حسين سرمك حسن: لماذا انتحر المتنبـي؟ولماذا لم ينتحر الجواهري؟ :النرجسية بين تدمير الذات وانتعاش إرادة الحياة

قال(أبو نصر محمد الجلي)) :
(( وكان من قول فاتك لما قتله قبحاً لهذ اللحية يا قذّاف المحصنات وذلك أن فاتكاً هذا هو خال ضبة بن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله :
ما أنصف القوم ضبّه     وأمه الطرْ طبهْ
.. وافاني المتنبي ومعه بغال موقرة  بالذهب والفضة والطيب والملابس والتجملات النفيسة والكتب الثمينة والأدوات الكثيرة لأنه كان إذا سافر لا يترك في منزله درهماً ولا شيء يساويه… وقلت له والرأي أن يكون معك من رجال البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخيفة جماعة يمشون بين يديك الى بغداد . فقطب وجهه وقال : فما تريد بذلك . قلت أريد أن تستأنس بهم في الطريق . فقال أنا والجراز في عاتقي فما بي حاجة الى مؤنس غيره . قلت الأمر كما تقول ولكن الرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبىء عن تعريض وتعريضك ينبىء عن تصريح فعرفني جلية الأمر . قلت إن هذا الجاهل فاتكاً الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام وهو غير راض عنك لأنك هجوت ابن أخته ضبّه وقد تكلم بما يوجب الإحتراز والتيقظ ومعه أيضاً جماعة نحو العشرين من بني عمه يقولون مثل قوله . فقال غلامه الصواب يا مولاي ما أشار به أبو النصر خذ معك عشرين رجلاً يسيرون بين يديك الى بغداد فإن ذلك أحوط . فاغتاظ أبو الطيب من غلامه غيظاً شديداً وشتمه شتماً قبيحاً وقال والله لا أرضى أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي . قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه قوماً من قبلي في حاجة لي يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك . فقال والله لا فعلت شيئاً من هذا ثم قال يا أبا نصر أبنجو الطير تخوفني ومن عبيد العصا تخاف علي والله لو إن مخصرتي هذه ملقاة على شاطىء الفرات وبنو أسد معطشون لخمس وقد نظروا الماء كبطون الحيّات ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده . معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين . فقلت له قل إن شاء الله. فقال هي كلمة مقولة لا تدفع مقضياً ولا تستجلب آتيا . ثم ركب فكان آخر العهد به . ولما صح عندي خبر قتله وجهت من دفنه ودفن ابنه وغلمانه وذهبت دماؤهم هدراً))(29) .
وقد نقلت هذا القسم الطويل نسبياً من رواية (أبو نصر) لأهميته في كشف الحالة التي كان عليها المتنبي قبل مقتله . فقد رفض رفضاً قاطعاً كل محاولة للتحسب المنطقي وللتهيؤ لمواجهة قاتله المنتظر ، فاتك الذي سيفتك به . فلم لم يستمع المتنبي لنصيحة أبي نصر المخلصة ويصطحب معه عشرين رجلاً تحسبأ لمقاتلة فاتك والعشرين رجلاً من بني عمه ؟
    و (( لو طالعنا القصائد التي كتبها المتنبي في مدح (عضد الدولة) الذي مثل آخر محطة مدح له قبل مقتله فسنفاجأ بخفوت بل إنطفاء شعلة المدح الجبارة التي كان يحملها.. فالمفردات باردة .. والصور عادية .. والمعاني متراكبة .. وشتان بين روائعه التي مدح فيها سيف الدولة الحمداني وبين القصائد التي مدح فيها عضد الدولة .. هناك تجده منفعلاً غريداً صادحاً يصاعد ويحلق مع سيف الدولة الى سماوات الصورة النرجسية المؤسطرة التي رسمها هدفاً لذاته هو.. وهنا تجده هامد العاطفة حكاء ليس لصوته صدىً .. هناك تتدفق الصور الماحقة عن ممدوحه كشلال صاخب عرم وهنا تتراصف الصور المفتعلة كطابور أسرى مطأطئي الرؤوس.. هناك تشعر بأن المتنبي لا يستطيع لجم اندفاعاته نحو ومع شخص ممدوحه ثراءً وغنىً واتساعاً في ما يضفيه من صفات وهنا ترى المتنبي وكأنه مجبر ويقسر على المديح ويحاول التخلص بالإنشغال ببدائل عن الممدوح كأولاده مثلا ، حتى أن قصيدته في مدح عضد الدولة أثناء خروجه للصيد تثير السخرية فعلا ، حيث انشغل في وصف الحيوانات وقرونها بل وحتى قذارتها ناسيا الممدوح – ولكل ذلك معان نفسية ليس هنا مجال تحليلها – ومغلفاً ذمه بألاعيب مدحه في بعض الأحوال … لقد فقد المتنبي حماسته ( للبطل ) الذي كان من قبل يغني له غناء رائعا ونقياً وكما بدؤوا يعطونه الأموال فقط من طرف أيديهم بدأ يعطيهم شعراً من طرف عقله .. لقد انكسر شيء في نفسه تجاه الممدوحين ومن ثم انطفأ شيء ما في هذا الجانب عنده وبدأ يقبس للمدوحين نارا كاذبة بعد أن كان يصعد في جبل النار المسمى الشعر ثم يختار منه الشعلة الرائعة بعد الشعلة الرائعة .. لقد ذبل شيء ما في مدح المتنبي فبعد أن كان المدح دنيا كاملة من الفن والإحساس بالإنسان أصبح بعد ذلك شقشقة لسان وتلاعب فكر..))(30) .
منذ أن غادر المتنبي فردوس سيف الدولة تحطمت الصورة النرجسية المتعالية التي رسمها لنفسه وتبعها شرخ خطير ممتد ومتطاول في ذاته الفعلية / الواقعية الأمر الذي رماه في مهاوي كآبة حقيقية (( ويبدو أنه في آخر الأمر قد ضاق ذرعا بالحياة من حوله ، وبدا وكأنه يدفع نفسه دفعا إلى الموت حين وجد أن البعض ينظرون اليه نظرتهم الى (المغني) و(السمير) وأنه لا رجاء فيما أمّل لنفسه من قبل وانه لم يكن بد من أن يكره الحياة ويكره نفسه إلى حد الإلقاء بها في التهلكة )) (31) .  ويعلق (ناصيف اليازجي) في شرح ديوان المتنبي على آخر قصيدة للمتنبي في حياته وهي التي قالها عند وداعه لعضد الدولة بالقول  :
( وقد أكثر أبو الطيب من التشائم على نفسه في هذه القصيدة بما لم يقع له في غيرها ولم يخطر على قلبه في جميع عزائمه وأسفاره مع كثرتها وتراميها في البلاد وقد وقع له في أثنائها كلام كأنه ينعى به نفسه وأن لم يقصده وذلك أنه بعد ارتحاله من شيراز ومفارقته لأعمال فارس قتل في الطريق)(32) .
إذا عدنا الآن الى الجواهري وحاولنا ملاحقة مآل صورته النرجسية ومصيرها النهائي مثلما فعلنا مع المتنبي وذلك لاستكشاف تاثيرات هذا المصيرعلى سيرته الشخصية ومصيره ومنجزه الإبداعي لوجدنا أن هناك بوناً شاسعا واختلافات حاسمة بين الحالتين. فمن يراجع على سبيل المثال، نتاج الجواهري الشعري الضخم من العشرينيات وحتى نهاية التسعينيات سيجد انه قد توزّع على مساحة واسعة من الاهتمامات المتنوعة . فبالإضافة الى المديح هناك السياسة والدين والقومية والأممية والنضال الطبقي والمرأة والحب والجنس والطبيعة وغيرها مما تتسع له حياة كاملة. وهو حين يكتب عن مشاهد عابرة فإن ذلك يعني استعداده لتسخير جانب من طاقته النفسية (العزيزة) المسخرة أصلا للذات لدى النرجسي ، لخلق لحظة إبداعية هي في النهاية تعزيز لصورة الذات واقتدارها. ولكن صاحب النرجسية المنغلقة او المعصوبة لا يبدد طاقته النفسية إلا في مسالك مباشرة محسوبة. ولذلك تجد الشعراء النرجسيين المنغلقين يفضلون الفخر أو المديح للوصول الى أفضل وأسرع ممردود من استثمار طاقتهم . فبالنسبة للفخر معروفة المردودات اللذّية التي يوفرها إطراء الذات أو إمتداداتها والتغني بهما . أما في المديح فهم يسقطون ما يتمنونه على ممدوحيهم منتشين بـ (شخصنة) تلك السمات المشتهاة كمثل نرجسي أعلى. أما الجواهري بنرجسيته المنفتحة فإنه معدّ لـ(هدر) طاقاته النفسية في استثمارات تجلب الضر والألم الذي يعكس حساسية هذه الذات وتأثراتها . لقد كتب الجواهري قصيدة (جناية الأماني) عام 1921 وفيها لوعة وتأذ وإحباط بسبب التناشز بين علو الأماني وما يتيحه الواقع – الذاتي والموضوعي- من فرص لتحقيقها :
جَلَبتُ لي الهمّ والهمُّ عنا       آه ما أروحني لولا المنى
آه ما أخيبني من غارسٍ      شجرَ الآمال لكن ما جنى
كلما حدَّثتُ عن نجمٍ بدا     حدثتني النفسُ أن ذاك أنا
أملٌ أخشى عليه زمني     فلو إسطعتُ أطلتُ الزمنا
إنما أشكو حياة كلها        تبعاتٌ كنتُ عنها في غنى
ولكن إذا كانت هذه القصيدة الذاتية ذات الحسّ الرومانسي تقع في ثمانية عشر بيتاً فقد سبقتها قصيدتهُ : ((الثورة العراقية)) التي يقول عنها :
 ((نظمت في أعقاب الثورة العراقية عام 1920 ، وكان الشاعر لا يتجاوز عمره آنذاك العشرين عاما ً )) … والتي احتفى فيها ببطولات شعبه أيّما احتفاء على امتداد خمسة وثمانين بيتا . إن الإنتعاش والتفتح وسط صخب الجموع الهادرة وبشكل خاص الجموع المسحوقة هو علامة فارقة من علامات نرجسيّة الجواهري ومن أسباب صحته النفسية . فإذا كان المتنبي ((غني عن الأوطان)) :
غنيٌ عن الأوطان لا يستخفُّني       إلى بلدٍ سافرت عنه إيـابُ
وللسِّر مني موضعٌ لا ينالـهُ         نديمٌ ولا يفضي إليه شرابُ
وللخودِ مني ساعةٌ ثمَ بينـنا         فلاة إلى غيرِ اللقاءِ تجـابُ
وما العشق الا غِرَّةٌ وطماعةٌ         يُعرّضُ قلبٌ نفسَهُ فيُصابُ
فإن الجواهري ملتصق بأوطانه وملتحم بناسه لا يقوى على فراقهم …
كتبَ عام 1923 :
صبوتُ إلى أرضِ العراقِ وبردِها         إذَا ما تَصابى ذو الهوَى لرُبى نجـــدِ
بلادٌ بِها استعذبتُ ماءَ شبيبتِــي         هوىً ولبِستُ العِزَ بُرداً على بُــــرد
سلامٌ على أرض الرصافةِ إنهـا          مَراحُ ذوي الشكوى وسلوى ذوي الوجدِ
لها اللهُ ما أبهى ودجلةُ حولَهــا          تلفُ كما التفَّ السوارُ على الزُندِ
هناك – لدى المتنبي – جفوة مرضية ممتزجة بحس اضطهادي من كل مكافِآت الأُمومة : الوطن ، المرأة ، الصحبة ، الحب… وهنا – لدى الجواهري – حاجة والتصاق بحضن الأُمومة الدافىء وبالصدر المطعم المنعم :
يا دجلة الخير : يا من ظل طائِفها        عن كل ما جلت الأحلام يلهيني 
لو تعلمين بأطيافي ووحشتهـا       وددت مثلي لو ان النوم يجفوني
أجسُّ يقضان أطرافي أعالجها       مما تحرقت في نومي بأتّــونِ
والمسُ الجدرَ الدكناءَ تخبرنِي        أن لستُ في مهمهٍ بالغيلِ مسكونِ
(يا دجلة الخير-1962)
وفي عام 1967 يكتب الجواهري ((من بريد الغربة)) :
سهرت وطال شوقي للعراق  وهل يدنو بعيــد باشتياق
وما ليلي هنا أرق لذيـــغٌ  ولا ليلي هناك بسحرِ راقِ
ولكن تربةً تجفـو وتحـلـو كما حلت المعاطن للنيـاق
انه الجذر الرحمي الملتف على عنق الفرد كالقدَر والنداء الوجودي العاري الأول الذي يقسم للإنسان كما تقسم له منيته ، وليس من الضعف النرجسي أن يعلن الفرد تعلقه به وولاءه له :
وإني والشجاعة فيَّ طبعٌ جبانٌ في منازلةِ الفُراقِ
                                               ( القصيدة السابقة نفسها )
أحبتي الذينَ بِما أُمنــي بلقياهم أُهون ما أُلاقـي
أرى الدنيا بهمْ فإذا تخلوا فهم دنياي تُؤذن بالفراق
( القصيدة نفسها )
إن الجراح التي تمزق جسده وذاته تجد بلسمها لا في العزلة والاكتئاب – رغم أنها تستولي على الشاعر بين وقت واخر – ولكن في المدَد الذي يأتيه من خلال التحامه بآلام وآمال الآخرين المعذبين الذين تشمخ قامته بينهم ولا يتحسس من وجودهم ولا يستثقل العلاقة بهم كمصدر اضطهاد وحسد ومحاصرة . إنه لا يشعر بخدش نرجسي حين يعلن حاجته للآخر ، فردا أو جماعة . وفوق ذلك إنه يشارك الآخر آلامه وبلواه بل يعلنها مدوية ومحتجة بدلاً عنه في وجه الطغاة :
في سبيل الأفراد هوجاً رِكاكاً ذهب الشعب كله إقطاعا
طعنوا في الصميمِ من يركُن الشعب إليه ونصّبوا القطّاعا
شحنوهم من خائنٍ وبذيءٍ      ومريبٍ شحنُ القطارِ المتاعا
ثم صبّوهم على الوطن المنكوبِ سوطاً يلتاع منه التياعا
خمدت عبقريةٌ طالما احتيجت لتلقي على الخطوبِ شعاعا
وانزوت في بيوتها أدباء     حطمت خيفةَ الهوان البراعا
ملءُ دور العراق أفئدةٌ حرّى تشكّى من الأذى أنواعا
وجهودٌ سُحقنَ في حينٍ ترجّت منها البلادُ انتفاعا
               (الدم يتكلم بعد عشر-1931)

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *