الرئيسية » ملفات » كاظم الحلّاق : ذات مساء قريب (ملف/28)

كاظم الحلّاق : ذات مساء قريب (ملف/28)

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

ذات مساء قريب
كاظم الحلّاق

-1-
الغيوم الرمادية تجري في سهول السماء. تتباطأ فوق المبنى المتناثر القاعات فتمزّقها بروق من النار، تُضاعف الوميض من حولنا، وتُشعل الأسى المتدفّق في عيون الناس وهم يدرجون أشباحاً تطردهم الريح من جوف الأقسام المتراجعة خلفهم.
كانوا يتأوهون في الساحة الترابية المنعزلة ثم يرحلون بمستطيلات الحبر التي وشمت معاصمهم، بينما الطريق الرملي يتكسّر بأحذية الحراس المتوغلين داخل الأرض المسوّرة مثل لحن نازف يتشظّى مختلطا بأحاديثهم الساخرة عن الحيطان الحمر المدوخة والثعابين الضخمة الملتفّة على الأعناق. دخلنا في بناية أحد الممرات، كان الظلام يدخل جسدي، ثمة صرخات تتردد بضع ثوان ثم تصمت تاركة أصداءها الموجوعة تندغم بأصوات آمرة تعلو بين سعال متقطّع أجش، فتتثاقل قدماي ويلتف الدوار.
كأفعى حول العينين.. ها هم يمسكون بذراعي وأمضي خفيفا بين الخطوات، على مقربة من اليسار، تتقدم الصرخات مرة أخرى لتنشعب باتجاهات عديدة مخلّفة نبراتها تسقط على هيكل ضخم يجلس وحيدا في الظلمة، بدا مثل العملاق بأطرافه الهائلة وعينيه المشعّتين من بين صرامة ملامحه.. فتباغتني رعشة حمى مسمومة تدهم مخيلتي وترود للحظات على جسدي.. تتركني جثة متصدّعة بين أقدام متداخلة.. هنالك بصيص ضوء يتأجج بين رماد الروح.. فأتكور على نفسي لأطارد شبح ذكرى هزيلة يتّضح عند عطفة الطريق التي مررنا من خلالها (ثمة رجل سخامي اللون، ذو جثة ثقيلة بأنف مجدور، يجلس إلى مائدة خشب متداعية.. يمسك قنينة عرق ويحتسي.. وإلى جانبه مجموعة رجال بعباءات قرمزية يتفرّسون بوجهه، ما أن يومئ إليهم بإشارات جذلى، حتى يظهر من خلفهم شبان بعيون معصوبة وظهور محدودبة.. يصرخون بكلمات تكثّف الظلام بعينيّ الرجل المجدور فيتطاير لعابه المخمور مثل وحش يجلد الأجساد المتخبّطة ببعضها فوق أرضية الممر المتسخة).
لبثتُ فترة أستبين العلاقة بين الأجساد المنقادة والرجل الذي لا يني يكرع، إلا أنني سرعان ما جفلتُ حين صرّ الباب واندفعت الرائحة تهاجم الكتل المطأطئة والمحدقة في سواد القائمة التي راح صاحبها يقرأ بعض الأسماء. شعرتُ أنّ قلبي توقّف وأنني واقع في فضاء العدم.

-2-
كان الضوء ينسحب حين خرج الرجل بصحبة بعض الحراس مدققا ما تبقى في القائمة مع الآخرين الذين يرتجفون في أحلام متقطّعة، عدا شاب يجلس إلى جواري، محدّثًا إيّاي بكلمات مفككة بدت مثل هلوسات تُسمع بين الغرف المجاورة، ((أنظر إلى أطيافهم إنها تتعثّر في الظلام.. أنظر إلى أفواه الجدران إنها تتربص بأجسادنا المتوارية.. سنلحد مساء أحدٍ أو أربعاءٍ.. لم أعد أحتمل حمرتها الدامية.. إنها تنخر دماغي تُحيله إلى صندوق أجوف محشوٍ بالصرخات.. أمنها يشرب الرجل خمرته.. يمزجها بزبد الصرخات وهو يوثق الحبال حول الأعناق.. ثم يجيء كعادته في المساء يعوي بقائمته بين القاعات..)).
ــ أجلس أرجوك.. أجلس يا عزيزي، دعنا نعيش أحلامنا المتبقية…
((أية كوابيس قادمة.. سخافات.. رائحة الخمرة المنبعثة من فم الرجل.. قائمته المثقلة بالغياب.. أين ذهب بأجسادهم في الظلام؟ أرجوك تكلم.. أين؟ أين.. أيـ.. أيــــــــ..ن)) وتوجه مدوما بين نوبات من الهذيانات المتلاحقة وهو يعانق مساحات الإسمنت الفارغة، كأنه شبح سيبتلعه باطن الأرض.. فأزوغ عنه بعينيّ المذهولتين.. متحاشيا قرمزيتها الناشطة… وددتُ لو أغطّي عينيّ بستار من الحديد، لو أنزع ثيابي كلّها وأكبّرها آلاف المرات لأحجب حمرتها المتناسلة في العيون.. إلا أنّ ذهني المستفز يأرجح إليّ عوالم من الماضي تطوف تطوف بكلّ ألقها بين طيّات الذاكرة.. فيطلّ جسد أمي المهزول بنظراتها الكابية ودبيب قدميها الذي يطعن القلب وهي تنسلّ عند حلول الظلام بعباءتها القصيرة خافية قدرها المسخّم تحت الثياب، ثم تدور وتدور وتدور على الواجهات التي أوشكت أنْ تغلق أبوابها لتأخذ فضلات المرق المتبقية في الصحون إلى الأخوة الممسوسين، أيمكن للجنون أنْ يذهلني.. أيمكنه أن يطاردني ببصمات لا فكاك منها حتى في مدن البلاد البعيدة.. تمنيتُ لو أعيش على مصطبة عارية في المحطات التي احتضنت نطفة تشرّدي في بلغراد واليونان.. لو أنهار في أحضان كنيسة موحشة في روما أو سويسرا أو في أيّما مكان.. لو أبقى هكذا في عربة مغادرة إلى المجهول، لو.. لو.. لو….
تأرجحت الذكريات مع الشخير المتقطّع المنبعث من بين الثياب البنية الموحدة.. فيُخيل إليّ وأنا أنظر إلى الوجوه المستسلمة، بأن الزمن قد تجلّط، لا جدوى في استرجاع نبض اللحظات المنصرمة.

-3-
كان الأكثرية يتوارون على شكل دفعات، أمّا الذين يتأخرون لأسباب غامضة، يظلون يصارعون هلاوسهم، بيد أنّ عقولهم سرعان ما تُنهك فيقعون فرائس للبوح بأحلامهم.. فننط إليهم لنمسك أيديهم مغطين عيونهم بقمصاننا فيصيحون، ((آه.. آه ابعدوا الثعابين الملتفة على أعناقنا.. ها نحن نموت.. نختنق.. نموت.. نمــو.. نمـــووووت..)) ضاربين رؤوسهم بالجدران.. فتتدفّق الدماء من جباههم، أو يسمع تكسّر العظام المكتوم.. أما جاري الشاب أخذ يستيقظ بعد منتصف الليل، أو بعد الظهيرة، منسلًا بجسده الصغير ليقف بمحاذاة النوافذ المردومة بالحجر ليقول: ((أيتها المويجات المبحرة إلى سماء الله احمليني بين جناحيك لأرى عيون الأصحاب الذين ذهبوا.. الموتى المنكمشون في ظلام الطرقات.. سوف يشعلون ظلام النهارات.. الرجال المهزولون يتشممون خراء المزابل، أو يتناولون غداءهم قرب الجثث الحافية فوق الإسفلت)) وبين حين وآخر يقترب من مستطيل القضبان ليكلّم أشخاصا وهميين في الغرف المجاورة شاتما كلّ ما يرد على طرف لسانه من أماكن وأسماء.. فتجمّع الحراس بعصيّهم الغليظة، نهضتُ لأهدأه، لكنه استمرّ فانهالوا عليه بالضرب ماسخين إياه جثة دامية، فأمروني وشخصا آخر بنقله إلى غرفة التضميد.

-4-
في هدأة المساء أركناه إلى باب الغرفة المنغلق.. الضوء يترنح في الصمت الذي تتخلله أصوات بصاق متقطّع.. صاحبي ملّ الوقوف فتركني جوار الشاب، أصيغ السمع علّني أسمع استغاثة، أو نأمة تستنفر ضربات قلبي فيدهمني البصاق مرة ثانية ممتزجا بصرير عربات تقترب.. ما الذي سيأتي يا ترى مصاحبا للسعال؟ أتنحّى مسافة قليلة.. تفوح روائح سوائل متخثرة.. فكرّتُ لو ألقي نظرة لأراهم كيف يبدون بعد أن تصمت ضربات قلوبهم.. فيخيل إليّ أنني أسير في طريق تحفها أشجار يوكالبتوس مجذوذة الأطراف.. وهناك رجل فارع الطول بشفة غليظة تتهدل على حنكه، يقف بجوار بحيرة قار مغلي، تحيطه فتيات عاريات على فراش وثير ما أن يهم بإنهاء وطره معهن، حتى تبرز من خلفه وجوه مروّعة بمحاجر فارغة تتخبط في تعمية الأبخرة، فيمد يده إليها ليغطسها، ممددًا ساقيه بجسده العاري على الفراش الوثير، فإذا ما بلغ الذروة، ظهرت تحرث باندفاقات دمائها المتيبسة في وجه المذعور.. كدتُ أنهار وأنا ما زلت أتشمم رائحة القار… ها هم محمولين فوق نقالات تلوّثها عصارات قيء، فيما تدلّتْ أيديهم المنتفخة على الأذرع المهتزة.

-5-
كان المصاحبون لهم يرتدون ملابس هجينة وهم يسيرون بمحاذاة الرجل المخمور.. عيونهم تتفرس الوجوه التي شحبتْ ألوانها. وحين يتقدّم أحدهم ليدخل الشاب تبدو سطوة جسده قاسية وهو يحدث أصحابه بكلمات مبتورة.. المكان يغوص بالصمت.. قلبي ينتفض.. الرجال يدفعون الجثث على باطن الغرفة.. أتلفّتُ في الفراغ خشية أن يراني أحد.. أحسستُ نفسي مدفوعا بآلاف الأصابع الخفية.
قبالة النافذة..أنظر.. هناك أسرّة خفيفة مكسوة بالجلد تبيّنُ من بينها مائدة مغطاة بشرشف أبيض توزّعت فوقها قناني معقمات (يود، كحول، فينول، مواد مطهرة أخرى) أخذت روائحها تنتشر في ضوء النيونات المعلقة.. كانت حركاتهم وهم يحرفون وجوه الموتى مدربة، لم يمرّ إلا وقت قصير حتى التهبت المعقمات تفغم الهواء.. الأيدي تغرق العيون بالسوائل، راحت بعدها الأصابع تزرق الوجنات بأبر صغيرة كانت موضوعة في إناء منقوع بالمطهّرات.. بدت العيون مفتوحة على أشد اتساعها وبرزت الحدقات لامعة خلل الأجفان.. امتدت الأصابع مرة ثانية تهبط تحت كرات العيون لتنزعها من الخيوط الحمر.. خلال دقائق معدودة اكتظّ باطن الإناء بعشرات الأجسام النازفة.. اجتاحتني رجفة بالغة.. هممتُ أنْ أصرخ بأعلى صوتي وأنا أرقب الشاب متمددًا بجوار الأجساد وقد صفوا بمحاجرهم تحت الضوء، لكن لساني قطعة رصاص بين فكين مشلولتين، فقفلتُ مدوّمًا.. بينما هي تتلامع بحمرتها في كلّ مكان / فوق بلاطات القاعة / السقف / النوافذ / الأفرشة / الأقفال/ عطفات الممر/ كلّها تهمي عيون منزوعة تتناسل بين حمرة الجدران الوطيئة.

-6-
كلّ فرد منّا يعرف أن مصيرا فاجعا ينتظره في مساء قريب، فحينما يغادرنا بعض النزلاء نقبّل بعضنا، مستجيرين بملابسهم المنزوعة عند رؤوسنا مثل أكفان تربطنا إلى قرار عتيم.. الجدران مصبوغة بالأحمر إلا أننا نغرق في حمرتين.. حمرة تنز من الجوانب وأخرى تسري من صندوق البلاستك المصاحب للرجل بأغلاله المقعقعة إلى ما لا نهاية في أذهاننا. ورغم أن المساء حلّ والرجل المخمور زارنا وذهب.. لكننا سمعنا قعقعة حديد تمتزج بترديدات غامضة تدبّ في الخارج.. تكورنا على بعضنا آذان هائلة تصغي إلى غياهب المجهول.. إلا أنها لم تلبث حتى دلفتْ مشيعة الاضطراب في أرواحنا.. مكثنا نقلّب النظر في وجوه بعضنا المرتجفة حين اندفع الشاب إلينا بعصابة سوداء.. انتفضنا رعبا وهو يرفعها عن عينيه المنطفئتين، ليذهب متحسسا الجدران. كان يمازجني ضرب من الوهم وأنا أنظر إلى الفراغين المردومين بالضوء بأن الأصوات التي نسمعها في الخارج هي كلماته الهاذية، لكن الشعور تلاشى حين اقتربتْ.. ألسنة أمواج تتدفق من أفواه محمومة.. فإذا بالأعمى يتقافز ضاحكا، وهو يصيخ إلى بحر الأصوات التي غمرت كلّ شيء.

-7-
ومثل حلم رنت الأبواب وطارت مترنحة بعدها الأقفال، انطلقنا نركض في الدروب المعفّرة برائحة البارود، ومن ورائنا ظهرت الأبنية تتدمى بالصيحات، تعاقبت الاطلاقات. اشتعلت النيران. أخذتُ أنحرف عن الشوارع الضاجة وأنا ممسك بيد الأعمى.. آه لو أستطيع أن أتخلّص من اعترافاته بما يرويه.. عن نهم الرجل المجدور.. عن كرشه المتعطّشة لخمور الموت/ الحبال المشدودة حول الأعناق/ زجاجات الخمرة المقابلة لعدد الأعناق.. الأبراج تتهاوى، النار تلتهم مقدمات البنايات الغاصة بالأوراق.. لم يمض سوى وقت قصير حتى ظهرت عشرات الشاحنات تنزف على الإسفلت، احتشد الناس بجوارها يفتشون في صناديقها، الأزقة مليئة بالقتلى.. الحشود تتزايد، تطوف، تتسع، تتكتّل مخترقة ليل الأقبية.. تساءل الأعمى إن كان بإمكاني إيصاله إلى الكراج وأمضي.. إلا أنني شعرت بالألم وأنا أنظر إلى عتمة عينيه الفارغتين.. توقفتْ سيارة جيب بمحاذاتنا.. اندفعتُ بداخلها ومددت يدي لأساعده على الصعود.. كنّا نسمع فوران السيارات المتجهة نحو الجهة الأخرى للمدينة ومن فوقنا بدت السماء تقطر بنوافير حمر.. بلغنا موقف السيارات. الساحة خالية عدا سيارات قلّابة تحتشد بالناس فخففنا إليها.

-8-
في الصباح أحياء المدينة تعيش كثافات نهارات ملونة، أبواب المساجد تعجّ بالحشود.. المعتوهون تجمعوا قرب جدار المغتسل في أكمل يقظة لهم، كما لو تعالجوا بفعل كيمياء غريبة.. وتمر النهارات مثل أحلام تتماشج بأضواء متواترة.. وفجأة ران صمت غريب، صمت أخذت آثاره تطبع تساؤلات غريبة في الأزقة.. خطر لنا أننا نسمع انفجارات تركض باتجاه الأحياء المهجورة، فنخف إلى الطريق العامة.. البساتين مسمّرة بهدوء غريب، تخدشه بين الفينة والأخرى أصداء إطلاقات محمّلة ببارود خفيف يهيج السويقات القصيرة فتفوح الأغصان عابقة بوجهينا. كم وددنا لو نخرّ على أقدامنا نقبّل جسد الأرض المثقل بالخرير لو نرتمي على الحشيش المبلول مسحورين بالشذا المتدفّق بين أرجلنا.. لكن الأصوات تعاقبت.. بدت تتضح في الجانب الآخر معالم شاحنات مموهة بالطين.. تظهر جائسة على الإسفلت المتشقق لتنحرف خلف بيوت مهجورة.. تتبعها أخرى وأخرى.. كانت تجثم أرتال من حشرات خرافية تحدّق بأفواه الشوارع/ سطوح البنايات/ مداخل الأحياء.. وعبر فراغ البيوت التي تركناها، كانت الأزقة تحصي نهاراتها النازفة.. بينما راحت واجهات البيوت تزفر شجنا متخثرا يسيح في سكون الشوارع التي أدمتها أقدام الناقلات الملتفّة كأخطبوط تجوب الأرجاء.
الريح تصفر في الأبواب المشرعة.. الأشباح بلا خطى تخرج من بينها مخلفة ملابس النساء في عزلة الأزقة الساكنة.
كان الأعمى يخبط بعصاه جانبي الطريق، كما لو يضرب أشباح رؤوس تنبثق من عتمة المخيلة فيذود بعكازه المرتبك، وفيما نحن نسير بتك الناحية خلصت إلينا صرخات مكتومة في وقت ما بعد الظهيرة.. تجاوزنا صداها وسلكنا طريقا تحفّ جانبها أشنات وبرك مياه راكدة.. المكان مثقل بالصمت لا يفصح عن أيما شيء.. وعلى الجانب الآخر ثمة ساحة صغيرة تحيطها نباتات برية ميتة شهقت إلى يسارها بناية بطوابق عديدة تشبه بيوتا داخلية للطلبة.. بانت من نوافذها قمصان وبجامات تُركت على حديد الشرفات.. نحثّ خطانا بجانب سياجها المتهدم.. ها هي جدران مراحيضها تغصّ بالصياح.. مَنْ يا ترى يصرخ في هذا الوقت؟ كانوا ثلاثة أصواتهم تعمّ آفاق الكون.. أطرافهم مربوطة بمزق ملابسهم إلى حديد النوافذ.. صدورهم تنتفض.. يتلفتون.. لاشيء.. ينظرون في أبديات أرواحهم المرصوفة قدام أربعة رجال أو خمسة.. لا شيء.. يتأهّب الرجال ببنادقهم ذوات المقابض الطويلة اللامعة.. يستنجدون.. لا شيء.. تهتز الجسوم بالرشقات القريبة.. وتتسع الثقوب غائرة في الصدور المرتجفة… يخيّم صمت مروّع تمتد خلاله شفرات البنادق تحزّ بين ملتقى السيقان.. فتشيّعها النظرات الساهمة محدقة في التراب المصبوغ.. كنّا نترك عوالم أحلام ماتت كمملكة منزلقة فوق أصقاع بعيدة. جرعات أفكار تهمي من سطور كتب حميمة.. إلا أننا ما لبثنا أن سمعنا صراخا آخر يخرق الفضاءات القريبة ويتشظّى مستسلما.. لم نلتفتْ هذه المرة.. كنّا نمضي بعيدا عن أطراف المدينة فتتراءى لنا وجوه الأصحاب الغائبين.. ومن جديد يلهج الشاب الأعمى ((ألم نصل بعد.. إن ساقيّ تغوصان في قبور الرمال.. أيتها المحاجر الملطخة على ظلام الإسمنت.. ستتوارى النسور ملوثة بدم العيون العالق في مناقيرها)).
الآماد تنفسح، الصرخات ما زالتْ تعلو، ثمة مجاميع شبّان يتراكضون بمحاذاتنا تجاه خيم تتناثر بين أجنحة مروحيات متأهبة.. فأخذتُ أسحب الأعمى بقوة من يديه المتخبطتين في روائح الموت.. حيث الكوابيس تنزف تحت ضربات الأجنحة المدوّمة والمتلاشية في ذهب الشمس الجانحة للمغيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *