الرئيسية » ملفات » فريدة الأنصاري : التجديد في الشعر الحديث (ملف/6)

فريدة الأنصاري : التجديد في الشعر الحديث (ملف/6)

التجديد في الشعر الحديث
فريدة الأنصاري

تقوم قاعدة الشعر الخالد الأصيلة على الإبداع الحر والموسيقى الجميلة والمعنى السامي والجمال الممتع. ويعد أحساس الشاعر بالحرية أول قواعد الإبداع والتجديد في المضامين الفنية للأديب، فمتى خاف العقاب أو متى أحس بالظلم ورأى الطغيان أمامه فقد حريته، وتجمدت أفكاره. ولبد الخوف قابليته وهز الفزع نفسيته.. فالخائف لا يقدر على التجديد، والمذعور لا يملك القابلية على التطور، فيموت الشاعر فكريا.

واليوم نرى الشعراء تائهين بين اللفظ والمعنى،وما عرفوا بأن الألفاظ أوعية وأطر تحمل المعنى وتُوصل الشاعر والمفكر إلى ما يطرحه من فكرة في النص، وأما النقاد فمعظمهم يساوون بين المعنى واللفظ بصورة عامة،وواضح ذلك في الصناعتين وعيار الشعر والخصائص والشعر والشعراء. هذا ما سجله الباحث والناقد د. عزالدين يوسف في دراسته عن ” التجديد في الشعر الحديث “.وهي دراسة جاءت بعد تجربة طويلة في حقول الأدب وممارسة جادة في فنونه على مختلف الأزمنة والأماكن، فيناقش في هذا الكتاب الآراء العامة والخطوط العريضة للتيار الحديث في الشعر، بحكم كونه شاعرا وناقدا رأى في دراسته هذه صعوبة الوقوف عند كل شاعر، لذا أخذ أمثلة عامة من الشعراء الأوائل، وكما ذكر في مقدمة الكتاب بأن القوانين والقواعد تأخذ من مصدرها الأصلي،وهم الرواد الأوائل ومن يقاربهم في الريادة والفكرة، ولا تدرس من شعراء لا زالوا في بداية الطريق.
يبدأ الكتاب بدراسة التطور والتجديد كظاهرة إيجابية للحركة العلمية والأدبية تجسد حركة الحياة ونبض قلبها،وعنصر أساسي لكل زمن متحرك، قائمة على قاعدتين أساسيتين لا تتغيران على مر الأزمنة والتيارات. فالتراث والمعاصرة هما المؤثران المتحركان في فكر الإنسان وحضارته على مر العصور.ولشرح هذه المفاهيم وتتبع مسيرتها الحضارية المستمدة من التراث يسلط الضوء على بدايات التجديد في الشعر العربي بدءاً من البارودي وأحمد شوقي وأثرهما على الشعراء الذين جاءوا من بعدهما، مشيرا إلى محاولات المازني تقليد أدب الغرب موصلاً القارئ والمتتبع لتطور حركة التجديد في الشعر العربي إلى أثر الأدب الغربي،وأثر الواقع السياسي والاجتماعي للعالم العربي على رواد التجديد، منتقدا دعاة التجديد بتقليدهم الغرب من غير أن يفقهوا ما يريدون، مما أدى إلى ضياع الصلة الفنية بين القريحة الشعرية والموسيقى الأصلية والبنية الفنية معتمدين على الشكل السطحي والفكر المراهق.
فعدم الوعي والفهم العميق للتراث الغربي والحضارة العربية ساق هؤلاء إلى فوضى في اللغة والابتعاد عن الأوزان العربية والتخلي عن القواعد الفنية للشعر العربي ومجانبة السمات الأدبية الجمالية للأدب.ويمضي الناقد في دراسة هذه الظواهر السلبية في المجتمع العربي،ليأتي بعد ذلك على دراسة مفاهيم الكلمات التي تحدد المصطلح الشعري مثل : –
– الشعر المرسل ” وهو كما يذكر أول ما فكر فيه الزهاوي وشكري الفضلي في العراق وعبد الرحمن شكري والمازني في مصر وهو أقرب إلى الشعر الإنكليزي.
– الشعر المنثور ” وهو الكلام الذي يفتقد إلى الأوزان الشعرية من موسيقى وقوافي”
– الشعر الحر “ويعتمد على التفعيلة العروضية وبصورة خاصة على الأوزان الصافية ” وفيه يهتم رواده باللغة العربية والمعاني الجميلة والموسيقى الشعرية ” ممن هؤلاء الرواد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والبياتي والقباني.
وأما أول قطر عربي بدأت به بوادر الشعر الحديث في العراق والتي وفق ما ينعتها المؤلف بالبلية حيث يقول ” وقد بدأت البلية في أساليب الشعر عندما وصل الريحاني إلى العراق الذي عاش في أمريكا وأعجبه الشاعر الأمريكي” ولت وتمن ” لأن شعره كان سهلاً وبلا قوافي ” ص 110. فانقلاب الريحاني من قواعد الشعر العربي وهروبه من الوزن والقافية دفعه إلى السجع واللفظ المؤثر بتأثير “وتمن ” الضعيف اللغة والداعي إلى الحرية والوطنية بأسلوب ديني وعظي. ولسهولة نظم مثل هذا الشعر كثر الناظمين له في العراق ولكن لم يشتهر منهم ويستمر في النظم إلا القليل منهم. وفي هذا السياق يشير إلى أسماء عدد من هؤلاء الشعراء نافياً بالأدلة أي دعوة تشير إلى ظهورها في بلد آخر غير العراق.
فالعراق كما يعلل المؤلف له طبيعة متميزة، وله فكر منفرد في الاجتهاد،ومن طبع العراقيين الثورة والعنف وحب التبديل، فالكثير من المذاهب الأدبية والفكرية والنقدية ظهرت فيه كما نمت فيه الكثير من الأفكار الهدامة وطرق التصوف وتنوعت فيه التقاليد والمجتمع العراقي مجتمع التجديد والتطور والتحدي.
فالتجديد في الشعر كما يؤكد د عز الدين أول جذوره نبعت من العراق ونتيجة ضغوط نفسية وفكرية وثورة وجدانية عنيفة ويسوق على ذلك العديد من الأمثلة التي تجسد غضب شعراء التجديد مثل معانات بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
لقد أثر السياب والملائكة في تجديد الحركة الشعرية في الوطن العربي، وظهرت الدعوة إلى التطور عند عدد كبير من شعراء الوطن العربي فمنهم من كان يسير في هدي العمود الشعر العربي وزاوج بينهما ومنهم من ترك الأسلوب العربي وسار في التيار الجديد ومن الشعراء المجددين الذين يشير اليهم المؤلف عبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد وصلاح نيازي وشفيق الكمالي وراضي مهدي السعيد وعبد الجبار البصري وغيرهم ممن يشيد بذكرهم.وبعد هؤلاء ظهر جيل جديد تميز بالهبوط اللغوي في الأسلوب وفقدان الموسيقى ليصبوا الشعر العربي بكارثة موسيقية ولغوية شارك فيها النقاد ورؤساء التحرير بعدم مطالبتهم بالذوق الفني واللغة السليمة والموسيقى الشعرية،مستشهداً بقول الشاعر السياب. حين حذر من المشرفين على صفحات المجلات الأدبية في نشر الأدب الهش والذوق الهابط في الشعر ” إن الذنب ليس ذنب الشاعر، بل ذنب الصحفي الذي ينشر له،والسبب أن بعض أخواننا الصحفيين ليست له المعرفة الكافية في أمور الشعر، وعليهم لتفادي ذلك أن يعهدوا بها إلى من يفهمه جيداً.وقبل أن يتناول مضامين الشعر الجديد التي يحصرها بالحرية والصور الجمالية ذات النغمة الموسيقية واللغة السليمة ” يمضي د. عز الدين بتسليط الضوء على هذا الجانب المهم من تاريخ الشعر الحديث بتحليل تلك القصائد و قصائد الرواد التي جسدت رؤية شعرية متكاملة عكست معاناة وجراح الوطن.
أما مضامين الشعر الحديث فهي لا تختلف عن كل شعر يصور حياته المعاصرة ومجتمعه،ويكون صدى للأحداث التي تؤثر في الحياة العامة، والشاعر المبدع يجب أن تكون له سليقة فنية متميزة، وقابلية شعرية تُكّون الصور الجمالية بأسلوب جديد متميز،وأن يتمتع بالحرية وينبذ كل فكر مصنوع مستعار لا يفيد مجتمعه.وفي هذا السياق يستشهد بقول لنزار قباني عندما ذكر بيروت وسبب حبه لها فهي أعطته الحرية ” أكتب ما أريد لم تحاسبني ولم تعاقبني… ولم تأخذني إلى محاكم التفتيش ولم تجبرني أن أكون شاعراً في خدمة السلطان… بيروت لأعطتني الحصانة كي أكون أقوى من السلطان.
يمضي الناقد بتسليط الضوء على مضامين الشعر الحديث مبيناً الظواهر المؤثرة في حياة الشاعر وأسباب الرفض والاحتجاج والثورة،ليأتي بعد ذلك على الرمز والغموض في لغة الشاعر ليتناول بعد ذلك الحداثة المعاصرة التي يضعها تحت عنوان ” الحداثة المدمرة “عازياً إليها الفوضى والاختيار الشكلي للألفاظ وتشابه الأساليب.
قبل أن يختتم المؤلف كتابه يقف وقفة طويلة ووقفة إجلال أمام أحد رواد التجديد الشاعر نزار قباني ليحلل لغته الشعرية والمواضيع التي تناولها واستعماله أسلوب الفن القصصي.
يختتم الناقد د. عز الدين كتابه هذا بتناول الأساطير وتسرب الأسطورة إلى الشعر العربي بتقليدهم الغرب، فتأثير الشعراء بإليوت أو باوند أو ستويل وتقليد الأدب الغربي دون وعي عكس الأساطير اليونانية واللاتينية والمسيحية في شعرهم،غير أن ذلك من وجهة نظر الناقد يجب أن يخضع إلى عدة شروط يشير إليها في ص 233 مشيراً إلى نجاح السياب في استخدام الأسطورة في شعره السياسي.
إجمالاً يمكننا القول بعد هذه المراجعة بأن المؤلف وهو الأديب والشاعر المتمرس قد قدم دراسة وافية عن الشعر الحديث وتتبع جذوره وحركة تطوره عبر الزمان والمكان،وأكد فيها على صدارة العراق في هذا المضمار كما حدد صفات الناقد وواجباته في بيان نقاط القوة والضعف في القصيدة.

الناشر : دار المدى – الطبعة الثانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *