محمد حلمي الريشة: لاَ يجوزُ تأْطيرُ الثَّقافةِ والإِبداعِ حتَّى بتاجِ عرشٍ

حاوره : إدريس علوش
* فصل الصيف إلى أي حد يغريك بالكتابة؟
– الإِبداعُ لاَ يعنيهِ الزَّمانَ ولاَ المكانَ، لذَا ليستْ للفُصولِ تأْثيراتُها، أَو إِغراءاتُها، أَو حتَّى إِغواءاتُها، بالنِّسبةِ إِليَّ.
كثيرٌ منَّا يَعرفُ، بَداهةً، أَنَّ الإِبداعَ هوَ الَّذي يَحضرُ بنفسهِ، وأَنَّ مَن يُقحِمُ ذاتَهُ في الكتابةِ الإبداعيَّةِ، سيَخرجُ مِنها بِنصٍّ مُفتَعلٍ، لاَ قوَّةَ لهُ علَى الثَّباتِ والدَّيمومةِ.
لا أُخفي أَنَّني لاَ أُحبُّ هذَا الفصلَ كثيرًا.. أَنا أُحبُّ الأَجواءَ الانتقاليَّةَ بينَ الفُصولِ. حاليًّا، وعلَى الرَّغمِ مِن هذَا الصَّيفِ البليغِ الحرارةِ، أَشتغلُ علَى إِنجازِ ترجماتٍ شعريَّةٍ لشُعراءَ وشاعراتٍ من بِقَاعِ العالمِ.              
 
* النقد حين يسبر مغاوير النص، ما الذي يضيفه لك كمبدع؟
– هذهِ المسأَلةُ مَا زالتْ شائكةً بالنِّسبةِ إِليَّ. مَا جعلَها هكذَا، هوَ مَا أَقرؤهُ مِن كتاباتٍ يَفترضُ كاتِبُها أَنَّها نقديَّةٌ، وهيَ فِي مُجملِها ومَحمولِها (خُصوصًا في نقدِ الشِّعرِ)، لاَ تَعدو أَكثرَ مِن مُرورٍ سطحيٍّ، كسباحةٍ أَعلَى منَ الماءِ في مُحيطٍ.
أَعتقدُ، جازمًا، أَنَّه لاَ ضرورةَ لهذهِ الكتابةِ، لأَنَّ الشِّعرَ لاَ يَحتملُ تفتيتَ جَمالِه/ أَوراقَ وردتهِ، مِن أَجلِ البحثِ عَن مَكمنِ الرَّائحةِ! أَو كمَنْ يَلمسُ جناحَ فراشةٍ، فتلتصقُ أَلوانُها علَى أَصابعِه، وأَنَّى لهُ أَن يُعيدَها؟! 

* وأنت بصدد الكتابة هل تستحضر المتلقي، وهل تعتبره شريكًا مفترضًا في المتعة المشتركة؟
– لاَ. مَا مِن أَحدٍ يكونُ حاضرًا آناءَ الكتابةِ الشعريَّةِ. حتَّى أَنا العاديُّ، لاَ أَكونُ موجودًا، بلْ ويجبُ أَن لاَ أَكونَ.
الفِعلُ الشِّعريُّ هوَ فِعلُ الآخرِ فِي داخلِكَ (الأَنا الشَّاعرة)، حيثُ الدُّخولُ فِي اللاَّوعي والمجهولِ.
إِنَّ  أَيَّ حضورٍ لأَنا العاديِّ، أَو القارئِ، أَو المتلقِّي، أَو النَّاقدِ، يُفسِدُ التَّجربةَ، ويُخرِجها مِن اللاَّوعيِ إِلى الوعيِ، وبِهذا لنْ تكونَ شعرًا كمَا يجبُ أَن يكونَ الشِّعرُ بذاتِه.

* ما يحدث في العالم الآن كيف يتسلل إلى مواضيع كتاباتك؟
– لأَنَّ الكتابةَ الشِّعريَّةَ بالحواسِّ، وكذلكَ القراءةُ بالتَّأكيدِ، فإِنَّ الحواسَّ تَلتقطُ، بقصدٍ أَو بدونِه، ممَّا فِي هذَا العالمِ، ومِن ثمَّ، يَحضرُ مِنها مَا يَحضرُ؛ بهيئتهِ الطَّبيعيَّةِ، أَو بشكلٍ آخرَ يرسُمهُ اللاَّوعيُ.
المهمُّ  فِي الشِّعرِ أَنَّه لا تُوجَدُ كتابةٌ قَصديَّةٌ أَو متعمَّدةٌ.   

* أصبح الكاتب يزاوج بين الكتابة الصحفية والعمل الإبداعي، ما الذي يتحقق في هذه المزاوجة كقيمة مضافة؟
– هذَا التَّزاوجُ فِعلٌ خطرٌ، ويحتاجُ إِلى تعدُّدِ الأَنا الواحدةِ.
مِن خلالِ معرفتي بِشعراءَ زَاولوا هذَا التَّزاوجَ، أَو مَا زَالوا يُزاولونَه، فإِنَّني لاحظتُ استبدادَ الكتابةِ الصَّحافيَّةِ علَى إِبداعِهم لدرجةِ إِفقارِه (منهمْ مَن أَعرفُ وأَخبرتُه بهذَا)، لأَنَّ الشِّعرَ، مثلاً، لهُ لغتهُ الخاصَّةُ بهِ، ويحتاجُ الشَّاعرُ جدًّا إِلى تطويرِها دائمًا، والعنايةِ بها كأُنثى بِكْرٍ، لاَ إِلى تَرويضِها؛ هذَا التَّرويضُ يَتسلَّلُ إِلى لغةِ الشَّاعرِ بدونِ قصدٍ، وكمْ قرأْتُ نصوصًا بلغةٍ صحافيَّةٍ لشُعراءَ، فأَبعدتْها مسافاتٍ شاسعةً عَن الشِّعرِ!   

* يعدّ النشر الإلكتروني حاليًّا أكثر سرعة ووصولاً إلى القارئ، كيف ترى حالة الكتاب الورقي من حيث القرائية والانتشار؟
– بالنِّسبةِ إِليَّ؛ مرَّةً أَشعرُ بأَنِّي أَودُّ تقبيلَ مخترعِ الشَّبكةِ الإلكترونيَّةِ، ومرَّةً يشدُّني الحنينُ إِلى تفضيلِ الكتابِ الورقيِّ أَكثرَ؛ لأَنَّهُ حالةُ عناقٍ بالحواسِّ.
بالتَّأْكيدِ أَنَّ النَّشرَ الإلكترونيِّ جعلَ الجغرافيَا تنكمشُ وتتضاءلُ، خصوصًا الجغرافيَا العربيَّة الَّتي لا تزالُ تقدَّسُ حدودُها الكانتْ مصطنعةً، وجعلَها السيَّاسيُّونَ مثلَ أَصنامِ (مكَّةَ) قبلَ الإِسلامِ! لدرجةٍ قد تُزهقُ روحُكَ عندَها إِنْ لمْ تحصلْ على تأْشيرةِ لعُبورِها، على الرَّغمِ من أَنَّكَ عربيٌّ وهي عربيَّةٌ.
لو لمْ تنوَجدْ هذهِ الشَّبكةُ، لَما كانَ لكَ/ لي أَن نتواصلَ ثقافيًّا الآن. لاَ بدَّ، فِي أَحايينَ كثيرةٍ، أَنْ تُعيشَ الحياةَ بالحيلةِ.
 
* السفر والملتقيات الإبداعية والفيس بوك أخيرًا، ما حدود الخدمة التي تتوفر في كل هذا؟
– لكلِّ شيءٍ وجهانِ متناقضانِ، فلاَ ينسجمانِ معًا. الإبداعُ الحقيقيُّ في الوجهِ الآخرِ؛ غيرِ المأْلوفِ، أَو المنبوذِ، أَو المُعادَى، لأَنَّه يقيمُ في المستقبلُ الآنَ.
هكذَا الحالُ في السَّفرِ، والملتقياتِ، وغيرِها. المهمُّ أَن نولِّيَ دائمًا شطَرَ الإِبداعِ، لأَنَّ سوءَ النَّوايا، يَهتكُ عذريَّةَ الرُّوحِ كلَّ مرَّةٍ.    

* في اعتقادك، الجوائز التي يحصل عليها المبدع ما تأثيرها على مساره الإبداعيّ، وإلى أي حدّ تعدّ حافزاً؟
– الحقيقةُ أَنَّني لمْ أَحصلْ علَى جائزةٍ كيْ أُفسِّرَ شُعوري. أَنا لمْ أُشاركْ فِي أَيَّةِ جائزةٍ، ولمْ أَرشَّحْ لجائزةٍ.
جائِزتي الدَّائمةُ (ليسَ مِن بابِ التَّواضعِ، أَو سيلانِ اللُّعابِ، أَو تمريرِ انتباهٍ) أَن أَعرفَ أَنَّ هُنا/ هناكَ مَن يَقرؤني، لأَنِّي أَنا أُجزِي الشَّاعرَ فيَّ، كلَّما عرفتُ قرَّاءً بالحواسِّ، وكذلكَ كلَّما كتبَ هذَا الشِّاعرُ فيَّ.

* يهيمن على وسائل الإعلام الموقف السياسي في تحليل ما يحدث، في المقابل يغيب موقف المثقف والمبدع، كيف ترى هذا التغييب، وما حدود تأثيره في تشكيل وتنوير الرأي العام؟
– لاَ أَتأَمَّلُ مِن هذهِ التَّحليلاتِ السِّياسيَّةِ خيرًا، لأَنَّنا شعبٌ عاطفيٌّ جدًّا، وهي- في أَغلبِها- وسيلةٌ لشدِّ المواطنِ إِلى السَّائدِ المُستسْلِمِ، لأَنَّهُ يكونُ “وراءَ الأَكمةِ مَا وراءَها”.
ما يُؤسفُ لهُ أَكثرَ، أَنَّ معظمَ المثقَّفينَ والمُبدعينَ، لاذُوا إِلى الصَّمتِ الانتحاريِّ، أَو السَّيرِ خلفَ الموكبِ الرَّسميِّ! فكيفَ يمكنُ تنويرُ الرَّأْي العامِّ (هو رأْيٌ لمْ يزلْ عاطفيًّا كذلكَ، وأَثبتتْ الأَحوالُ والحوادثُ هذَا)، في حينِ أَنَّ علينَا، أَولاً ودائماً، “الارتقاءَ بلُغةِ القبيلةِ” (أُوكتافيو باث) وليسَ بِبلْغَتها(حذائِها)؟
لقد أُلقيَتْ على (هيروشيما) و(ناغازاكي) قُنبلتينِ ذرِّيتينِ، ونحنُ- العربَ- أُلقيَ علَيْنا تلفازًا، لمْ يزلْ يعتملُ فِينا مثلَ داءِ السَّرطانِ! أَعني أَنَّنا لا نُعالجُ الدَّاءَ، ولا نُوقفهُ عندَ حدٍّ. نحنُ نُشاركُ فِي هذَا بكلِّ غباءٍ، وتغابٍ، وأَسفٍ.
في (فرنسَا) يتركُ كثيرٌ من ركَّابِ وسائلِ المواصلاتِ كتابًا لهُ انتهَى مِن قراءتهِ، وقدْ كانَ اشتراهُ ثقافةً ودعمًا، لأَنَّه يؤمنُ بأَنَّهُ يجبُ أَن لاَ يُشتَرى الكاتبُ مِن أَيَّة جهةٍ مهْما كانت، وأَنَّها دعوةٌ للقراءةِ. أَينَ نحنُ من هذَا؟!        

* مؤسسات الدعم الثقافيّ ودور النشر والسياسات الثقافية، هل تراها كافية وذات جدوى في دعم المبدع؟
– لوْ كانتْ ذاتَ جَدوى، لَما كانتْ حالتُنا الثقافيَّةُ كمَا تَراها. معظمُها لهَا شروطُها الخبيثةُ.
لاَ يجوزُ تأْطيرُ الثَّقافةِ والإِبداعِ حتَّى بتاجِ عرشٍ. نحنُ نحتاجُ الحريَّةَ المسؤولةَ أَكثرَ منَ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ، كي نُغيِّرَ فنتغيَّرَ.

* أتعتقد أنك كتبت نصك المشتهى؟
– قالَ الشَّاعرُ (آرثر رامبو): “لقد قلتُ ما كنتُ أُريده”. هلْ هذهِ حالةٌ نادرةٌ، أَم أَنَّها كانتْ مقولةً مجازيَّةً بالنِّسبةِ إِليهِ؟ لاَ أَعرفُ، ولمْ أَعرفْ، بعدُ، إِنْ كنتُ كتبتُه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.