الرئيسية » نقد » ادب » الأديبة “جنان محمد” بين فرادة الحب وفينيق المشاعر
عبد الله سبلي ( المغرب) :

الأديبة “جنان محمد” بين فرادة الحب وفينيق المشاعر
عبد الله سبلي ( المغرب) :

قراءة عاشقة جامعة للحب الذي حدث بينهما ، وتلك التي تجري على عجل ، للأديبة ” جنان محمد ” ( جنان محمد بين فرادة الحب وفينيق المشاعر)
***********
لن أكذب نفسي ، لن أخون ذائقتي ، حين انسكب هذا الكلام في قلبي ، قبل أن تمرره مفاتيح الهاتف بين أصابعي ، وكأني بالكلمات قد نحتت بتعابير نياط قلب هذه المرأة ، المرأة حين تعشق يا سادة تتقن التعبير عن عشقها ، تعتصره اعتصارا ، تطبخه على نار هادئة. فيتولد كاملا مكتملا حارقا لافحا يقطر صدقا ينتج رقيا وصلاحا.
لقد وجدت في هذه الحروف السكرى بلذة عشق راق ، النشوى بحب نسوي جارف ، وجدت فيها شيئاً من نزار قباني وكثيرا من درويش ، درويش ذاك الذي يعشق بألق ويعرف كيف يعبر عن عشقه بأرق وحذق وصعق ، أحسست فيها بلذة صب غريبة إنها تروي عشقا شامخا برواء الفضيلة ، تكسبه رداء ممجدا ، ليس ذاك الحب الذي اعتدنا رسمه على الجدران ، أو نقشه بقلوب بلهاء على جذوع الإشجار ، إنه حب من نوع آخر لا يلتصق بالأرض ولا يكون رديف الشهوات ، إنه حب ينبت من أدق التفاصيل يبنى لبنة لبنة برقي باذخ ، إنه حب العواطف الصادقة ، حب بدوي يسمق بسموق الصدق والوفاء والعرفان ، لا يشبه حبا آخر ، فريد ومتفرد بتفرد المحبوب ، حب يرسل أسمى معانيه إلى السماء يشركها الفرح والحبور بتعال لا يدانيه السفور والتهتك أبدا.
لقد سرقتني الكلمات مني وابتعدت بي كثيرا ، حيث البوح لا يخدش حياء ، ولا يقتل دينا ، بل ينمي خلقا ، ويربي في النفس كبرياء من نوع آخر.
طاب لك المقام سيدتي بين أحضان حرف عاشق قادر على صنع كل هذا الحب المنفرد ، حب فينيقي هذا الذي يسكن كلماتك حد الأسر القاتل حد الغبطة المدوية .
فلتكتبي أمانيك على أجنحة الطيور المهاجرة ، فالحب فعلا هو ما حدث بينكم.

****************
لوّن في حلمك
دنيا تجمعنا معاً

(كيفَ برجلٍ مثلكَ
أن يتسلل من حُلمي إلى صدري ..
ليوقظَ برائحتهِ حُباً يَكتُبُني ! )

إهداء :

إلى الرجل الذي تركَ نصفَ أكوابِ القهوةِ
فـامتلأت شوقاً ..
إلى الرجل الذي يُجاورُ أحلامي ..
و يملكُ الجزء الأيسرَ مِن نفسي .
إلى الرجل الذي أخبرني :
أنا لم أبحث عن فتاتِ الحُبِ
إلى أن التقيتكِ
و أصبحت رائحتكِ في لقمةِ خُبزي !
إلى الرجلِ
الذي حملتني خارطة أيامي إليه ..

(أعطني كفّك ,
أنا أريدُ أن أحملني إلى سعادةٍ حقيقيّة ,
مِن خِلالِك ! )

في عُمقي أشياء مرئيّة ..
هناك أحداث كانَ مُقدراً علينا أن نُصافِحها ..
كان مطلوباً مِنا أن نمرر أصابِعنا عليها !
كانَ واجباً أن لا نتركها
تحفرُ فينا تجاعيدَ لا نقوى على حملِها
عُمرنا بِأكمله !

تسألني عن الحُب ؟
الحُب ليسَ حدثاً عاديّاً
هو أمرٌ خارقٌ للعادة
خارقٌ لكلِ الأشياءِ
التي ننشأ منذُ طفولتنا عليها !

*الحُبُ هو ما حدثَ بيننا *

أنا لا أشفى من ذاكرتي الممتلئة بِك ..
أنا لا أشفى من كُلِ تلك التفاصيلِ
المُصاحبةِ لِـذكراك !
يأتي صوتُكَ مُعتقاً
بِكُلِ لحظاتِ الحنين ..
يرتدي كُلَ ملامحِ الفقد ..
يأتيني مُسرعاً ..
لا يتركُ لي مجالاً لِلخيارِ
بينَ احتضانهِ بقوة أو احتضانهِ بلطف !
يأتيني مُشرعاً كُلّ الحكايا خلفه ..
كُل الذكريات ..
كُل القصص القديمة
و كُلُ اللحظات
و يرتمي في كُلّي !
فـيلتصقُ في ذهني
و ينعجنُ في قلبي
يأتيني بِجسدٍ قويّ البنية ..
يحملُ بينَ ذراعيهِ وجهي الحزين
و في وجهي حُزنُ الدُنيا
و بُكاء الأرض على حصادها المسلوب !
يُلقي بِوجهي إلى السماء
فـيطير .. و يطير ..
إلى أن يختفي وجهي
و أفقدُ أيضاً صوتكَ
الذي يخذلني في ساعاتِ الحنين !
مازلتُ أعاني منذُ أوّلِ يومٍ التقيتك فيه
من حُمى الحُب
التي تدورُ في قلبي بلا توقف ..
مُصابة بِدوار العاطفة ..
مسروقة من نفسي ..
و من ظِلالِ مدينتي ..
الشمسُ تختبئ خلفَ أعمدةِ صدري ..
و خلفَ الشمسِ ..
اسمكَ و مخبؤك !
لأنني لا أكتبُ لِـرجلٍ عاديّ ..
أكتبُ لِـ رجلٍ يعبُرني كُلّ مساء
و مازالَ كُل مساءٍ يتركُ بي أثراً مختلفا !
أكتبُ لِـرجلٍ يفردُ أمامي فرحَ الدُنيا ..
و يطالبني أن أتفنن في اختيارِ فرحِ العُمرِ بِرفقته !
أكتبُ و أخطُ جرائدَ
لا أظنهُ يحرِصُ كُلّ صباحٍ على قراءةِ عفويتي
بينَ سطورِها . .
لم يكن حُبكَ عادياً ..

(*الحُبُ هو ما حدثَ بيننا .. و الأدب هو كُل مالم يحدث *)

هل يولدُ الحُب مِن تفاصيلٍ ما كنّا نُحبها ؟

كنتُ أظنُ دائماً
أنّ الحُب لا يأتي في محضِ صدفة
أن الحُب إن أتى
لن يحمِلَ لِروحي أيّ تغيير
لن يهبني حياةً أخرى
غير التي سعيتُ جاهدةَ
إلى الوصولِ إليها ..
كنتُ أظنّ أن الحُبَ
لن يسكنَ قلبَ امرأةٍ متقلّبة مثلي
امرأة لا تتحمّل روتينَ القُبلاتِ و الأحضان
و التواريخِ المُشتركة !
كنتُ أظنُ أن الحُبَ سيعبرني
في أوّلِ قرارٍ أتخذه بيني و بينَ نفسي
أن أكونَ وحدي دونَ تجاربَ عابِرة
دونَ أحلامٍ مستحيلة ,
دونَ أن ينعقدَ قلبي بِبنصرِ رجلٍ
لا يعرِفُ منّي غيرَ اسمي .. و جسدي !
لم أكن كـبقيّةِ فتياتِ الحيّ
فأنا لم أحتفظ بِصورٍ شابٍ وسيم
أودِعها قُبلاتٍ ممتلئة بِأحلامِ الارتباط ..
و لم أتلقَّ رسالة مِن مجهول
يخبرني فيها أنّه سيقتلُ نفسه
لو أهملت رسائله مرّة أخرى !
و لم يكتب أحدهم اسمه و اسمي
تحتَ ظِلِّ شجرةِ الحُب
تخليداً لِـعِشقٍ يحمله لي في قلبه !
في الحقيقة …
كنتُ أظن أن عدم ارتباطِ قلبي بِشخصٍ ما ، نعمة مِن الإله..
كنتُ أخاف أن يسلبَ أحدهم الشمسَ مِن وجهي
و يسرقَ القمرَ مِن عيني
و أفقد الهواء الذي يدخلُ رئتيّ بِلا قيود !

ربما يعود تعلّقي الشديد بِوالدي
أنّ قلبي بقي طويلاً مُخلِصاً لِـدفءِ كفيهِ ..
و لِـحنانِ صوتهِ ..
فأنا أصغر إخوتي
و أقربهم إلى أبي و أمي ..
ربما لِأنني آخر أزهارِ الحُبِ الذي جمعهما ..
ففي قلبي يكبُرُ حنان أمي
و في وجهي أحملُ ملامحَ والدي
و في عينيّ شيئاً مِن قصتهما ,
و في صدري أخبئ الباقي مِن القصّة !
المدينة التي ولدتُ بِها
كانت تحملُ العديد مِن العُشّاقِ على أرصِفتها ..
يتبادلونَ الهدايا و الزهور
و قوالبَ الحلوى ذات الأشكال المميّزة !
كنتُ أقفُ خلفَ شُباكِ منزِلنا ,
و أراقبُ تصرفاتهم المجنونة, الطفوليّة , العفويّة , الشهيّة
و مع هذا
لم تخلق تلكَ المدينة في نفسي أحلامَ الهَوى…
لم أكن أعرف كيفَ .. أحب
و كيفَ هو مذاقُ هذا الحُب
لولا ظهوركَ في عُمري
كـأعظمِ هِبة
يمكن أن تسخرها الحياة
لِامرأةٍ مثلي !
ما كنتُ أودُ الإغلاقَ على روحي بِالتكتّمِ
و كنتُ أتمنى أن أبعثَ كُلّ أحاديثنا إلى السماء
أن تَرى كُلُ الكائناتِ في هذا الكون
أنّي أعشق هذا الرجل !
و أنّي ما كنتُ احتاجُ غيركَ ..
لأرتبَ مجرى كُلِ الأمورِ التي تخصّني
لتتوافقَ مع هذا العِشق المجنون !

دعني أكتبُ أجملَ أمانيّ في قلبكَ
و أصابعي مسترخية في دفترِ عُمركَ
و لنكتب معاً كُلَ أمانينا
على أجنحةِ طيورٍ مهاجِرة
إلى أبوابِ السماءِ
و لتكن لحظاتُنا مختبئة دونَ ارتباك !
دونَ أن يمدَ أحدهم نفسهُ
و يتطاولَ على شِفاهِ الحُلمِ
المرسومِ في حرفي !
دونَ أن ينسبَ أحدهم أيّ أمنية تخصنا
أرسلتُها يوماً و أنا بينَ يديكَ إلى الملائكةِ ، لنفسه
**************

ما بِها تجري على عجل !
للأديبة جنان محمد.

الأعوامُ التي علّمتنا كيفَ نكتفي بِنصفِ الأشياءِ ,
نصف الوجوه , نصف الملامح ,نصف الأشخاص , نصف الأغنيات , نصف الذكريات , و نصف الطريق , فـنعبُرُ الأعوامَ عبوراً ناعِماً , دونَ لهفة , حتى لا نُفسِدَ بِخطواتِنا المُتثاقِلة روتينيّة الأعوامِ و الأحداث المخبأة بِعناية في أصواتِ العابرينَ في طريقنا . .

كيفَ وضعتُ يدي بيدِ روحي , و قررنا أن نعبُرَ الأعوام , و أن نُخصِصَ يوماً مِن كُلِ عام .. لِاسترجاعِ المسافاتِ المسكوبة بينَ عيني و عيونٍ أخرى قديمة , عابِرة , بالية , ظننتُ أنّ عقدةَ سِحرها انفكّت بِمرورِها الهادىء … لأصدمَ في كُلِّ عام أنّ كُلّ عابِر تركَ أثَراً , و لو كانَ صغيراً جداً .. و لو كانَ أخفتَ مِن صوتِ عبورهِ في هذا الطريق!

لم أستغرب اتصالَها فجر يوم ميلادي :)

اتصلت باكِراً .. مِن خَلفِ نوافذِ مدينتي التي أحمِلُ انتمائي إليها في جوازٍ أزرق لا غير ..
لأعيش تحتَ ضوءِ مدينةٍ أخرى لم تحمِلني في أوراقِها الرسميّة و لو لِـلحظة !

صديقة الأعوامِ الطويلةِ ..

هي دائماً من تبدأ بِإعادةِ تدويرِ أشرِطةِ أفلامِ العامِ بأكملهِ و هي تحمِلُ في صوتِها المتسلل عبرَ أسلاكِ هاتفي حصادَ حقولٍ مِن الفَرح , أظنّها رتبتها طويلاً حتى تظهرَ بِهذهِ القوّة أمامي , فتأخذني مِن وحدتي و تشدُ على أصابِع يدي , كأنّها أمامي , و كأنّ الفرحَ يقفُ أمامي و لا يوجدُ بيني و بينه حدود !

تُرددُ في كُلِّ عام : ” كُل الأعوامِ و أنا وحدي عالقة في قلبكِ و كُلّ عام و أنتِ متورّطة بِصداقتنا .. و أنا متورّطة بِضحكتكِ ! ”

ثمَ تتمنى لي عاماً واثِقاً .. بعيداً عن انسياقي خلفَ ترتيبِ أبجديّتي لتتناسبَ معَ عاطفة مسكوبة في قلبِ رجل !

و تختمُ بِ: ” أراكِ قريباً يا كبيرة ! ”
ثم تتركني , لأمرَ على كُلِّ الأشياءِ وحدي , لأمشِطَ شوارِعَ اللحظاتِ المسروقةِ وحدي , لأستلفَ مِن الليلِ زمناً طويلاً مِن التفكير بِتواصلِنا الذي لم يمت بعد , رغمَ توّردهِ في أسلاكِ هاتف .. لا غير !

مرّت أعوامي الثلاث و الثلاثون على عجل , دونَ أن أسافِرَ مسافةً بعيدة عن روحي التي مازلتُ أظنُ أنّها تنضجُ سريعاً قبلَ أن ينضجَ صوتي و قبلَ أن تنضجَ ملامِحَ وجهي , و قبلَ أن ينضجَ جسدي في عِناقٍ حميم !

.. الرسائل الغافيّة في أعماقِنا , لا تتركنا و لا ترحل خَلفَ أصحابِها ..
تبقى غافية .. إلى أن يأتِي موعدٌ ما .. أو صوتُ ما .. و يوقِظُها لِـتشغلنا في سَهر !

يا صديقةَ عيونِ السَهر , يا صديقةَ المواعيدِ الباقية :
نصفُ العبثِ القديم يشعلُ شوقاً لِـضمّكِ .. في يومٍ تتزاحمُ كُل التفاصيلِ فيه و أبقى وحدي قريبة مِن فوضاهم بعيدة عنهم !

((كل عام ..والأعوام أنا ))..

كلما مررت هنا ، كلما كتبت ، عبرت ، نثرت تبرا خالصا ، أنضجت حرفا على روية ، على مهل ، طبخت معاناة ، ايقظت جرحا مغلفا كان بتلاوين مزيفة ، خلخلت قيما تبدو ثابتة راسخة يستحيل أن يقاربها الشك ، أو يعتريها دخن ، حركت دواخل نفس تقطر مواجع وأنينا وحنينا ، هو ذاك حرفك كما عودني كلما اختمر أثمر يانعا ، رطبا جنيا يغدو ، يسبر أغوار النفوس ، يكسر شظايا قلوب مأزمومة ، مثخنة ، عامرة جراحا وأسرارا وأغوارا، يكشف عن دواخلها بألق وحذق كبير ، يتناسب مع طبيعة شخصيتك الناضجة جرحا ، الناضحة انسانية ، يتلاءم وتعدد نكبات الانسان العربي المهزوم المحاصر ، المطارد المغرب ، المجهول التائه ، إنها الكتابة حين تصادق الواقع ، تحاكيه ، تدفعه ، وربما ايضا ترفعه لتلملم الأرواح وتعطيها في ورق منمق مزوق ومذهب بعضا من أفراح ، لتطرد الأسقام النابتة والاقراح .
وليست كتابة مداهمة ومداهنة ، مراءة ومماحكة ، مهاترات ومسامجات.
سيدتي ، صدقيني ، في حروفك هذه أجد نفسي وأجدني وأجد غيري ، ولا أجد غير الانسان وحده خالصا صفيا سويا ، يعيش هنا ، لكنه يحيا هناك ، حيث يتواجد بتواجد روحه السماوية لا بتواجد جسده الترابي الفاني ، تنتعش روحه وتنبت بين الشجر والحجر ، بين بنيه وأهله ، حيث تتحسسس ضلوعه نسيم الوطن ، يتعفر بتربة ياسمينه ، يتنفس مسك حريته ضواعا فواحا.
هذه الغرابة التي تطارد النفس وتسكنها ، تصادق ، تلاصق ، وتأبى أن تفارق ، هي نفسها تلك التي تختمر في أرواحنا المتعبة المتهاوية ، بل والغريبة دوما ، فتنسج حرفا ، تنتج جرحا ، تلد قدحا أو مدحا ، وإذا تقرحت ، وانتشرت دماملها ، كتبت فضحا ، هذا الفضح-البوح هو الذي يخرجها للآخر ، يجعلها ارثا انسانيا مشتركا ، فتتقاسم الحروف بين نفوس تعيش الوجع نفسه ، تعايش الهم والكمد ممثلا في غربة قاتلة ، تخترق الأرواح والنفوس ، فتجعلها هائمة ، في غير مكانها ، منعزلة عن الزمان والمكان تماما رغم عيشها الحياة بكل تقلباتها ، هي الحياة هكذا ، مذ كانت ، مذ خلقها الله على صورتها ، لكن سريان المبادئ الانسانية الهادرة شلالات محبة ، الراسلات عواطف ندية راقية من وراء البحار ، تجعل الحياة مقدورا عليها متعايشا معها برغم أنوف الأدواء ، على الرغم من تسمم الأهواء ، وتدلهم الأجواء….

عبدالله علي شبلي
باحث في النقد والتصوف ، مركز يوسف بن تاشفين للدراسات والابحاث من أجل اللغة العربية ( المغرب)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *