الرئيسية » ملفات » د. إبراهيم الحيدري : يوسف عز الدين.. مسيرة حافلة بالعطاء (ملف/10)

د. إبراهيم الحيدري : يوسف عز الدين.. مسيرة حافلة بالعطاء (ملف/10)

يوسف عز الدين.. مسيرة حافلة بالعطاء
د. إبراهيم الحيدري
على موسوعيته واهتماماته المتنوعة في دراسة الظواهر والتيارات الفكرية والاجتماعية التي مر بها العراق والعالم العربي. ويظهر ذلك في تتبعه لمظاهر تاريخ الأدب الحديث في العراق منذ القرن التاسع عشر والوقوف عند أبرز المحطات الهامة فيه. كما انه أول من وضع دراسات نقدية لبدايات القصة في العراق تمتاز بعمق التحليل للحياة الاجتماعية والفكرية في العراق.

وبذلك يمكن اعتباره من رواد الحداثة في العراق. فهو يرى بان من عوامل التجديد في الشعر الحديث هي عوامل نفسية ومشاعر ذاتية ومعاناة دفينة كما ظهرت عند بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
كما انه وقف وبقوة ضد الاتهامات الموجهة الى اللغة العربية والدعوات التي تنادي بتجديدها والتي تعتبرها غير صالحة لمواكبة العصر واكتساب العلوم والمعارف والتقنيات. فهو يرد عليهم بقوله، انها لغة الضاد، وهي اللغة التي وضعت بها أسس المعارف ونبغ بها علماء في شتى الامصار الاسلامية وابدعوا تراثا انسانيا رفيعا تمثل بكتاب نهج البلاغة وكتب الجاحظ والبيروني وابن المقفع وابن سينا وغيرهم. وهو من الأوائل الذين نبهوا الى أثر الفكر العربي في الفكر الغربي. فقد أثرت اللغة العربية على الشاعر الالماني الكبير غوته وعلى تينسون الانكليزي ودانتي الايطالي وجاك بيرك الفرنسي ، وهو دليل على ان اللغة العربية ليست صعبة الاستيعاب.
وساهم يوسف عز الدين في تطور الحياة الأدبية والفكرية في العراق والعالم العربي حيث كان عضوا في عدد من مجامع اللغة العربية. وكان الدكتور ناجي الاصيل رئيس المجمع العلمي العراقي قد اختاره سكرتيرا للمجمع العلمي العراقي. وقد سعى عز الدين منذ البداية لتطوير ادارة المجمع العلمي العراقي فقدم قانونا جديدا له بدل نظامه القديم الذي يضع المجمع العلمي تحت ادارة وزير المعارف. وحسب القانون الجديد اصبح للمجمع العلمي هيئة مستقلة اداريا وماليا ويمثله وزير التربية في مجلس الوزراء. ومن خدماته الجليلة قيامه بتوثيق الروابط العلمية بين المجمع العلمي العراقي والمجاميع العربية الاخرى في القاهرة ودمشق وغيرها أسوة بالمجمع العلمي المصري واختار عشرة من مفكري العالم ليكونوا اعضاء عاملين فيه ويتداولون أموره العلمية. كما فاوض الثري العراقي روبرت كولبنكيان واقنعه في بناء بناية جديدة للمجمع العلمي وتأثيثها باحدث الاثاث. وبعد مجيء حزب البعث الى السلطة عام 1968 رفضت مقترحاته وربط المجمع العلمي العراقي بوزارة التعليم العالي واعطى للوزير صلاحية اختيار أعضائه واعضاء ادارته دون النظر الى المؤهلات العلمية العالية.

د. يوسف عز الدين

ولد يوسف عز الدين في مدينة بعقوبة عام 1920. وبسبب الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي واكبت تأسيس الدولة العراقية الوليدة فقد عانى في طفولته وصباه مما مر على العراق من احداث وصراعات اجتماعية وعايش بدايات التحديث وولادة الاحزاب السياسية. يقول يوسف عز الدين وهو يتحدث عن نفسه، “انه لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب”، وكان عليه وهو طفل صغير ان ينتقل من مدينة الى اخرى من اجل اكمال دراسته الابتدائية. وقد تركت في نفس الصبي العصامي وعلى تكوينه الفكري والاجتماعي اثارا كبيرة انعكست في نقده للاوضاع الاجتماعية والثقافية وفي معظم كتاباته. وخلال عمله في التعليم في مدينة بعقوبة لاحظ معاناة الفلاح العراقي وشظف العيش في الريف ودفعه ذلك الى تأليف مسرحية شعرية تناول فيها معاناة الفلاحين الفقراء وصراعهم مع الاقطاع الذي استغل جهدهم واستلب حقوقهم في اسلوب ادبي رقيق ولغة سردية جميلة. كل ذلك جعل من يوسف عز الدين كاتبا وشاعرا وقاصا يرفع الظلم والحيف عن ابناء شعبه ويحافظ على استقلالية فكرية جعلت انتماءه وولاءه للوطن فقط وكونت منه استاذا وكاتبا وناقدا نزيها ومحايدا . وفلسفة يوسف عز الدين في الحياة هي حب الناس، كل الناس لأن “المؤمن من أحب لأخيه ما أحب لنفسه”، فلا فرق بين الناس، والانسانية واحدة. وهو يغفر لمن أساء اليه، والمغفرة أسمى معاني التسامح. كما يقول بأن “الحب قوة وانفتاح وتواصل واتحاد وتقبل”.
رفد يوسف عز الدين المكتبة العربية بعدد كبير من المؤلفات القيمة نذكر منها :-
– الشعر العراقي- اهدافه وخصائصه في القرن التاسع عشر، دار المعارف،القاهرة 1957
– الشعر العراقي الحديث والتيارات السياسية والاجتماعية، دار المعارف، القاهرة 1960
– خيري الهنداوي- حياته وديوان شعره، القاهرة 1965
– داود باشا ونهاية المماليك في مصر، بغداد 1967
– شعراء العراق في القرن العشرين، جامعة بغداد 1969
– الرواية في العراق: تطورها وأثر الفكر فيها، القاهرة 1973
– القصة في العراق: جذورها وتطورها، القاهرة 1974
– الرصافي يروي سيرة حياته/ دار المدى، بغداد 2004
– مع روايتين ومجموعات قصصية ودواوين شعرية عديدة.
تعرفت على استاذنا يوسف عز الدين عندما كنت طالبا في كلية الاداب بجامعة بغداد في بداية الستينات، مثلما تعرفت علية عندما اكملت دراستي العالية في علم الاجتماع في المانيا وعدت للعمل في نفس الكلية واصبحت زميلا له. وبعد سنوات طويلة إلتقيته في ديوان الكوفة بلندن في نهاية التسعينات قادما من ويلز. ومنذ ذلك الوقت توطدت علاقة متينة بيننا، فكان كلما يأتي الى لندن من مقر اقامته في ويلز نجتمع معه، نحن الشلة الصغيرة من مريديه وأصدقائه، أما في الفندق الذي ينزل فيه او في مقهى وايت ليز في كوينزوي بلندن، نقضي معه ساعات ممتعة ونحن نستمع الى احاديثه المطرزة بابيات من الشعر والطرائف الادبية والنكات الشيقة او عن ذكرياته الجميلة في جامعة الاسكندرية بمصر او جامعة لندن وغيرها.
ومنذ سنوات قليلة افتقدنا حضوره في لندن واماسيه الممتعة، فهو الان جليس داره فلا تسمح له صحته وشيخوخته بالخروج من البيت. ومع ذلك فعندما اتحدث معه بالتلفون اشعر بان استاذنا الوقور ما زال ذو ذاكرة قوية، فهو لا ينسى اصدقائه ومريديه وما زالت أريحيته تقدح بطرائف ممتعة. تمنياتنا له بالصحة والعافية وطول العمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *