الرئيسية » نقد » ادب » أرواح هائمة قراءة في رواية عراقية جديدة
كتابة: سامي عادل البدري

أرواح هائمة قراءة في رواية عراقية جديدة
كتابة: سامي عادل البدري

أرواح هائمة
قراءة في رواية عراقية جديدة
كتابة: سامي عادل البدري

مقدمة – سياق

يشير الروائي العراقي (علي بدر) في إحدى مقابلاته مع التلفزة التونسية والتي يمكن الاطلاع عليها عبر اليوتيوب إلى مقولة لـ(باختين) تنص على أنه حين تضعف السلطة تتعدد الأصوات فيظهر كلام المهمشين، وبأن ذلك يعني أن الشعر يخفت، لأنه كلام شخص واحد، وتبرز الرواية، لأن الشخصيات في الرواية متعددة. ثم يربط علي بدر كل ذلك بما يحصل في العراق فيقول أن الشعر بدأ يتحول إلى شعر نثري مع ضعف السلطة في العراق إلى أن وصلنا إلى بروز فن الرواية ونجاحه والإقبال عليه في العراق.

برز في العراق الدكتور ريكان إبراهيم، الطبيب النفسي، كشاعر في السبعينات والثمانينيات حين كانت السلطة قوية، وبرز الطبيب النفسي الدكتور حسين سرمك كناقد أدبي في التسعينات إلى يومنا هذا، أما الطبيب النفسي الشاب حميد يونس، فإنه وبعد نشر مقالات نقدية ذكية، وترجمات مهمة موفقة، فأنه يطل علينا برواية أسماها (آخر أمراض الكوكب). فهل تحققت نبوءة علي بدر الباختينية بذلك، أي التحول من الشعر إلى النثر ومن ثم إلى الرواية في كتابات أطبائنا النفسيين الأدبية؟

البداية الدرامية الموفقة

حين تجد رواية كتبها طبيب نفسي عراقي تعرف أنه قد عاش أحداثاً مثل الانفجارات ستتشوق وتنتظر رواية واقعية مؤلمة. إن مواجهة الموت تهزنا وجودياً وتجعلنا أقرب للصراحة. الصراحة مع أنفسنا أولاً ومن ثم ربما مع الآخرين كذلك. أمام الموت، يتسائل الكثير من الناس عن الخسران الذي ستمثله مغادرة الحياة. فهل عشناها مثلما كنا نريد؟ هل لو أعيدت لنا الفرصة لنعيشها، كنا سنسلك نفس الطرق ونختار نفس القرارات؟ ألم نكن مبالغين قليلاً في لعب أدوار لم نكن مقتنعين بها؟ فهل بقت في جعبتنا قبل أن نغادر هذه الحياة على الأقل كلمة لم نقلها لشخص في عائلتنا، لصديق، لقريب ما، لجار، أو حتى للناس الغرباء؟

مندفعاً تسوقني كل هذه الهواجس مشحونة بشوق للعراق ضاعفته أحداث شباب ساحة التحرير بدأت بقراءة رواية (آخر أمراض الكوكب). منذ أول صفحة، بل منذ أول سطر، خطفتني الرواية بضرباتها السريعة المحكمة مؤججة مشاعري وقد لا تكون مبالغة لو قلت أن تنفسي تسارع قليلاً وأنا أشهد صراخ (علي) وهلع (هالة) وفزع (عبودي) و(نونة)، دخلت غرفتهم وعشت معهم ذلك الاضطراب الذي يفاجئك منذ أول سطر بطريقة محترفة.

محاولة التشخيص النفسي

إن تلك البداية تتمثل في أن (علي)، الرجل العراقي ذو ال٣٧ سنة، فاق من نومه وهو يصرخ بلغة غريبة غير عربية، وبقي يتكلم بها، ثم صار يتفحص جسده بالمرآة بشكل قلق. وبعد ذلك المشهد الدرامي يأتينا وصف لشخصية علي. نقرأ أن له مظهر مخذول، لا يلفت الأنظار ولا يجذب الإنتباه، لكنه شاعري مرهف الحس، تدمع عينه بسهولة ويصدق ما يقال له بسرعة. وبأنه يميل إلى أن مصيره يقرره القدر وتحدده الصدفة، فزواجه على سبيل المثال حصل صدفة بلا أي تخطيط.

إن الصفات النفسية الواضحة لعلي هو أنه شخص قابل للإيحاء (suggestable)، وأن لديه مركز سيطرة خارجي ( external locus of control)، أي أنه من البشر الذين يميلون إلى تعليل سبب ما يحصل لهم لأسباب خارجية. فمثلاً لو رسب في الإمتحان شخص ذو مركز سيطرة خارجي لقال أن الأسئلة صعبة، أو أن الأستاذ لم يدرسهم بشكل جيد. وعلى العكس من ذلك فإن صاحب مركز السيطرة الداخلي كان سيقول في نفس الموقف بأنه هو الذي لم يتحضر كفاية للإمتحان.

وأخيراً ربما تكون لـ(علي) عقدة من مظهره المخذول، لكننا لسنا متأكدين إن كان هو واعياً إلى أنه لا يلفت الأنظار أم أن تلك ملاحظة الراوي؟ على كل!!

إن ما عرفناه من صفات علي النفسية تجعله عرضة للإصابة بإضطرابات التحول (الهستيريا)، وشبيهاتها من إضطرابات تفارقية (dissociative) مثل تعدد الشخصية والتلبس.

وعادة تصيب حالات التلبس نساء شابات غير متزوجات، صغيرات السن وغير متعلمات على الأغلب، كن قد عشن تعلق عاطفي بشخص توقعن التزوج به، فلم يحصل ذلك الزواج لأسباب، فتبدأ بالتحدث هي بصوت مخالف لصوتها، يشبه صوت رجل، وتجعل الصوت يقول بأنه يحبها ولن يترك جسدها. وقد تتكلم بلغة مليئة بالطلاسم مثل (ماخنوخ، ماشنوش، إلخ)، على أساس أن تلك لغة جن من اليهود أو من السريان، أو غير ذلك، مدعية أن الجن يحبها ولن يغادر جسدها. ويعترف بذلك الإضطراب في تصنيفات الطب النفسي وله علاجه.

ويمكن أن يكون دافع من يتكلم فجأة لغة لا يعرفها هو شعور بالنقص يحسه الشخص أمام تلك اللغة، يتغلب عليه المصاب بإيهام الآخرين أنه ينتمي لثقافة يظنها أعلى شأناً من ثقافته، وقد تساعد بعض الظروف، مثل الإحتلال من قبل قوة أجنبية قوية، على ذلك. لم يكن غريباً مثلاً أن نسمع عن عراقي من قرية بسيطة فجأة يقوم بالتكلم مثل الأمريكان، خصوصاً في فترات الإحتلال الأولى، وقد يكون ذلك ناتج عن حادث يهان به الشخص ويعذب، فتكسر كرامته، فيعوض عن ذلك لا شعورياً بإصابته بإضطراب تفارقي يتمثل بالتقمص (identification) كميكانيزم دفاعي، وعادة لا تستمر هذه الحالات طويلاً.

كانت تلك الأفكار تراودني أثناء قراءتي حتى وصلت الصفحة 26 وما بعدها، فإنهار كل شيء.

إنهيار التفسيرات النفسية

نتفاجأ ونحن في منتصف الصفحة ٢٦ بأن الراوي يخاطبنا مباشرة ويقول لنا بأنه قد حصل انتقال فعلي للروح من جسد شخص كوري إلى جسد علي، وأن روح علي ذهبت لمكان آخر. وبأن تلك (حقيقة مجردة لا جدال حولها). ثم نرجع بعد ذلك لبيت علي ونجد أن علي يتكلم فعلاً لغة كورية سليمة، وهو فعلاً عبارة عن روح ذلك الكوري، يقضي وقته في تأمل الجسد الجديد في المرآة. ثم نبدأ بالتعرف على حياة الكوري هذا، إسمه وتفاصيل أخرى دقيقة.

أما لماذا كوريا؟ وما هو شأننا بها؟ فقلت لنفسي ربما إنها تلك المسلسلات المدبلجة بصورها النظيفة اللماعة أغرت علياً هذا بشيء ما؟ لكن لا، لقد قال لنا الراوي أن انتقال فعلي للروح قد حصل.

حسناً، هل هي رواية من الواقعية السحرية؟ وبذلك تجهض محاولات تفسيراتنا المنطقية، فلا داعي أن نتسائل لماذا لم يلجأ الكوري لسفارة بلده مثلاً، ولا أن نتعجب من سرعة تعلمه للعربية؟!

هي أكيد ليست رواية فنتازيا لأن هناك تفاصيل واقعية فهي تجري في بغداد، الكرادة تحديداً (بالإضافة لمدينة في كل من كوريا وفرنسا والسودان). ولا يمكن القول بأنها من الخيال العلمي الذي يتأنبئ بمستقبل ممكن الحدوث، فالخيال بها ليس مقيد. إذن لا يبقى أمامنا إلا أن نقول أنها رواية تصنف على الأغلب من نوع روايات الواقعية السحرية، سوى أن التفصيل (السحري) لا يتجاوز موضوعة إنتقال الروح بين الأجساد، أما كل ما يتعدى ذلك فهو واقعي.

مكان الطبيب النفسي

لم تكن هناك خدمة طب نفسي في المستشفى الحكومي الذي قصدته عائلة علي لعلاجه، فكان عليهم قصد عيادة خاصة، وهذا هو المكان الذي يقتصر عليه وجود الطبيب النفسي في أغلب الروايات العراقية التي تذكر طبيباً نفسياً مثل روايتا (بيت على نهر دجلة) لمهدي عيسى الصقر، و(حارس الهوى) لأحمد خلف.

إن المكان الطبيعي للطبيب في أغلب البلدان المتحضرة هو في المؤسسة الحكومية من ضمن فريق عامل (ممرض ومساعد ممرض وعالم نفس وباحث اجتماعي ومختبر متخصص مع كادره وحراس وشرطة، ويضاف لهم في البلدان المتقدمة محامي)، ولا يسمح له بفتح عيادة إلا إذا قدم إستقالته من الوظيفة، وبالطبع فإنه في عيادته سيكون وحيداً بلا ذلك الكادر وسوف يقتصر عمله على حالات بسيطة فقط.

إن الصحة، كما التعليم، هي عادة من مسؤوليات الحكومة كما الدفاع والداخلية مثلاً، فحتى في الدول الرأس مالية لا يتم التساهل في خصخصتها. والطبيب، هو يشبه في حاله حال المدرس، حيث يتوجب عليه التدريس بالمدرسة الحكومية. أما العيادة الخاصة فدعوني أشبهها هنا بالدروس الخصوصية، حتى لو يثير هذا التشبيه بعض الإستغراب، إلا أنك لو تأملت جيداً في الأمر فسوف تعطيني الحق!

إن الطبيب في عيادته الخاصة، يشبه الشاعر ربما. فهو البطل. وهذا هو الرأي السائد حالياً في العراق فالطبيب الناجح هو الذي يملك عيادة خاصة يراجعه إليها الكثير من الناس.

وهنا علينا أن لا ننسى، تأكيداً لما قلناه، وتحية للروائي، أن نذكر أن جسد الشخص الفرنسي الذي انتقلت إليه روح علي تم إيداعه في المستشفى، لكننا للأسف لم نلتقي بالرواية بالعاملين في تلك المستشفى فلم نلتقي مثلاً الطبيب النفسي الفرنسي أو الممرض أو عالم النفس، ولم نسمع تشخصيه لحالة الفرنسي.

أفكار الطبيب النفسي

بعد استعراض موفق لغرفة العيادة الخاصة، وهو استعراض موفق حيث نفيت عن أثاث العيادة تلك الفكرة الرومانسية المسرحية لما يجب أن تكونه عيادة الطبيب النفسي، نجد أن الطبيب النفسي يكرر ما يظنه الناس عن المرض النفسي، مثل أن الجنون قد يكون (تسامياً مقدساً)، وبأنك ربما (لا يسعك التمييز في أمر الجنون)، فالتصنيف الحالي للأمراض النفسي وجد (لإقصاء عدة أفراد من مجتمعنا). وبعد أن يصف عالمنا بأنه عالم مزيف وتافه، يرجع في أشبه إعجاب بالمرضى النفسيين الذين يشملهم بإسم (مجانين)، يرجع يصفهم بأنهم يفكرون (خارج مداركنا ويتصرفون دون مراعاة لتأطيراتنا الرتيبة الساذجة)، فهل هو يقصد أنهم غير مزيفين وتافهين مثل بقية الناس؟

إلا أنه بعد كل ذلك، يقوم بتشخيص حالة (علي) على أنها ذهان حاد، لكنه لا يدخله المستشفى، بل يرسله مع العائلة لبيتهم مع وصفة دواء.

إن ذلك التصوير للطب النفسي هو بالضبط ما يوجد في مخيلة الناس البسطاء عنه، حيث هو تخصص ليس واضحة حدوده لهم، مليئ بالتناقضات، وبالتالي فإن دور الطبيب النفسي مرتبك، ولم يكن الطبيب النفسي في الرواية سوى مرآة عكست بفجاجة كل تلك المغالطات.

رسالة الإنسان الكوني

ينبغي الإعتراف من أن هناك براعة وحرفة تتجلى في بداية كل فصل يتحدث عن أحد الأبطال الأربعة، العراقي والكوري والفرنسي والسوداني. تلك البراعة تثير الاستغراب خصوصاً في الحديث عن تفاصيل لم نألفها نحن العراقيون، مثل تفاصيل الحياة في تلك البلدان وعادات الناس وتصرفاتهم. والضربة الموفقة للرواية هو خلط أوراق مصائر هؤلاء الأربعة بحيث تتزعزع لدى القارئ الأفكار المسبقة، وترتبك لدى أبطال الرواية أنفسهم هويتهم المحلية. تهز الرواية جدران العزلة والانغلاق والعنصرية فيبرز من بين شقوق الجدران تلك سؤال إنساني: ماذا لو كنت أنا في مكانه؟

إنها دعوة للتعاطف وللتقمص الوجداني ولتفهم الآخر الغريب، إنها رواية لطبيب نفسي عراقي شباب من زمن الحرية، حيث قرب الإنترنيت والسفر الناس من بعضهم وسمح للعراقيين، خصوصاً الشباب منهم، بأن يختلطوا بالعالم وينشدون أن تكون مصائرهم مشابهة لمصائر العالم هناك.

خاتمة وشكر
ركزت هذه المقالة على فقرات الرواية التي تتعلق بدور الطبيب النفسي وحال ذلك التخصص، رغم علمي أن هذه ليست هي الفكرة الأساسية من الرواية. ففكرة الرواية الأساسية هي خلط مصائر البشر، وجعلهم يذوقون تجارب بعضهم. لكني استغليت الفرصة التي أتاحتها الرواية لكي أقول ما يعجبني حول تخصص الطب النفسي في بلادي، فالرواية تسهل عليك إنتقاد شخصيات وأحداث خيالية، وهو ما لا يمكن فعله أمام أشخاص وأحداث حقيقية. وبذلك لا يسعني أخيراً إلا أن أشكر الكاتب الدكتور حميد يونس، الذي أتاح لنا فرصة التفكير في تفاصيل ربما لم نكن لنقولها لولا الرواية، وأيضاً أشكره لتشجيعه لي لكتابة المقالة التي قلت له مسبقاً أنها ستكون سلبية في انتقادها لصورة الطبيب النفسي في العراق ولمكانه ودوره، لكنه شجعني بكل روح ايجابية، قائلاً بأن ذلك يعني نجاحاً للرواية فقد جعلت الأفكار تتداعى وتسترسل. وفعلاً، كانت تلك فرصة لنمارس (تعدد الأصوات)، ولنراكم الحوارات والمقترحات، ولكي نحتفي نحن الشباب بعراقنا المبدع الولاد مؤمنين بأن كل جديد أفضل من القديم، وكل جيل يتقدم عما سبقه بخطوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *