طلال حسن : جنجل وجناجل (حكايات شعبية) (14)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

إشارة:
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر كتاب جديد للمبدع الكبير “طلال حسن” عنوانه “جنجل جناجل” وهو مجموعة من الحكايات الشعبية العراقية ضمن مشروعه المهم عن أدب الأطفال. وقد نشرت أسرة الموقع العديد من الكتب للمبدع سابقاً في غزارة صحّية باهرة لهذه القامة المبدعة الكبيرة التي تُعد ثروة من ثروات وطننا. نهنىء الأستاذ طلال حسن على هذا المنجز الجديد ونتمنى له الصحة الدائمة والإبداع المتجدّد.

14

لايلي النائمة

” 1 “
ـــــــــــــــــــ
أفاقت الأميرة لايلي اليوم مبكرة ، كأن أحدهم هزها برفق ، وهمس لها : استيقضي ، يا لايلي .
واعتدلت في فراشها مندهشة ، ترى من أيقظها ؟ لعله الربيع ، مهما يكن ، فقد نهضت ومضت إلى حصانها ، دون أن تتناول فطورها ، وانطلقت به .
ولحقت بها أمها الملكة على عجل متسائلة : بنيتي لايلي ، إلى أين ؟
وردت لايلي ، دون أن تلتفت إليها : لا تقلقي ، يا ماما ، سأذهب إلى الغابة .
فقالت أمها الملكة : لكنكِ قلتِ البارحة ليلاً ، بأنك ستبقين في القصر .
لم تردّ الأميرة لايلي ، وواصلت الطريق ، طائرة على حصانها كالريح ، وتوقفت في وسط الغابة ، وراحت تتلفت يميناً ويساراً ، وكأنها تبحث عما دعاها إلى المجيء إلى الغابة .
وأرهفت سمعها ، إذ تناهى إليها وقع حوافر على الأرض المعشبة ، ومن بين الأشجار ، ظهر فارس شاب ، على حصان أبيض ، وتوقف أمامها ، وراح يتأملها ، ثم قال : لايلي .
واتسعت عينا لايلي دهشة ، وبدا لها ، في لمحة برق واحدة ، أنها عرفت سبب مجيئها إلى وسط الغابة ، ومع ذلك قالت : أنتَ تعرف اسمي .
فقال الفارس ، وهو مازال يتأملها : الإله بوذا جاءني في المنام ، وأخبرني باسمك ..
وتمتما لايلي مندهشة : الإله بوذا !
وتابع الفارس قائلاً : وقال لي ، بأنك ستنتظرينني هنا ، فجئتكِ من وراء سبع جبال عالية .
وابتسمت الأميرة لايلي ، والفرح يشع نجوماً في عينيها ، وصمت الفارس لحظة ، ترجل خلالها عن حصانه ، وفوجئت الأميرة لايلي ، وقال : جئتُ لآخذك إلى حياتي .
وعلى الفور ، أخذت الأميرة لايلي ، الأمير الشاب ، إلى القصر ، حيث طلب يدها من أبويها ، فقال الملك : هذا شرف لنا ، لكننا لا نعرف من أنت .
فقال الفارس الشاب : أنا أمير مملكة الفانالا ، التي تقع وراء الجبال السبع .
وشهقت الملكة الأم ، وقالت : مملكة الفانالا بعيدة جداً ، وهذا يعني إنني لن أرى لايلي ثانية .
ولاذ الملك بالصمت لحظة ، ثم قال : لايلي إبنتي الوحيدة ، ولا أريد الافتراق عنها .
ونظرت لايلي إلى أبيها الملك ، وقالت محتجة : أبي .. وقاطعه الملك ، وقال بحزم ، دون أن يلتفت إليها : لايلي ، اذهبي إلى غرفتكِ .
وذهبت لايلي إلى غرفتها ، ورقدت في فراشها تنتظر ، وما إن علمت بأن الفارس ، عاد من حيث أتى ، حتى أغمضت عينيها ، ونامت .

” 2 “
ــــــــــــــــــــ
بعد أن ذهب الأمير دينتال ، عائداً إلى مملكته في بلاد الفانالا ، أسرعت الملكة إلى غرفة الأميرة لايلي ، واستقبلتها المربية العجوز ، وقالت بصوت دامع : الأميرة لايلي نائمة .
وتطلعت الملكة الأم ، إلى ابنتها الأميرة لايلي ، ورأتها راقدة في فراشها ، مستغرقة في نوم عميق ، فقالت : لكن الليل مازال في أوله .
فقالت المربية العجوز : لقد نامت الأميرة ، حين علمت أن الأمير عاد من حيث أتى .
وعادت الملكة الأم إلى الملك ، وكان مايزال في غرفة العرش ، وقالت له : ابنتنا لايلي نامت .
ونظر الملك إليها ، وقال مغالباً دهشته : لعلها متعبة ، دعيها ترتح .
وقالت الملكة الأم : نعم ، إنها بحاجة إلى الراحة ، فلتنم وترتاح .
وفي صباح اليوم التالي ، وعلى غير العادة ، لم تأتِ الأميرة لايلي إلى والديها الملك والملكة ، لتحييهما ، وتتبادل معهما المزاح والضحك .
ونهضت الملكة من فراشها ، ومضت إلى غرفة الأميرة لايلي ، دون أن تخبر الملك بوجهتها ، وما إن دفعت الباب برفق ، حتى أسرعت إليها المربية العجوز ، وقالت لها بصوت خافت حزين : الأميرة لايلي ، مازالت نائمة ، يا مولاتي .
ومدت الملكة الأم يدها ، ونحّت المربية العجوز عن طريقها ، واقتربت من سرير ابنتها الأميرة لايلي ، نعم ، الأميرة لايلي ، وكما رأتها البارحة ، مازالت مستغرقة في نوم عميق .
واقتربت المربية العجوز من الملكة ، وقالت لها بصوت خافت قلق : مولاتي ، إن الأميرة لايلي هكذا منذ البارحة ، إنني قلقة .
وتمتمت الملكة الأم بصوت تخنقه الدموع : يا ويلي ، يجب أن نفعل شيئاً .
وقفلت الملكة مسرعة إلى الملك ، وقالت له بصوت مضطرب : تعال وانظر ابنتنا لايلي ، إنها نائمة بشكل غريب ، منذ مساء البارحة .
وهرع الملك إلى غرفة الأميرة لايلي ، والملكة تركض وراءه قلقة ، وتوقف يحدق في الأميرة ، ثم قال : أخشى أن الأمر خطير ، فلنستدع الطبيب .
وحضر الطبيب ، وحضر بعده أكثر من طبيب ، وأجروا فحوصات عديدة للأميرة لايلي ، وانتهوا إلى قرار واحد : إن الأميرة نائمة .
وقال الملك : هذا أمر غريب .
وتساءلت الملكة : متى تستيقظ ؟
فردّ الطبيب الخاص بالعائلة الملكة : بوذا وحده يعلم .
وصمت لحظة ، ثم قال : قد تستيقظ غداً ، أو بعد غد ، أو بع أسبوع ، أو بعد شهر ، أو ..
وصمت الطبيب ، ولم يضف كلمة أخرى ، نعم ، الأميرة لايلي نائمة ، ولم تستيقظ من نومها ، لا في اليوم التالي ، ولا في الأسبوع التالي ، ولا في الشهر التالي ، بل ولا في السنة التالية ، وها قد مرت حوالي سبع سنوات ، والأميرة لايلي نائمة .

” 3 “
ـــــــــــــــــــ
ذات يوم ، حوالي منتصف النهار ، دخل الحاجب على الملك والملكة ، وكانا في قاعة العرش ، وانحنى لهما ، وقال مخاطباً الملك : مولاي ، الأمير دينتال ، أمير مملكة بلاد الفانالا .
واتسعت عينا الملكة ، وتمتمت : دينتال !
وهب الملك من مكانه ، وقال منفعلاً : الأمير دينتال ؟ أين هو ؟
ورد الحاجب مضطرباً : بالباب ، يا مولاي .
وبدل أن يقول الملك للحاجب كالعادة ” فليدخل ” ، نحّاه عن طريقه ، وأسرع بخطاه الشائخة إلى الباب ، ووراءه أسرعت الملكة ، وإذا الأمير دينتال يقف بالباب ، نافد الصبر ، فحب به قائلاً : أهلاً ومرحباً بك ، أيها الأمير العزيز ال ..
وقاطعه الأمير دينتال متسائلاً : أين الأميرة لايلي ؟ لقد جاءني الإله بوذا ، وطلب مني أن آتي إليها .
ونظر الملك إلى زوجته محرجاً ، لا يدري ماذا يقول ، فقالت الملكة الأم : إنها نائمة ..
ونظر الأمير دينتال إلى الملك ، الذي قال : نعم ، إنها نائمة منذ أن غادرتنا .
فقال الأمير دينتال : خذاني إليها ، أريد أن أراها .
وسارت الملكة الأم ، متجهة إلى غرفة الأميرة لايلي ، وهي تقول : تفضل ، سآخذك إليها .
وسار الأمير دينتال وراءها ، وفي أثرهما سار الملك ، ودخلوا غرفة الأميرة لايلي ، فنهضت المربية العجوز مندهشة ، ووقفت جانباً .
وتوقفت الملكة أمام سرير الأميرة لايلي ، التي كانت مستغرقة في نوم عميق ، وقالت : ها هي الأميرة لايلي ، وهي نائمة منذ حوالي سبع سنوات .
وتقدم الأمير دينتال من الأميرة لايلي ، وانحنى عليها ، ثم قال بصوته الهادىء الدافىء : لايلي .
وعلى الفور ، تحركت رموش الأميرة لايلي ، وسرعان ما فتحت عينيها ، وما إن رأت الأمير دينتال ، حتى تساءلت فرحة : دينتال !
فردّ الأمير دينتال قائلاً : نعم ، دينتال .
واعتدلت الأميرة لايلي ، وقالت : كنتُ أظنّ أنك عدت إلى مملكتك ، في بلاد الفانالا .
فقال الأمير دينتال : لن أعود إلى مملكتي ، إلا وأنتِ معي ، يا لايلي .
ونظرت الأميرة لايلي إلى أبيها ، وقالت : بابا .
وهزّ الملك رأسه مغالباً دموعه ، ولم يتفوه بكلمة ، ونظرت لايلي إلى أمها ، وقالت : ماما .
فقالت الملكة الأم من بين دموعها : سأفرح لفرحك ، أينما كنتِ ، يا عزيزتي لايلي .

27 / 8 / 2016

شاهد أيضاً

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (2)

قرار بمحاولة منه متأخرة، حيث مل الصبر يجازف ليستعيد هيبة البيت، بقي يترقب المشهد عبر …

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمةِ
(1) ذبابة ورجل

إهداء عرفاناً.. إلى الأديب الراحل عبد الهادي الفرطوسي محمد ذبابة ورجل تتجمع الحروف كسرب طيور …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (14)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *