الرئيسية » ملفات » خضر عباس الصالحي : شاعرية يوسف عز الدين (ملف/2)

خضر عباس الصالحي : شاعرية يوسف عز الدين (ملف/2)

شاعرية يوسف عز الدين
خضر عباس الصالحي
أديب راحل
الدكتور يوسف عز الدين من الطليعة الواعية في موكب الادب العربي الحديث. تمرس بشؤون الفكر والحياة، وواصل السعي الدائب في طلب المعرفة ونشدان الحكمة، والاندفاع في كشف حقائق النفس البشرية. وواكب كل نشاطات الحياة، ومجالات الواقع، وواكب التيارات الادبية المعاصرة، واحاط احاطة تامة بميادين الثقافة، وبكل الاتجاهات والنزعات الفكرية التي تسود عصره،

وكافح من اجل ان تاخذ الكلمة الشريفة مكانتها المرموقة في النفوس، ونذر العمر للحرف والمحبة وتأليف القلوب، ومحو الاحقاد، والسعي وراء تحقيق الغايات السامية..
لقد انبثق من اعماق الجماهير، وكرس حياته وشعره لخدمة اهداف الشعب وتحقيق امانيه القومية، فهو انموذج حي للتضحية والاخلاص، ومثل رائع للجهاد ونكران الذات، والتوكيد على ضرورة وقوف الشاعر الى جانب شعبه والتعبير عن قضاياه العامة، والتجاوب ازاء ظرفه الراهنة.
انه في مقدمة شعراء العرب الذين نادوا بالاراء التقدمية كالوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية، والثورة على القديم البالي، وتبني المثل والمبادئ والقيم الرفيعة التي لايتبناها غير الانسان النبيل، الانسان العربي المخلص لعروبته، الغيور على مصالح ومطامح شعبه، فهو يكتب له، ويفكر من اجله، ويعيش الامه واماله.
هذا الشاعر الحساس، الطيب القلب، الواسع الخيال، المالك لموهبة الشعر. يعمل دوما على تغذية الجيل العربي الواعي بالوان الثقافة القومية، وتسليحه باسلحة الكفاح الثوري، والاتصال الوثيق بالشعب، والسير في طريق النور والخير والصلاح، ودنيا البطولات والمجد والخلود، واقامة مجتمع عربي ينبض بكل الطاقات الخيرة.
انه انفعل بمحيطنا، وترجم احاسيسنا، وسعى لتركيز معاني القيم والمثل والاهداف النبيلة في الاذهان، لانشاء جيل صالح قوي بجسمه وخلقه وعقله، والاندفاع بقوة واصرار نحو مستقبل افضل، وتحقيق السعادة عن طريق خدمة الاخرين، ونشر المفاهيم السامية، ودعم الحق، وتغذية الناس بالايمان والفكر والروح، والتحليق بالنفوس الى عوالم تتالف بالمثل العليا.
ان الشعر يعيش في عروقه، ويتغذى من دمه، وشعره غنى بالثورة الفنية الرائعة، ويمثل نفسه الثائرة المتمردة اقوى تمثيل. ونلمس فيه الطبيعة الانسانية في ثورتها وهدوئها، في آلامها وافراحها، في تحرقها وحنينها.
وشعره انيق الديباجة، بليغ العبارة، ناصع البيان، حافل بالاستعارات والتشبيهات والصور. ويدل على مقدرة فنية، وفكر ثاقب، وسعة اطلاع، يتسم بالجمال والحق والخير، ويتصف بالجدة والطرافة والخيال. ويتشوف الى كل جديد يساير موكب الحياة السائر نحو التطور. ويهتم بالانسان ويحترم انسانيته ويدافع عنها، ويهدف الى اغناء ادبنا العربي بالتعبير الصادق. والتناغم في الشكل والمضمون، والبحث بحماس عن طرق جديدة لخلق صور مشعة رائقة، وتكثيف التجربة العميقة وعرض خلاصتها.

د. يوسف عز الدين

لقد انتج آثارا شعرية رائعة، تمتاز بالصدق في التعبير، والاخلاص في التصوير، والنزاهة في الهدف وعبر عن افكاره في اسلوب شعري جميل، نتيجة مراس ونضج في التجارب الذاتية، وحسن الانتقاء اللفظي المعبر عن الصور الفنية، وامتلاك ناصية البيان، وتتم اغراضه الشعرية عن نزعته الانسانية، وروحه الخيرة، وخلاصة تجاربه في الحياة. والنظر الى قضايا عصره من خلال مشاعر الذاتية!
عصر وجدانه واسال فكره في شعره الذي يدبجه في عفوية وطلاقة، لتصوير المشاعر التي تكتنفه، والافكار التي تراوده، ونلمس فيه غنى الالوان الشعرية، وصورا للجيل الحاضر، لآلامه وقلقه، ووعية المرحلة الراهنة التي تجتازها الامة العربية.
لقد قدم لادبنا العربي المعاصر مجهودا بعيد الاثر، وانتاجا يكشف عن موهبة اصيلة في عرضه لافكاره، وتطلعه الى ابداع صور جديدة، ويمكن القول دون مقالاة، ان وراء كلماته من المعاني الرفيعة عالما رحبا زاخرا بالاطلالة الشاملة الفاحصة للكشف عن حقائق الحياة، وتخلى عن التعابير الملتوية المعقدة التي لا توصل اللى غاية، ولا تهدف الى معنى، ولا تقود الى حقيقة، واعتمد الرموز والصور والرؤى الحالمة، فشعره يهز النفوس لما فيه من جمال الصور وشفافية اللغة، واصالة في التعبير، فيحس كل قارئ انه يعبر عن ذات نفسه.
قال الشعر في المرأة والطبيعة والحياة، فكان الشاعر المتمرس في ضروب الفن، ذا الخيال الرحيب، والعاطفة الصادقة!. وقدم لنا باقات فواحة من الشعر وذات مستوى ادبي رفيع بما تحمل من شحنات فكرية وعاطفية.
ومن هنا كان حرص الشديد يدفعني الى الكتابة عن دواوين هذا الشاعر الذي يحمل رسالة الهدى والخير والفضيلة الى بنى قومه العرب. وشاقني الاطلاع عليها، والاقبال عن قراءتها، والاهتمام بها للكشف عن مواطن الجمال في روائعه الشعرية الملأى بالطرائف والمعبرة عن افكار الشاعر وعواطفه، والبعيدة عن التضليل والدجل والامتهان، واحاول بشيء كثير من الصبر والاناة، والتزام الروح الموضوعية، ان استخلص ملامح ومزايا شعره، وابراز قيمه الفنية.
وتثمين شاعريته الخصبة، وشخصيته الغنية بالمواهب، ولا اطلق الاحكام العفوية دون دليل او شاهد.
ان الادب العربي كسب كثيرا من ارتياد ميدان النقد الذي يتناول قضايانا الادبية والفكرية على اساس موضوعي، الذي هو المنطلق الرحب لبناء مستقبل ادبي افضل.
لقد سعيت جهد ما استطيع. آن افي هذا الدواوين الثلاثة حقها من النقد والتحليل. واستقراء جوانب رائعة من شعرها.
وسرد الشواهد، وضرب الامثلة، واعطاء التقييم السليم ، والمعالجة الواعية، مجاراة للتطور الادبي.
وفي هذه الدراسة جانب من الجوانب الادبية التي درستها هو الجانب الشعري وهنالك جوانب اخرى في النقد والتاريخ الادبي والتوجيه الفكري بما كتب من نثر وما نشر من كتب ومقالات ارجو ان يتاح لها دراسة لتنير جميع جوانب الشاعر.
وانني ملزم بتسجيل حقيقة واضحة، وهو اشتداد ساعد الحركة الادبية في العراق، ومضاعفة الاهتمام بموضوع الدراسات بحيث لايدع مجالا لك. بعد انفاجر ثورة الرابع عشر من رمضان الجبارة التي دكت صروح العزلة الاقليمية، واعادت العراق الى ركب العروبة الصاعد، وازالت الطاغية المجنون، وقضت على ركائز حكمه الشعوبي الاسود، الذي اشاع الحزن في كل قلب، وسرق البسمة من كل شقة.
انها الهمتنا العزم الاكيد على استرداد الاجزاء العربية السليبة من وطننا الكبير الذي هب اليوم ليطرد الدخلاء الغاصبين من ارضه الطيبة بفضل تعاظم الحركة القومية التحررية المستعرة الاوار التي ستحقق الوحدة العربية الشاملة التي هي حلم الملايين!
انها فتحت ابواب الاستقرار والطمأنينة والخير للجميع. وفسحت المجال الواسع امام المفكرين الاحرار للعمل بمثابرة وجد نحو نتاج ادبي رائع، وتناول الاثار الادبية بالدرس والتحليل، تلك الاثار التي لم تنل الاهتمام الذي هي حقيقة به. ونبذ المناهج التقليدية في الشعر، والحرص على الانتاج الدائب لبناء قيم فنية جديدة، بعد ان رفع الكابوس الذي شل الحركة الفكرية.

عن مجلة المثقف العراقي

*غن صحيفة المدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *