فليحة حسن: لماذا الصورة الشخصية؟

منذ القدم والانسان مولع بالصورة، صورته الشخصية التي تختزل لحظات أو مواقف مرّ بها فنراه يتفنن في تخليدها علي جدران الكهوف والمسلات والاختام وعلي كلّ ما يشير اليه أو يدلل عليه، حتي صارتْ الصورة لدي بعضهم بمثابه الهوية له،
واليوم وبظهور (الفيس بوك) غدتْ الصورة الشخصية هماً شاغلاً لغالبية متصفحي هذا الموقع الاجتماعي الهائل،فلا نكاد نتابع موضوعاً فيه إلا وشخصتْ لنا فيه صورة (شخصية) لناقل هذا الموضوع أو كاتبه، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ بل أن بعضهم اتخذ من صوره الشخصية موضوعاً لنقاشاته مع اصدقائه فما معني الصورة الشخصية ؟
وهل تصلح هذه الصورة لأن تُريني للآخر بوضوح وعلي الدوام؟
بمعني هل صورتي (وانا ابتسم) قادرة علي ان تُخبرمتلقيها بأني مؤسس علم الابتسامة مثلاً؟ أم انها تقول أنا ابتسم بأبدية – متي ما نظرتَ اليّ- اي انها تفرض علي الآخر ابقائي في تلك المنطقة – منطقة الابتسام – متي ما أراد تذكري؟
وهل دورها هنا هو رسم موضوع قار لي،وهل أنا اقوم بفعل الابتسام من أجلي أنا رغبة فيه فقط أم ليتم تذكُري مبتسماً؟
وهل اكملتُ ذلك الفعل وفرغتُ منه الي فعل اخر قد يكون مغايراً تماماً له لحظة انتهائي من التصوير أم ان عدسة المصوّر قد جمّدتني في منتصف ذلك الفعل؟
وهل صورتي تمتلك زمام البرهان علي حقيقتي أنا المتجسد داخلها فعلاً؟
لننظر اذن الي صورنا جميعاً والتي غالباً مانراها تقع تحت يافطة الاختيار، نعم فهي مختارة مني لحظة التصوير، ومختارة من عدسة الكاميرة، ومختارة مني أو من الآخر لحظة الاشهار عنها وأعلانها كبديل جسدي عني أنا الكائن الزائل حضوراً فسيولوجياً الماثل الآن مثولاً صورياً كمحاولة مختزلة للبقاء مدة أطول في الزمن،
اقول لننظر لها ونتسائل لماذا هي بالذات؟
هل لأننا اصبحنا بلا تاريخ شخصي دونها؟
فماطرأ علينا من تحولات كبري بمختلف الأطر الحياتية جعلتنا غير قادرين علي صناعة تاريخ شخصي حقيقي لنا الامر الذي جعلنا نلجأ الي شهادة الصورة وحدها،
فغدتْ الصورة هي المكان الوحيد الصالح لصناعة ذلك التاريخ وبدونا عاجزين عن صناعته خارج صورنا الشخصية،فهل تمتلك الصورة طريقة مثالية يكتب بها الانسان نفسه أو تاريخه؟
اقول إذا اتفق معي بعضهم في ماذهبتُ إليه فما مديات التطابق بيني أنا الجسد الحي خارج صورته، والأنعكاس داخل تلك الصورة سواء أكان ذلك بزمن إلتقاط الصورة أم بما تبعها من زمن؟
والناظر الي صورنا يري فيها جانباً مخيفاً كونها تخفي حقيقة خطيرة هي إننا لانستطيع ان نحتفظ بملامحنا التي تصوّرنا فيها لحظة التصوير الي مابعدها،
مع ذلك نري الكثيرمنّا يتشبث بصورته القديمة وكأنها الوحيدة لديه، فهل هذا عائد الي انعدام الثقة بالصورة الحديثة جداً كونها الوحيدة المالكة لقدرة الأشارة الي ماهو متغير – ماحدث وصار ومابقيّ وتلاشي-؟
أم ان مردّ ذلك راجع الي ان ذلك الشخص يريد الاستمرار بقدامة صورته حاضراً ومقيماً بمعني إنها تصبح المجسد الوحيد لشخصيته زمكانياً فهو لايوجد – في اذهاننا نحن الناظرين له في صورته القديمة تلك – إلا داخل ذلك الاطاربعيداً عن كلّ الامكنة، متشبثاً بلحظة التصوير تلك دوناً عن غيرها من الازمنة، من هنا تبدو علاقته بهذه الصورة مبنية علي الثقة فاذا امكن له هذا الامر صارت علاقته بصورته الحديثة جداً قائمة علي اللاثقة،
فلماذا اصلاً نحتفظ بالصور هل كونها مصل نافع يدرأ عن ذاكرتنا خطر نسيان الراحلين ويبقيهم بعيدين عن فعل الغياب الذي يمارسه الموت، ام هي نوع من التحدي الذي نشهره امام وجه الزمن الساعي ابداً الي تغير ملامحنا بالشيخوخة أو بالمرض؟
والي أي مدي أكون صاد قة حين اقول شعراً:
(وإني سأمضي
فخذْ صورتي… أفضلُ مني
ستبقي دهوراً
ولن يأتي يوماً تموتُ به
ولن تهرم)
أم إن الصور- كما قلت مسبقاً- هي التي تسوّق كدليل علي التاريخ الفعلي في زمن مابعد الحداثة؟؟

شاهد أيضاً

هاتف بشبوش: مَن أضاءَ الكونَ وأعناقَ النساء …

ذات يوم إلتقى العملاقان مخترع الضوء.. الأمريكي ( توماس أديسون ) ومخترع اللؤلؤ.. الياباني ( …

عبد اللطيف الشواف في ذكرياته وانطباعاته
حادثة تموز ١٩٥٨قفزة نحو المجهول
شكيب كاظم

في سنة 2004، تولى من لندن الدكتور علي نجل الأستاذ عبد اللطيف (علي) الشواف، المولود …

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *