الرئيسية » نصوص » رواية » غوليفر وسـط العمـالـقــة
بقلم جوناثان سويفت
ترحمها عن الفرنسية: حسين صدام الفهد

غوليفر وسـط العمـالـقــة
بقلم جوناثان سويفت
ترحمها عن الفرنسية: حسين صدام الفهد

المترجم الأستاذ حسين صدام الفهد

غوليفر وسـط العمـالـقــة

بقلم
(جوناثان سويفت Jonathan Swift )

ترجمت من الفرنسية الى العربية Hussein Saddam Fahad
ترجمة: حسين صدام الفهد

المـــقـــدمــــة
كتب (جوناثان سويفت Jonathan Swift ) الذي ولد في 30/11/1667 في ايرلندا هذه الرواية. وتجدر الإشارة الى أنه قد كتب جميع مؤلفاته باللغة الانكليزية ومن أهمها:
1- (رسائل البزاز Les lettres de drapier) (1742)
2- ( رحلات غوليفر Les voyages de Gulliver ) ( 1726)
جوناثان سويفت كاتبٌ ورجل دين ومؤلفٌ وناشرٌ للكراريس، عُرِف بكتاباته الساخرة التي تندرج تحتها هذه الرواية التي قام بنشرها (بنجامين موت Benjamin Motte ) في لندن عام (1726). أما من ترجمها الى الفرنسية في مدينة لاهاي الهولندية عام (1727) فلا يزال مجهولا. توفي الكاتب في 19/10/ 1745 عن عمر يناهز السابعة والسبعين.

(الفصل الاول)
في أحد أيام شهر نيسان الجميلة عام 1704 عزمت على الرحيل عن انكلترا فركبت على متن قارب شراعي جميل متوجها نحو الهند ومررنا على طول السواحل الافريقية. بدت الرحلة رائعة للغاية وتحملنا الاعاصير التي ضربت مركبنا المتواضع لمدة عشرين يوما واصلنا فيها الابحار من دون توقف. ثم هدأت الرياح والامواج التي كانت تتلاطم وظهرت الشمس قليلا وبدا البحر معتم اللون.
فهتفت قائلا : “أيها القبطان ها قد استقر الطقس من جديد اتمنى أن لا تكون التيارات قد ابعدتنا عن مسارنا ؟ قال القبطان : يا سيد كوليفة انت لا تعرف البحر جيدا هذا ليس سوى هدوء مؤقت يمهد الى اعصار حقيقي ستظهر رياح الجنوب عما قليل وسنحتاج الى مساعدة الله سبحانه وتعالى لكي يخرجنا منها. كان الكابتن على حق فربما ستستمر العاصفة اسبوعاً مما يهدد السفينة بالغرق. فقمت بربط نفسي في المركب وكان البحر يتدفق بصورة غريبة مصحوبا بصوتٍ مخيفٍ. بالفعل اتت رياح تعصف عصفاً قوياً حتى أن الكابتن لم يعد بوسعه السيطرة على السفينة، ولا اعلم هل كان الاعصار هو من يحملنا أم شيء آخر؟
ولما هدأت الرياح لم يستطع الملاحون القدامى على متن السفينة من تحديد المنطقة التي كانت السفينة تُبحر فيها. لحسن الحظ لم نفقد المؤونة ولكننا في الوقت نفسه لم نعد نملك الماء فكان يتحتم علينا ان نبحث عن ماء عذب على ارض اليابسة لكي نملي خزائننا منه.
وفي السادس عشر من حزيران عام 1704 وصلنا الى الارض اليابسة والقينا المرساة عليها وأمر الكابتن ما يقارب أثني عشر رجلاً مجهزاً بالعدة اللازمة ان يلحقوا بنا الى الساحل في قوارب الانقاذ لجلب الماء الصالح للشرب، فاستأذنت من القبطان أن ارافقهم للتعرف على البلد واستكشاف ما يمكن استكشافه. ولما وصلت الى اليابسة مع الاخرين لم نجد نهرا أو ينبوعا كي نورد منه الماء ولا حتى اثر للسكان. ظل الجميع يبحث عن الماء في أماكن اخرى اما انا فكنت امشي بمفردي باتجاه معاكس وما جذب انتباهي أن البلاد كانت قاحلة لا نبات فيها، وشيئاً فشيئاً انهكني التعب فقفلت راجعاً متثاقل الخطى باتجاه قارب الانقاذ. وبينما كنت أسير، رأيت على بعد خمسمائة متر البحارة الاثني عشر يركضون مثل المجانين نحو القارب مندفعين بكل قواهم باتجاه البحر وتركوني لوحدي !
بينما كنت اهم بمناداتهم لأسألهم لماذا يركضون رأيت رجلاً غريب الهيئة ضخم الجهة كالبرج يطاردهم في البحر ويخطو بخطى واسعة. عندها توقفت عن الكلام ولكن هل امسك هذا العملاق بالقارب ؟ هذا ما لم اعرفه قط لأني من شدة الخوف أسرعت في الهرب الى داخل اليابسة.
صعدت التل بسرعة وفكرت مليا في هذا البلد الغريب. فقد تكون هذه المنطقة من الغابات ذات الاشجار الكبيرة المرتفعة ولكن ما نوع هذه الاشجار ؟ فعرفت أنها سنابل القمح ! ولكن كيف يمكن لسنابل القمح أن تكون بهذا الارتفاع ؟ حينها تذكرت العملاق الذي رأيته يركض على ضفة الشاطئ فأيقنت أني في بلد العمالقة ! وحدي بين كل هؤلاء الوحوش فكيف سيكون المستقبل معهم ؟

( الفصل الثاني )
لم يكن أمامي سوى أن أكرر السؤال ذاته على نفسي. استمر هذا الحال مدةً من الوقت لأن اصوات الذين كانوا بقربي ما تزال تزن بقوةٍ في أذنيَ حتى كادت تثقبهما. شعرت بالهلع فأسرعت هارباً أبحث عن مخبأ لي بين سنابل الحنطة التي كانت اطول مني بأربع مرات تقريبا. أظن أن أحداً لن ينتبه إلى وجودي هناك. دفعتني رؤيتي لعملاق إلى البحث عن بعض الحفر للاختباء فيها. كان العملاق طويلاً مثل الرجل الذي رأيته يجري وراء القارب. كان طوله يبعث على العجب مثل برج الاجراس، فأطلقت العنان لأقدامي، ركضت وركضت ولم أفكر كثيرا بما يمكنني فعله وسرت رعشةً في جسمي كله لخشيتي من وقوعي بيد العملاق. في تلك اللحظة سمعته يصيح بصوتٍ ثاقب رنان حسبت أنه صوت الرعد. لحظت أن سبعة من أمثاله بدأوا بالسير متقاربين وفي يد كل واحد منهم منجل كبير. أما العملاق الذي صاح في بادئ الامر فيبدو انه كان الأعلى مقاماً بينهم ويخال لي أنه قد قال لهم شيئا ما. اقترب الخدم نحو الحقل الذي كنت اختبئ فيه واخذوا بجز السنابل فابتعدت على قدر ما أستطيع عنهم وتساءلت فيما اذا كان الهروب منهم ممكناً. ألا إنني، في الواقع، لم اتمكن من أن اخطو خطوة واحدة اخرى.
شكلت سيقان القمح المتشابكة سورا أمامي يتعذر عليَ عبوره. وبينما أنا في مخبئي، كنت اراقب الحاصدين وهم يتوافدون إلى المكان وأنا على ثقة أن الأمر لن يستغرق طويلاً حتى سيجدونني: ما الذي يمكن توقعه من هؤلاء العمالقة؟.
اقترب احد الحصاد مني وكانت قدمه اليسرى كبيرة بحجم منزلٍ. وكان الحاصد يرفع قدميه لأنه كان يخشى على سنابل القمح ان تنسحق تحتهما. صرخت بأعلى صوتي فتوقف العملاق متلفتاً حوله ومصخياً السمع، وما هي إلا لحظات حتى عثر علي فنظر إلي نظرةً تشبه نظرته لحيوانٍ مفترسٍ. مد العملاق يداه ومسكني بإبهامه وسبابته. ثم رفعني إلى مستوى عينيه وباشر بتفحصي عن قرب، ففضلت أن لا أجادله لأني خمنت أن بقدرتي الافلات منه، فسارعت إلى عضه، فسقطت من الاعلى لكنه أمسك بي مرة اخرى وعندها توسلت اليه أن لا يؤذيني.

فاندهش الحصاد للحركة التي ابديتها حين توسلت اليه. وكان اكثر ما يدهشه هو أنني كنت اتكلم فوضعني على كف يديه، ثم ركض نحو سيده الذي كان اول عملاق رأيته في الحقل. وبعد حديث مقتضب بينهما، أخذ السيد عصا ورفع بها سترتي، ثم نادى الخدم وسألهم فيما اذا كانوا قد رأوا مخلوقاً مثلي في الحقل؟ فوضعني على الارض واخذت امشي ببطء ذهابا وايابا لكي ابين للعمالقة أني لا افكر بالهرب. جلسوا حولي على شكل دائرة لكي يراقبوا حركاتي فنزعت قبعتي وسلمت على السيد بصوتٍ مرتفعٍ للغاية لكي يتمكن من سماعي.
طلبت منه أن أحل ضيفاً عليه، ولكنه لم يفهم قولي، على ما يبدو. ثم اخرجت من كيس نقودي ست قطع ذهبية كنت احتفظ بها ووضعتها في كف السيد، فاقترب مني كي يرى عن كثبٍ ماذا كان في يدي، وظل يقلب قطع النقود دون أن يعرف ما هي وفي نهاية المطاف اشار لي اشارة فهمت منها أنه يطلب مني أن أرجع النقود في الكيس. مما تقدم فهم السيد أني مخلوق لطيف وحاول ان يكلمني لكن صوته كان يزعجني فأجبته بصوتٍ عالٍ باللغات كلها التي كنت اعرفها ولكن دون جدوى إذ تعذر علينا فهم بعضنا بعضا.
ارسل السيد خدمه الى الحقل ثانيةً، ثم اخرج منديله من جيبه ثم طواه بعد أن وضعني في داخله وغلفني. يبدو أنه نقلني الى منزله لأننا عندما وصلنا الى البيت نادى زوجته ليعرضني عليها فصرخت كالنساء اللواتي يصرخن عندما يشاهدن العنكبوت ولكن شيئا فشيئا اخذ الخوف يتلاشى وبدأت تنظر لي بإمعان وبدأت تحبني بفيض من الحنين.
وفي ساعة الغداء اجتمعت العائلة وكان المزارع وزوجته يحيطون اطفالهم الثلاثة بعدما تركني على الطاولة. وجدت نفسي على ارتفاع خمسة امتار عن الارض فشعرت بالخوف لأني كنت اخشى السقوط من اعلى الطاولة. أما زوجة المزارع فقد قطعت لي قطعة من اللحم والخبز داخل اناء ووضعته امامي وشعرت باني كنت في مضيفي فأخذت بالأكل والشرب بذراعي الاثنين ولكني وجدت مشقة في ذلك، ورفعت القدح وشربت بصحة الضيافة وعندها فرح الجميع وضحكوا بسرور لأني قمت بكل ذلك دون أن أنطق كلمة واحدةً.
وبعد الانتهاء من الوجبة مشيت على طاولة الطعام فمسكني ابن السيد الذي يبلغ من العمر عشر سنوات من ساقي ورماني في الهواء وتلقفني عندما سقطت من الاعلى فقلت هذا أمر مستحيل وانا ارتعد من الخوف فأخذني المزارع من يد ابنه وصفعه فخشيت أن يكن لي العداوة. كلنا نعلم بانه ممن الممكن ان يكون الاولاد الصغار شرسين مع العصافير الصغيرة والكلاب الصغيرة والقطط الصغار فتقدمت نحو الولد وقبلت يداه فداعبني فشعرت حينها باني قد كسبت صديقا جديدا.
سمعت خلفي ضجة مخيفة فاستدرت ولاحظت قطة سوداء كبيرة تقدر بحجم ثيراننا. كانت تمكث على مفصل المرأة المزارعة التي كانت تداعبها. رمقتني القطة بنظرةٍ عميقةٍ لكنها حولت انظارها سريعاً عني ولم تعد تهتم بأمري فشعرت حينها أنه طالما السيد يهتم بي فأن حيوانات الحقل سوف لن تتجرأ على مهاجمتي. في عصر ذلك اليوم خرج السيد ليتابع عماله في المزرعة وحمل زوجته مسؤولية رعايتي والعناية بي أما انا فقد وجدت نفسي متعباً فأعدت لي سريراً صغيراً ثم أسرعت في تغطيتي بمنديل كان اوسع من الشراع الذي نستخدمه في سفننا الحربية وبسبب التعب الشديد نمت على الفور.
( الفصل الثالث )
كان لدى المزارعة فتاة تبلغ من العمر تسع سنوات قد اهتمت بي في اليوم التالي واخذتني ووضعتني في سرير دميتها ثم اعدت لي ملابس جديدة. لقد كانت بمنزلة استاذة لي لأنها علمتني لغة البلد وجعلتني افهم لغة العمالقة بسرعة فائقة. كانت تسمى الفتاة كلومدال ولم افترق عنها قط وكنا معاً من افضل الاصدقاء في العالم ولحد الان تدمع عيناي عندما افكر بها.
انهمكنا في الحديث عني وعن الجيران، أما ارباب الحقول فكانوا يجتمعون في منزل السيد لكي يتعرفون علي ويحبوني. كان ينبغي لي أن أودي دور المهرج في السيرك امام حشد كبير من الحضور في المساء . كنت امشي على الطاولة وألوح بسيفي وألقي التحايا يميناً وشمالاً وكنت أسألهم عن صحتهم وكان الحضور كلهم فرحين ومذهولين لما يرونه.
أخذت هذه التجمعات تزداد شيئا فشيئا حتى خطر للسيد فكرة ان يعرضني للبيع في سوق المدينة المجاورة مقابل مبلغ مالي فشعرت بالكثير من الخجل جراء ذلك العمل ولكن هل بإمكاني أن ارفض ذلك ؟
قام السيد بنقلي داخل صندوق مثقب ببعض الثقوب لكي يتسنى للهواء ان يدخل وقد كان ذلك اسوء من ان اجد نفسي على متن القارب الذي كان الاعصار يتلاقفه.
وعندما حل الظلام توقفنا في فندق واعلن السيد الى الاخرين بانه سيكون هناك مشهد في الغد وهذا المشهد سيكون فريداً من نوعه عند الساعة الثامنة صباحا. كان سكان القرية يطرقون باب الفندق لكن سيدي حدد عدد الحضور بثلاثين شخصاً في داخل الصالة. خرجت من داخل الصندوق ووقفت على الطاولة وسلمت على المشاهدين.
كانت كلومدال تطرح علي اسئلة كانت تعلم جيدا اني استطيع الاجابة عنها، وكنت اتحدث بصوتٍ مرتفعٍ جدا كي يسمعني المشاهدين. كان ينبغي على أن اعيد أداء العرض أمام كل مجموعة من الحضور وان اقوم بالحركات البهلوانية ذاتها وفي نهاية النهار كنت أشعر بالتعب والأرهاق وكنت في حاجة إلى ثلاثة ايام من الراحة لكي استعيد طاقتي.
أما السيد كان يعد النقود التي حصل عليها فقرر ان يقدمني في المدن الكبرى للمملكة بعد شهرين من وصولي الى جزيرة العمالقة فذهبنا انا والسيد وكلومدال الى عاصمة جزيرة العمالقة.
أستمرت سفرتنا عشرة اسابيع وغالبا ما كانت كلومدال تخرجني من الصندوق لكي تسمح لي باستنشاق الهواء والنظر الى الطبيعة وتوقفنا في ثماني عشرة مدينة كبيرة وثمانين قرية واربع عشرة قلعة.
وصلنا الى العاصمة في شهر تشرين الاول استأجر فيها سيدي صالة واسعة كنت اقدم فيها عشرة عروض في اليوم الواحد وكان المتفرجون يفرحون كثيرا عندما اصعد على الطاولة واقدم عرضي ولكني كنت متعباً جدا وأشعر أن قواي خائرة. ويوم بعد يوم اخذت حالتي الصحية تزداد تدهوراً فاعتقد سيدي باني سوف اموت عما قريب. لذلك قرر ان يستفاد مني على قدر المستطاع فزاد عدد العروض اليومية. فهل كان ينبغي على ان انهي حياتي وانا اؤدي دور البهلوان ؟

( الفصل الرابع )
انتهت مأساتي ومعاناتي حالما طلب الملك والملكة رؤيتي. فقادوني الى القصر ورحبت الملكة بي وفرحت عندما شاهدتني بهذه الهيئة صغيرة الحجم بالنسبة لهم. وكانت في غاية السرور لرؤيتي فسألتني هل اذا سأكون سعيداً بالعيش في البلاط معهم فأجبتها :
– يا جلالة الملكة صحيح انا عبد سيدي ولكني كنت حرا معه وسأكون فخوراً بتكريس حياتي لخدمتك.
فطلبت الاميرة، بناءً على ذلك، من سيدي أن يبيعني اليها فوافق في الحال لأنه كان يحسب أني كنت سأموت فباعني الى الملكة مقابل الف قطعة ذهبية.
سألت كلومدال هل ستحفظ ذكراي في قلبها؟ فأكدت لي ذلك وهذا ما ساعدني على الموافقة بكل سهولة.

أمرت الملكة النجار أن يصنع لي صندوقاً فخماً يمكن أن اتخذه غرفةً لي. أعدَ هذا الصانع الماهر لي كرسيين وطاولة ودولاب كي احفظ فيه مستلزماتي ووضع على باب غرفتي قفل صلب جدا لمنع الفئران من الدخول إليها. واوصت الملكة بأغلى متاع الحرير كي تصنع لي منه الملابس. فرحت كثيرا الملكة لرفقتي فلم تعد تطيق تناول طعامها من دوني؛ وكانت عندي طاولة متحركة كنت اضعها على طاولة الملكة عند تناول الطعام. كانت حياتي رائعة في ذلك المكان حيث اكلت ما لذ وطاب واسترحت قدر ما أمكنني. فاخذت استجمع قواي شيئا فشيئا وشعرت بان حالتي الصحية مستقرة ولكنت اكثر سعادة لولا قصر قامتي لأني كنت مهدداً بكل لحظة بألاف المخاطر. في سبيل المثال لا الحصر:
في ذات يوم كنت اتنزه في حديقة القصر تحت ظلال غصون شجر التفاح فسقطت علي تفاحة بسبب الرياح فصرعتني على الارض ولم أصب سوى بجراح خفيفة. ولم يقتصر الأمر على الرياح، إذ كانت العصافير تهاجمني بين الحين والآخر وكان ينبغي لي أن ادافع عن نفسي بسيفي.
وأخطر ما واجهته في هذا القصر هو القرد الذي كان يعود الى أحد الطباخين. في أحد الأيام وبينما كنت مستغرقا بالنوم شعرت بأيدي كبيرة تشدني من جسمي وترفعني الى الاعلى فاستيقظت بسرعة فعرفت أن القرد الكبير هو الذي شدني الى صدره. أخذ يداعبني كما نداعب القطة الصغيرة وفي تلك اللحظة انفتح الباب بسرعة فخاف القرد وقفز من الشباك وتسلق سقف القصر شعرت بكلومدال تصرخ في اللحظة التي خطفني فيها. عم الذعر والهلع ارجاء القصر كافة، فأخذ الخدم يركضون للبحث عن سلالم صغيرة وأستطاع المئات من الناس رؤية القرد الذي كان يركض أعلى السقف القصر وهو يمسكني كالطفل الصغير بين ذراعيه. يتعذر، في الواقع، وصف الشعور بالخوف الذي استبد بي. وبعد أن وضعوا السلالم على الجدران لحظ القرد أنه محاصر من الجوانب كلها فتعذر عليه التنقل على قدميه بالسرعة المطلوبة فتركني معلقاً على بعد سنتمترين. شعرت بدوار حينها ولحسن الحظ لم تمر سوى لحظات حتى وصل ولد شجاع لاغاثتي. أما القرد فقد قتلوه ومنع الملك دخول الحيوانات الكبيرة الى داخل القصر. بدأ هذا الهلع تلاشى شعوري بالهلع تدريجيا بعدما بدأت الحياة في التكرم عليَ ببعض من الافراح. كنت اجلس بالقرب من الملك مرة أو مرتين في الاسبوع وكنت ضيفاً دائماً في الحفلات الكثيرة التي كان الملك يقيمها. كانت الموسيقى تصدح عالياً في المكان، ولم أكن أتحمل ذلك، ولذا وضعت صندوقي وسط الصالة وأغلقت الابواب والشبابيك جميعاً فخفت الصوت إلى حدٍ جعلني استمتع بالاستماع إليه.
كنت بين الحين والآخر أقضي ساعات طويلة في الحديث مع الملك الذي كان مثقفاً ولديه معلومات كثيرة في علوم ومعارف شتى منها التاريخ والرياضيات وكان إمكانه نظم قصائد رائعة كذلك. سألته عن انكلترا واروبا وكان بدوره يسألني عن الكثير من الأمور أهمها بلدي وكنت اجيبه على قدر استطاعتي. شعرت بسعادة بالغة لنيلي شرف صداقته.
وكان في القصر مكتبة كنت اقضي فيها ساعات طويلة في المطالعة والقراءة. أعطاني احد الخدم كتاباً مفتوحاً باتجاه الحائط فصعدت على احد كراسي المطبخ واستدرت نحو الكتاب ومن ثم بدأت اقرأ فيه من اعلى الصفحة بالتتابع أول بأول. وعندما كنت انتهي من القراءة كنت أنزل على دواسات الكرسي زحفا الى أن اصل الى الارض ومن ثم احرك الكرسي واصعد فيه مرة اخرى كي اقرئ الصفحة التالية………
وعلى الرغم من المحبة التي شملني فيها جميع من في القصر، ألا إنني لم انس عائلتي وبلدي قط وكانت ذكراهم تلازمني طوال الوقت. كانت أرغب بشدة في أن أعيش بين أناس استطيع التحدث أليهم على قدم المساواة وكنت اريد ان اسير في الشوارع دون مخاطر. ولكن كيف لي أن استعيد حريتي ثانيةً ؟
وكثيرا ماكنت أتوسل وأصلي الى الله سبحانه وتعالى داعيا اياه ان يساعدني على تحقيق مبتغاي.
( الفصل الخامس )
منذ سنتين وانا في جزيرة العمالقة وفي السنة الثالثة قرر الملك والملكة الذهاب الى الشاطئ الذي يقع في إلى الجنوب من قريتهم وكان هذا شيء مألوفاً لهم. كنا انا و كلومدال نتبعهم فقد وضعوني في داخل صندوق محمول.
كنت في غاية الشوق لرؤية المحيط لأنه الوسيلة الوحيدة التي تمكنني من الهرب من جزيرة العمالقة. في أحد الأيام، مرضت حبيبتي اللطيفة كلومدال مريضة التي كانت ترافقني الى ساحل الشاطئ. فقرروا ان يرافقني الخادم هذه المرة. سوف لن انسى ابدا نظرة كلومدال عندما قلت لها وداعا فقد احتضنتني وقبلتني بقوة وحتى انها بكت بكاءً مراً كأنها كانت تعلم ما سيحدث.
حمل الخادم صندوقي حتى وصلنا الى الساحل الذي كان يبعد عن القصر مسافة نصف ساعة سيرا على الاقدام. طلبت من الخادم أن يضع غرفتي على الصخور كي استطيع مشاهدة البحر وتأمله بحريةٍ. وكنت عندما أشعر بأني لست على مايرام أخذ قسطا من الراحة و أنام على صوت الامواج. وبينما أنا مستغرق في النوم، أبتعد الخادم عني كي يبحث عن بيوض العصافير بين الصخور. ولم اعرف كم من الوقت مضى وانا في هذه الحالة ولكني استيقظت فجأة بسبب ارتجاج سقف الصندوقي وخال لي أن الشاطئ قد جرفني معه بعيداً.
شعرت حينها أن الصندوق الذي كنت فيه كان يرتفع الى الاعلى ويسير بسرعة عالية جدا فصرخت بصوتٍ عالٍ طالبا النجدة بكل قواي ولكن دون جدوى فنظرت من النافذة فلم ار سوى البحر والسماء أما الارض فقد اختفت. وحينئذ سمعت ضوضاء من اعلى رأسي تشبه صوت الاجنحة عندما ترفرف وعندها فهمت ما كان يحصل : إنه نسر كان يمسك برجليه حلقة صندوقي الذي ارتفع عن الارض وبقي معلقاً في الهواء مدة ساعة تقريباً.
وفجأة شعرت أني اسقط وان سقوطي كان عامودياً وسريعاً للغاية ربما لأن النسر قد تعب من حمل الصندوق. كان السقوط من السرعة بحيث انني لم استطيع التنفس ولم يكن حتى عندي الوقت الكافي للشعور بالخوف. فهل كان الصندوق يهبط نحو قعر المحيط؟ أم هل ان قدري ان اموت غرقا داخل هذه العلبة ؟ حينها تسلل ضوء الى داخل الصندوق استقر طافياً على سطح البحر فشكرت الله سبحانه وتعالى على انقاذه لي. فوجدت نفسي وحيدا في وسط محيط لا نهاية له وأدركت أني إذا لم اتدبر أمري، فسوف اموت من الجوع والعطش والبرد، فتمنيت عندها أن اكون بالقرب من عزيزتي كولومدال وتذكرت الحنان الذي كانت تغمرني به.
تجاهلت هذه الأفكار سريعاً، إذ كان لا بد لي من التفكير بنفسي أولاً لأن الصندوق كان يغير اتجاهه بسبب الامواج. بقيت جالسا على سريري لمدة اربع ساعات وكنت يائسا وانتظر نهاية كل لحظة. فجأة تناهى إلى سمعي اصوات من على السقف، فخمنت أن أحداً قد سحب الصندوق، ولكن من فعل ذلك؟ لا أعرف صرخت حينها بصوتٍ مرتفع بجميع اللغات التي كنت اعرفها ولكني لم اتلق اجابة. ومن ثم اصطدم صندوقي بقوةٍ بعائقٍ لم أدر أن كان صخرة ام شيئاً آخر؟ كلا، لم يكن صخرة، هذا أمر مؤكد، لأني سمعت صوت اقدام على سقف غرفتي. اذن هو رجل بحجمي كان يوجد فوق رأسي فأخذت بالصياح وهذه المرة تلقيت الاجابة فاذا بصوت يجيبني باللغة الانكليزية
” اذا كان احد ما في الداخل فليتكلم”
وانا بدوري بدأت اتحدث اليه ففهمت بأن صندوقي كان قد ربط بسفينة وان النجار قد ثقب ثقباً في الصندوق كي استطيع الخروج منه فأجبته في الحال :
“ليس من الضروري ثقب الصندوق ارفعوا صندوقي عن طريق الحلقة ومن ثم اسحبوني من الماء”
ضج المكان بضحكات مرتفعة حينها لأن الملاحين ظنوا أني مجنون بسبب الظروف الصعبة التي مررت بها.
وحالما خرجت من الصندوق امطروني بوابلٍ من الاسئلة لكني لم أجرؤ على الاجابة من شدة الخوف وفي الواقع اعتدت كثيرا على رؤية العمالقة بحيث اني اصبحت ارى الرجال الاعتياديين اناس اقزام.
كنت متعباً للغاية فطلبت من القبطان سريرا لكي انام فيه وأردت تفريغ غرفتي من الاشياء التي كانت فيها. فقط الاشياء التي تقدم دليلاً عن جزيرة العمالقة. استيقظت من نومي بعد ليلةٍ كانت فيها الكوابيس تسرح وتمرح فقصصت مغامرتي على قبطان السفينة.
في بادئ الامر تردد القبطان في تصديقي وظن فيَ الخبل وحتى انه سألني قائلا :
– ’’ أي جريمة ارتكبتها لكي تحاول الهرب منها في البحر في داخل قفص عائم؟’’
فلم يصدقني القبطان الا عندما اخرجت له بعض الحاجيات من غرفتي مثل الدبوس الكبير الذ كان يشبه سيوفنا وضرس عملاق قلعه عن طريق الخطأ طبيب اسنان احمق لاحد خدام القصر وكذلك الحلقة الذهبية التي قدمتها الاميرة لي فقد كنت احملها كالقلادة، واشياء كثيرة اخرى كنت احتفظ بها. فرحت عندما عرفت ان السفينة متجهة مباشرة الى انكلترا. تمت رحلة العودة في ظروف رائعة وكان هذا في ربيع عام 1708 وبعد مرور اربع سنوات على رحيلي ها انا الان قد اجتمع شملي ببلدي وعائلتي واصدقائي. أما الان فلا بد من أن أروي قصة مغامرتي الغريبة الى اطفالي الصغار الذين كانوا متجمعين امام المدفئة. فأن بالتأكيد هذا الامر يضايقني قليلا عندما اتذكر كلومدال وكل اصدقائي في جزيرة العمالقة وكانت سلسلة افكاري تنقطع غالبا عندما اقول :
– ’’حقا كانوا كباراً كبرج الجرس’’
فيقول الاطفال :- هل هؤلاء الرجال اجدادنا ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *