديم العمل الفني من فنان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. فالكثير من الأعمال تتناول نفس الثيمة ولكن، كل فنان تشكيلي يقدمها من وجهة نظر تختلف عن الآخر (وجهة نظر جديدة غير مسبوقة) فيكون بإخراج الشكل النهائي الخاص به، وبذلك يترك بصمته ورؤيته الخاصة والتي تسمى في عالم الفن بالشخصية الفنية لذات الموضوع وعينه، فالعلة هنا هي في طريقة التناول والصوغ التي تعكس شخصية الفنان بواسطة أفكاره ورؤاه وثقافته وإمكانياته وفلسفته وإظهارها.
2- طريقة المعالجة: إن توظيف التكنولوجيا الحديثة والتقنية الرقمية في الطرح الفني المعاصر واستعمالها كاعتماد برامج الحاسوب الآلي مثل برنامج الفوتوشوب، و برامج الرسم والتعديل على الصور قد أفاد الفنان التشكيلي كثيرا في مسك الموضوع بشكل آخر مغايرا ومختلفا عن الطرح القديم. وذلك بإيجاد علاقات بين الأشياء والأحداث وربطها ببعض لخلق ترابط جديد يستهل منه المعاني فيبنيها عبر طرائق المعالجة الجديدة والحديثة، لتكوين معنى دلالي للعمل الفني الجديد يحمل في مجمله القيمة الفنية والفكرية كمفهوم. وتعد هذه مساهمة من الفنان المعاصر في بناء ثقافة المجتمع الجديدة، ونشر ثقافة الجمال المستحدث من خلال الفن الرقمي. حدث هذا بعد الثورة التكنولوجية السريعة والمذهلة التي انكشف من خلالها للفنان الكثير من أسرار العلوم، والموارد الطبيعية على الأرض. فضلا عن استثماره لعلم اللسانيات، والمجال الفكري الفلسفي، والأيدلوجيات وكل ما يتعلق بالعروض والتقديم التي غيرت جميعها من شكل الفن. فقد صار الفنان المعاصر المجدد يؤمن بمفهوم إعادة تقديم الأشياء بشكل جديد. وهو بهذا يكون قد ابتعد عن التقليد الظاهراتي الذي يسمى تراثياً بالتقليد، أو بالتشخيصية التي تعتمد المفاهيم الموحدة ضمن البقعة الجغرافية عبر الهوية والانتماء (المحلية).

هكذا شهد الفن التشكيلي المعاصر في العراق بعد 2003 وحتى الآن تغييرا أسس إلى مرجعية جمالية جديدة بعيدة عن التقليدية التي لم تعد ممكنة إزاء طبيعة الحياة المعاصرة الجديدة. وصار يوظف ا(لفنان المجدد) وسائط شتى لإثارة الدهشة، وخلق المتعة لدى المتّلقي. بل أن القدرة على إثارة المتلقي صارت هي مهمة الفنان المعاصر. فمثل بذلك الفن الجديد أداة داعية للتغيير في تفكير الإنسان. مما أدى إلى تحول الفن من بصري إلى خطاب تفاعلي تواصلي يحمل دلالة ومعنى. بل بات يخلق الفن الجديد بطبيعته المغايرة للقديم والسائد العديد من الأسئلة اثر صدمة ودهشة المتلقي. هذه الأسئلة تعمل على الإثارة والتي تعد من أهم وظائف الفن الجديد في كسب الدهشة.

ينضوي هذا التغيير تحت ما يسمى بالانزياح في شكل الفن التشكيلي العراقي، وهو أمر من شانه أن يجعل صياغة الموروث الفني بما يحقق به الفنان من تجارب جمالية جديدة ممتعة، ويمكن صياغته بأنماط ورؤى مستحدثة. من جهةٍ توثيقا لمنجزات الفنانين التشكيلين العراقيين سواء أكانوا في داخل العراق او في الخارج. ومن جهة أخرى تشجيعا لجيل الفن المعاصر، ونفي المزاعم القائلة بأن هناك قطيعة بين الجيلين جيل ما قبل العام 2003 وما بعده، وبين الموروث والمعاصرة.

هكذا مكن الفن الجديد الفنان المعاصر في العراق من الإفادة من قوانين العصر ورؤاه ونظرياته حيث يعود الإنسان إلى ذاته وبيئته للخلق والابتكار. إنها حرية الفنان وحرية التقدم وتحقيق التمني والبحث عن البدائل مواكبةً.

وقد تطلب هذا من الباحثة، قراءة للمشهد التشكيلي الجديد قراءة سسيولوجية لتقصي أسباب وعوامل ذلك التبدل في الْمُجْتَمع الإِنْسانِيَّ العراقي، وَظَواهِرَه الاجْتِماعِيَّةَ، لأجل التوصل إلى فهم واستيعاب غرض ومبتغى الفنان من تلك الفنون وانتشار ثقافتها. هذا ما يثير في نفس الباحثة سؤالا آخرا: هل يكمن الفن الجديد في الشيء نفسه الذي يقدمه الفنان في التجربة الجديدة أم فيما يمثله، أم في الوصف الشفوي أو الكتابة عنه ؟ لا يعني البحث هنا بان الفن الجديد يعني أن هناك تجديدا في العمل فقط، لان كل عمل فني يحمل في الحقيقة جديدا للفنان نفسه، وكذلك للتيارات نفسها. فالبحث هنا لا يربط هذا المعنى بالتجديد فقط، بل تتكلم الدراسة عن التجديد للأسباب التالية:
1- التجديد في الإنتاج الفني
2- التجديد في الفلسفة (المقاربة الفلسفية في الممارسات الفنية)
3- النظرة الجمالية المتحولة.
4- القراءة النقدية وخطابها الجديد.
5- اختيار المواد والعناصر المتنوعة وطريقة توظيفها لبناء العمل الفني.
6- اختيار الموضوع وفلسفته فنيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *