مؤيد داود البصام : جاسم الزبيدي واختيار رحلة الشقاء مع المعدمين (ملف/3)

جاسم الزبيدي واختيار رحلة الشقاء مع المعدمين

مؤيد داود البصام

حملت اعوام الستينيات من القرن الماضي، حركة تاريخية اهتزت لها اركان الانساق الثقافية في العالم وبدء عصر جديد أنبثق من رحم حركة الحداثة التي اتسمت بها بدايات القرن العشرين مع التطورات الهائلة في المواصلات والاتصالات وتطور التقنية في مجالات الحياة كافة. وفي العراق كما في بقية الدول العربية كانت الحداثة تأخذ دورها على الرغم من البطيء في تناميها بسبب الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة التي كان يعيشها الوطن العربي في ظل الدولة العثمانية، الا ان هذه الحركة أخذت ابعادها في النمو السريع بسبب روادها الذين تابعوا الحركة من خلال دراستهم في اوروبا وما تمخض لديهم من قراءة لتاريخهم وتراثهم، كانت انطلاقتها واسعة ومعبرة وسريعة، اختصرت الكثير من الزمن وعبرت بشكل سريع لتقدم نخبة طليعية قادة الحداثة، وفيها ظهر في كافة الانساق الثقافية من حمل وزر الانطلاقة، فاتسعت دائرة الشعر الحر وتبلورت رؤى جديدة في كتابة القصة القصيرة والرواية وظهرت اعمال الفنانين الذين قادوا الحداثة او طلبتهم لتدوي في ارجاء الوطن العربي، كانت بدايات انطلاق الفن مع بدايات تحرر الكثير من اقطار الوطن العربي والتي كانت تحت سيطرة الاستعمار الاوربي، لكن طموح الرواد الاوائل قاد الحركة من الاستكانة وتداول الفن الواقعي والبورتريت الى مواقع الاكثر حداثة في الفن العالمي، وكان المصور والفنان ناظم رمزي احد اعمدة الحداثة في فن التصوير الفوتوغرافي على الرغم من كونه من جيل الرعيل الثاني من الفنانين، الا انه نقل الفن الفوتوغرافي من حالة الجمود الى الفعل المتحرك بالضوء وحركة الظل والضوء والبعد التعبيري التي اتسمت بها اعماله الفوتوغرافية، وساعد في بلورة اعماله الحداثوية كونه يمتلك اكثر من نسق فني فهو خطاط بارع ومصور فوتوغرافي ورسام بالزيت والالوان الاخرى. وطباع والاهم انه كان يمتلك رؤيا تلح عليه باستمرار نحو الابداع والخروج من التقليد.. ومن خلاله ظهر طلاب ومتاثرون باعماله، كان المصور الفوتوغرافي جاسم الزبيدي احد هؤلاء الذين حملوا السمات المهمة في عالم التصوير الفوتوغرافي العراقي لترسيخ مفاهيم الصورة التعبيرية. نعم كان متأثرا بأعمال ناظم رمزي ولكن كان له خطه الخاص، والذي اضفى عليه الطابع الثوري، في ملاحقته للانسان البسيط، العامل المضطهد، الفلاحين وهموهم اليومية ، اكتسب روح الواقعية الا انه برع في اعطائها سمة خاصة ارتبطت بالأحداث السياسية ومعاناة الانسان البسيط، كانت الاجواء في الشارع العراقي والبغدادي ترسم خطى التطور والنمو الحداثوية في بنائية الاعمال الفنية والادبية وكان الجميع يشترك مع الجميع في موسوعية وشمولية المعرفة فالرسام جزء من الحركة المسرحية والمسرحي جزء من اجواء الشعر والموسيقى، فكانت تتسم الفعاليات باشتراك جميع الانساق حضورا لأي عرض ومن ثم تتلقى المقاهي العراقية جلسات النقاش والتقييم التي يشترك فيها كل الفنانين والادباء بمختلف انساقهم، وكان الفكر اليساري هو المسيطر على الشارع العراقي بمفاهيمه ودعوته لمتابعة الثقافة والحضارة العالمية، كنا مجاميع من الفنانين والادباء نلتقي في مواقع محددة او مقاهي معينة اضافة للقائاتنا في المعارض او المسرحيات التي كانت تقدمها الفرق المسرحية وبالذات المسرحيات التي كان يقدمها اساتذة وطلبة معهد الفنون الجميلة، كان اساتذة وطلبة معهد الفنون الجميلة باقسامه المختلفة يقدمون عروضهم المسرحية والمعارض الفنية في نهاية كل موسم دراسي ، وهي الاعمال الابرز التي قادت الحركة الفنية والثقافية في المسرح والتشكيل واعطته دفعت للامام، برزت حركة يسارية في الثقافة كما في السياسة، اوقدة شعلة من المفاهيم لتزيح الجمود الذي كانت تسم به مسيرة النهضة الفكرية والفنية، مواكبة مع بروز حركة التحرر الوطني في مختلف بقاع العالم والوطن العربي بالذات، وكما حمل الكثير السلاح للقتال مع الثورة الفلسطينية والارترية، كذلك حمل الفنان جاسم الزبيدي كامرته كما يحمل المقاتل سلاحه وغادر مع المتطوعين ليرسم الاحداث عبر الابيض والاسود من خلال الكاميرا ما كان يسطره الثوار في ارجاء الوطن العربي متاثرين بالثائر جيفارا، فوثق الكثير مما كان من فعل الفدائيين في فلسطين التي كان آخرها عملية أم العقارب عام 1975 .. لينتقل بعدها إلى ارتيريا وفي ارتيريا كانت الاجواء مختلفة عما كانت عليه المقاومة الفلسطينية التي كسبت الكثير من تعاطف الدول العربية والعالم، كان ثوار ارتيريا يعيشون في ظروف غاية في الصعوبة في كل شئ، ولكن الفنان جاسم استطاع ان يتكيف ويمارس نضاله من خلال الكاميرا موثقا الاحداث التي كانت الشهادة على ما قدمه ثوار ارتيريا.
الرؤيا الفنية لجاسم الزبيدي
كان الفنان جاسم الزبيدي ممن يملك رؤيا مختلفة مع عدد قليل من الفنانين الفوتوغرافيين، عما هو سائد في فن التصوير الفوتوغرافي شكل عشقه للفن الفوتوغرافي، كان طموحه خلق ابداع يوازي ما يقدم في دول العالم المتقدم، وعلى الرغم من معرفته بالفارق بين ما يمتلكه المصور الفوتوغرافي في الدول المتقدمة من ادوات وآلات تتيح له فرصة الابداع باتساع المساحة التي بين الشرق والغرب، الا انه كان يؤمن بان مشاعر الانسان الشرقي هي التي تتفوق على الالة، فكان يبذل جهدا لايجاد اللقطات النادرة والتي ترتبط بالجماهير الكادحة والفقراء. وكانت الرحلة للانظمام الى الثورة الارترية جسدت روح الاصرار على الرغم من صعوبتها ومتاعبها، لكنهم كانوا يمثلون الحلم في تحرر الانسان من الظلم والعبودية. وتترادف مع طموحاته الثورية رؤاه التي استحوذت على الكثير من اعماله… بل جل همه، قضية الطفولة حيث لا وطن سعيد بلا طفولة سعيدة هانئة .. ( هكذا كان يقول ) . كان يسعى كي يؤسس فوتغرافا إنسانيا من صميم الواقع المر للطبقة العاملة والفقراء المسحوقين .. فوتغرافا يناجي المشاعر الإنسانية .. ويمتلك القلوب قبل العيون التي تتأثر بمظاهر الترف والبريق الفوتوغرافي .. يحمل بين طياته هموم الإنسان وأحلام الطفولة وبشاعة المحتل وقوة الإرادة .. فن يختلف عما كان يعرض في صالات العرض العربية والأوربية. فكيف كان يوفق لذلك ؟؟ كان جاسم الزبيدي رحمه الله فنانا متواضعا ، ودودا ، ذو خلق عال ، حين يبدي رايا بموضوع يتعلق بالفوتغراف فأنه يتحدث كالناسك المتعبد لهذا الفن .. وأذ ما تناول موضوعا حياتيا يحمل طابع التفكه ، فهو ضاج بضحكته المجلجلة المتميزة ، بالإضافة لهذا كله فهو من عشاق التصوير بالأسود والأبيض .. بل كان ذو حس مرهف إزاء تذوقه للظل والضوء !! كان يشرح كيف يتذوق الظل والضوء فيقول : انا اشعر بالضوء ينساب من الأعالي كقصيدة الاهية تغازل الأشجار والشوارع ووجوه النساء والأطفال فأحس بطعمها وحلاوتها ورقتها .. فيأتي الظل ليضيف من عتمته القسوة .. والأمان.. والحب ! يبتسم جاسم الزبيدي ليضيف : الله خلق كل هذا الحب وهذا الطعم العجيب من شهد الضوء والظل فكيف لا نتذوقه . كان جاسم الزبيدي شاعر، رقيق بصورة مفعمة بالود والحب ، حساس بدلالات مواضيعه .. كلماته الكاميرا والعدسة .. حروفه وجوه الأطفال والمناضلين ، ووجوه الناس التي خطت بعرق الهم والأحلام المنطفئة حياتها !! حيث كان من الممكن لاي شئ ان يؤثر بهذا الفنان الذي يحمل بين جنبية قلبا عاطفيا رقيقا ، كان محبا للخير .. للناس ، بل حتى للذين يحملون له البغضاء . امتلك جاسم الزبيدي تلك الرؤيا الفوتوغرافية وذاك النبوغ وذاك الحس من تربيتة ، حيث ترعرع في عائلة كادحة تناضل لأجل تربية أبنائها وتنشئتهم فكان رحمه الله في أيام شبابه مغرما بالصور التي تعرضها الاستوديوهات في واجهاتها الأمامية في مدينتهم الصغيرة .تحدث مرات عن ايام طفولته وكيف استحوذ الفن الفوتوغرافي على احاسيسه :- كانت الصور المعروضة تسحرني .. فأقف دقائق طوال أحدث نفسي كيف بالإمكان نقل الحياة على ورق ؟ وما هو ذلك السحر ؟ . وفي ريعان شبابه اشتغل بتلك المهنة التي أسحرته وسلبت لبه .. ثم افتتح أستوديو صغير في مدينته محافظة ديالى – بعقوبة – اسماه ( ميسلون ) فكان أسلوبه في ذلك الوقت فيه شئ من الغرابة بالنسبة للمصورين الآخرين اذ كان يصور وجوه الناس، الفقراء والفلاحون والعمال ويعرضها على جدران الأستوديو … وكان يشعر بالسعادة حين يرى الفرحة بادية على وجوه زبائنه الكادحين المسحوقين… كان يريد إن يقدم لهم شئ أي شئ كي يمسح جزء بسيطا من آلامهم وهمومهم .. وكان أيضا يحس ان عدسته أوفت بواجبه الإنساني اتجاه هؤلاء الناس الذين يشاركونه العيش على هذه الكرة الأرضية . من خلال هذه الرؤيا الشمولية للواقع الإنساني المرير الذي كان يواكبه وقد تولدت لديه ثقافة فوتوغرافية وتكوين للمشهد الدرامي الفوتوغرافي وعمق الإحساس الفني والاجتماعي وصدق التعبير ، فصارت الكاميرا رفيقته .. بل وحبيبته الأولى والأخيرة !! فكان لايحملها إلا وهي مغطاة بقماش نظيف جدا ، ومعبئة داخل حقيبتها .. واذ ما أراد ان يخرجها من الحقيبة … فكأنه يحمل طفلا صغيرا بين يديه ! وفي مطلع الستينيات من القرن الماضي ومن خلال علاقاته اكتشف بعض الصحفيين عن إمكاناته المتقدمة برؤيته للمشهد الصحفي … فعرضوا عليه فكرة العمل بالصحافة … فعمل وأسس قسم التصوير الصحفي بمجلة ( إلف باء ) . فصار همه اكبر وحلمه أوسع بأن يكون هناك وطنا واحدا بلا أسوار تحده . فكان الاستعمار بالنسبة إليه يعني الفقر والجوع والظلم والتخلف وقتل الطفولة … لذا سعى إن يقدم للعالم العربي والعالمي معنى النضال ومعنى التحرر ,, ومعني إن يكون الإنسان أنسانا حرا . لم تعد الصحافة ترضي طموحه الكبير فحمل كإمرته ورحل مع الفدائيين الفلسطينيين.. والاريتريين …… ونقل للعالم الصور التي هي همه وقضيته.. من خلال معارضه التي أقامها في لندن .. وباريس .. وروما .. وبعض البلدان العربية . معارض تحكي قصة شعب.. وقصة وطن .. وثورة .. وحياة .. وطفولة ضائعة .! فكانت إعماله صرخة مدوية .. وعدسة وثقت .. ونور لاينطفئ. – في عام 1967 شارك في معرض المعركة الأولى .. قضية فلسطين – وفي عام 1968 أقام معرضه الأول ( قصة شعب ) عن الشعب والثورة الفلسطينية – عام 1970 أقام معرض (الإنسان والموت والثورة ) عن نضال الشعب الاريتيري والثورة ضد الاحتلال الإثيوبي – عام 1975 أقام معرضا عن ( إبطال أم العقارب ) لمجموعة فدائيي فلسطين – وعام 1976 معرض ( عمان الشعب والثورة )عن الشعب العماني – عام 1977 و 1978 معرضا عن الشعب الفلسطيني ( وثيقة من تل الزعتر ) – عام 1980 و 1981 معرض ( أطفال بلا طفولة ) بيروت – عام 1982 و 1983 معرض ( الوطن والحياة ) – وفي عام 1987 أقام معرض ( الوطن .. التحدي .. الحضارة ) – وأخيرا في عام 1991 أقام معرض ( 25 عاما دفاعا عن العراق وفلسطين والثورة العربية ) – وفي عام 1991 عمل مع مكتب رعاية الطفولة والبيئة في الأردن ، ثم عاد للعراق وكان ينوي إن يقيم معرضا عن أطفال العراق ما بعد الحرب …. لكن الموت حال دون ذلك . لو تتبعنا مسيرة الفنان جاسم الزبيدي لوجدنا إن جل همه كان ينصب بالإنسان .. والتحرر.. والثورة .. وقضايا الأمة .. والطفولة . أي انه كان ذو وعي وثقافة إنسانية شمولية.. لم تشغله أبدا تفا هات الحياة ومباهجها. ان الفوتوغرافي جاسم الزبيدي الذي غادرنا عام 1991 كانت حياته ينبوع دائم مذاقه أبدا حب الناس .. والأرض .. والطفولة..

شاهد أيضاً

مشروع كبير لنشر زنا المحارم
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

من الغريب ان يكون هدف الكيانات الاعلامية ومؤسسات الانتاج الدعوة لنشرة زنا المحارم! نعم لا …

خالد جواد شبيل: خُلِقت جميلاً يا لبنان!

أول الكلام: أستميحك عذرا يا لبنان أن أحوّل حزني عليك وعلى بلدي العراق الى حالة …

بدء العد التنازلي لإطلاق لقاح كوفيد-19!
بوادر نهاية كابوس كورونا تلوح في الأفق
مولود بن زادي أقلام مهاجرة حرة – بريطانيا

منذ بداية تفشي كوفيد-19 في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 والعالم غارق في وحل كابوس مرعب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *