الرئيسية » ملفات » فائز الحداد : “الفاعل منصوب بضمة مزعومة”
قراءة في نص ( ازدهارات المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/54)

فائز الحداد : “الفاعل منصوب بضمة مزعومة”
قراءة في نص ( ازدهارات المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/54)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

“الفاعل منصوب بضمة مزعومة”
قراءة في نص ( ازدهارات المفعول به )
للشاعر العراقي سلمان داود محمد

فائز الحداد

” القسم الأول “

أية ازدهارات تلك التي يزدهر بها المفعول به..؟ وهو الواقع تحت تأثير فعل لفاعل.. ولماذا صيغة الجمع في ازدهاره المزعوم..؟ فمن المفروض أن يجني هزائم المفاعيل ( فاعل ) على وزن ( فاتح ) أو شاعر والضحية هي المفاعيل وفي طليعتها المفعول به.
ولسنا هنا بصدد التعريف به نحوياً فهذا معروف.. لكنني أبحث في ازدهاراته خارج دائرة النحو لا محال. إذ لا يزدهر شيء محكوم عليه بقانون قسري إلا ذلك الذي يتمرد ويحمل الجماح علامة للعصيان في الخروج على رتابة الأشياء وقوانينها الثابتة.. وإنني حين لا أرى ازدهارات للمفاعيل بتاتاً على صعيد النحو.. أرى إن المفعول به يزدهر فعلاً حين ينتشله الشعر بأصابع شاعر متمرس لا يعي الأشياء إلا بالشعر ولا يحترم المفردة إلا تلك التي تشق عصا الإنقياد. وتتمرد بل وتطغي، ويبقى الشاعر يطاردها في كل الثغور.. تارة صائداً، وتارة مروضاً. فان وقع أسيرها فلتت وانفلتت وليس له من سبيل عليها، وان روضها امتطى ظهر فرسها وقادها ضمن سرب خيوله الغائرة على وجه الورقة. إذاً ستزدهر المفاعيل .. لأن الشعر من تزدهر به حصراً، ورجوعاً إلى متن نصنا حيث تجاوزت القصيدة مضمار فتحها المبين، وسجلت في الفضاء أكثر من إضاءة، وجاورت القمر يحق لها أن تبرز ازدهاراتها على نحو ((تبارز وحش الأنترنيت)) بنجوم تنام على دفء الشعر وبإيقاع القلب الهامس والحالم بطيور شعرية تغزو الفضاء ولا تحط على الأرض إلا لتصلي في حضرة الشاعر الذي صير الشعر مهمازاً لعوالمه الشاسعة. فكم جميل هو النص الذي تبدأ شرارة حرائقه من العنوان..؟ خصوصاً ذلك الذي يحمل غرائبية مقصودة.. هاجسها الإثارة والجمال.. وأقول إن هذه الإثارة هي ما يبحث عنها الشاعر الذي يقول عن نفسه (عود ثقاب يبحث عن معبودات من أصل خشبي.. هذا أنا)، ولكن تلك الإثارة ليست كل الهدف إذ أن الأشياء لا تفصح عن مكنوناتها بمجرد عنوان، دون النزول إلى قاع بحرها العميق والذي قد يغرق أحياناً ونهرب أمامه عند هياجه في أول العاصفة.. فمن يعرف بوجع البحر عند العاصفة..؟ اعتقد انه الشاعر حصراً، فلا سجال أو معركة قبل خطة وأسلحة وجنود.. والذي ينال الظفر من يصل إلى فهم حقيقة النص، ويلم بكل أسراره. وهذا افتراض أيضاً.. لأن الظافر هو الشاعر أولا وأخيراً، لأنه من خلق النص و((الخالق)) دائماً في القمة وهو وحده أعلم بأسرار ما يصنع رغم الخسائر التي قد يدفعها ثمناً لذلك.

جسد النص و روح العنوان

كثيراً ما يضع المبدع عنواناً لقصيدته من ثيمة تحملها القصيدة ذاتها أو من مفصل تعبيري مجتزأ منها أو اسم لمخاطب أو حادثة أو تاريخ. ولكن أكثر العناوين صعوبة تلك التي تنطوي على الإبهام أو الترميز.. ففي حالة كهذه يصبح العنوان بمثابة لغز أو شفرة تحتاج إزاءه إلى مفاتيح للحل، وهي بكل تأكيد بعيدة جدا عن سبل التنجيم أو خرافة السحر، وقريبة جداً إلى التحليل والتصور المعمد بالوعي والوجدان معاً.. وبذلك تكون أشبه الأشياء إلى المعادل الرياضي البعيد عن التصورات الهامشية، والتي ترتكز على الإفتراضات الغيبية العقيمة.
إن اللغة وقبل كل شيء هي (رياضيات) بآلية اشتغالها البنائية وأن الشعر هو صفوة اللغة لذلك فان العلوم الهندسية هي ابرز ما يناظره ويقترب منه خصوصاً الهندسة المعمارية منها لأنها تبحث عن الخلق والإبداع ويكون الجمال بجانب الوظيفة خلاصة ما تبغي.. وعودة إلى موضوعنا أقول.. إن النص يبقى يحمل خفاياه إلى الزمن الذي تحل فيه رموزه وما بلغه من ذروة.. فمن غير المعقول أن يهدي الشاعر مفاتيح منجزه هبة للقارئ لكي يكشف أسراره بدون عناء، فهذه السذاجة تجعل من النص سلماً للإمساك بشوارده فتناله وتنال منه بشخصية صاحبه.. فالنص الجميل والرصين ذلك الذي يدرأ الهشاشة ويجمح إلى الغموض والإيحاء لأنه يذكر القارئ بالمفردة ويمضي عنه ليس بمعنى التكريس ولكن بمعنى التجدد والقابلية على التأويل. لأن العمل الشعري المتمكن ذلك الذي كلما تقرأه تكتشف فيه معان وأسرار جديدة فكيف يحافظ المبدع على المعنى مع اختلاف الشكل..؟ هذا ما لا يجبك عنه النص، الذي يحتفظ بماء الحياة ويحمل رسالة الخلود التي لم يمنحها الخالق إلا لقلة من عباده.. وهنا تكمن أهمية النص في العنوان.. والعنوان في النص، وبآصرة العلاقة بينهما تفصح جدلية الإنتماء عن نفسها بالذي يجمعهما ويعبران عنه دائماً في الروح والهوية.

خيول خرافية

بحرف الكاف ينطلق النص نحو عالمه المجهول.. تجر عربته خيول خرافية لها دبيب يحيك دالات الشعر بمملكات ناعمة يكاد أن ينزلق الضوء عليها لتنسج الحرير بديدان القز التي يتشدق بها ((ملك القز)).. سلمان داود محمد، بإيقاد نار البوح من غير احتياط أو احتراز، فيطلق بوحه الأول (أدلي بكبسولات) تتبرأ من نفسها إن لامست التصريح بالصحيح.. إذ الشاعر ((“الأشدق” يلقي بتهمة اصفرار الذهب)) على المرضى.. فمن هؤلاء صفر الوجوه أو حاملي هذا اللون اللئيم..؟ كي يمنحوا لون وجوههم إلى الذهب ويحملوه كتهمة. فهل سيظل الذهب ذهباً إن صار لونه تهمة للغدر..؟ كلا لكنه سيظل رمزاً للمعدن الثمين أن بقي معدن الإنسان نقياً لا تناله عوامل التشويه بما تفرزه عليه من عوامل التغيير. ولكن متى لا يفرق المرء (بين بيوت آيلة للسقوط) وأخرى (تفطر بالأيائل)..؟ فالأولى سترث الموت في سقوط محتوم والأخرى تتوسد الثراء في منازل عامرة، وما الأيائل ألا ملخص زادها المحمول على طبق من ذهب وهذا الذهب هو لون وجوه ساكني منازل الأيائل لأنها تريد أن تحيا باغتصاب الحياة، وبروح البذخ ولساكني (آيلة السقوط) الموت.. لذلك تبقى التهمة قائمة مازال بوح الشاعر يدلي (تندراً) بـ (كبسولات عارية عن الصحة).
وبظلال الكاف ذاتها كانت هناك ثلاثة أصوات تشي إلى القطع في المخاطبة هي (أدلي ، أتهم ، لا أفرق) لينتهي بـ (أزعم) أي أدعي بشك (إن شعوراً بضآلة الشأن أصاب القتيل) ويمكن التلاعب بهذا التأسيس (أزعم .. إن القتيل أصيب بضآلة الشأن). وهنا نلاحظ كيف يتحايل الشاعر في تأسيس هذا المفصل لأنه يريد أن يلقي بدم القتيل بذمة من كان سبباً في (ضآلة الشأن) وهم أنفسهم المتهمون باصفرار الذهب والقابعون في المنازل المستأثرة بالبيوت الساقطة. لينجلي المشهد الشعري باستيقاظ العالم على هذه الكارثة (حين استيقظت البلدان على عثرتي)، وهذا مربط الفرس في تفجير المعنى وهذا هو أول المفاتيح نعيده إلى صاحبه بعد أن تمكنا من فتح بوابة خزانته الكبيرة لنطل على أسرار هذه القصيدة المهمة، بعد إن عرفنا أية سارية تلك التي يحملها بوجه الريح والتي وشحها بالغيوم وألقى بمفاتيحها في البحر، ولكي يضيِّق الخناق ويعرقل سبل الوصول إلى عالمه، يلغي سعة البحر ويحيله الى نقطة بهدف الإيهام.. فالبحر عنده (ليس أكثر من دمعة تتخفى وراء مكبرة)، حيث يبدأ هذا المفصل بـ (كما) أي هو لا يزال يزعم.. وكذلك (إن أحجار النرد بقايا فيل يراقب من خلف زجاج المقهى) فماذا يراقب؟! (بياضي الفقيد) ولك أن ترى المفارقة الذكية في الطرح والمقارنة (البحر ، دمعة) و (النرد ، فيل) و (دمعة و نرد.. بحر و فيل) الأولى تتخفى وراء مكبرة من زجاج والثانية من نافذة المقهى وهي من مادة الزجاج أيضاً، وبياض وجهه المفقود هو نتيجة (لعثرته) حين أصيب القتيل (بضآلة الشأن).

لعبة الشاعر

هل أن الرمز لعبة الشاعر في إخفاء المعنى، وتيه القاريء، في عالم القصيدة الشائك.. ؟
أقول أولاً.. إن الشعر هو نتاج فكري للمخيلة الشاعرة لكنه يتعدى محيط الأدب في الدخول إلى ميادين أخرى لأنه عالم غير منغلق على ذاته. ولو كان كذلك لبقي أحادي الجانب في التعبير.. وبوصفه كائناً حياً منفتحاً يطرق عوالم أخرى بشكل متفاعل يعطيها ويأخذ منها، وعلى أساس هذه الحقيقة يكون الشاعر على اتصال واسع بما يحيط به من أشياء، يتفاعل معها بحس عالٍ، ويعبر عنها بما ينسجم ومشروعه الشعري، لكي يبلغ بمنجزه الرشاد دون تكلف أو اصطناع.
وجواباً على تساؤلنا الكبير آنف الذكر أقول.. نعم.. الرمز لعبة الشاعر لأنه من يريد أن (يصنع نغلاً يتقن الصيدلة.. ويذود عن الحصبة بأحمر الشفاه) وبماذا.. ؟.. (بقليل من الغزاة)! أو (بنطفة من صيام يلقح الفصول). فأي نطفة تلك التي تلقح الفصول..؟ ولماذا (بقليل من الغزاة ) فاستخدامه لحرف العطف ( أو ) استخداما يفيد الإيهام والشك معاً.. وهنا يتعمد الشاعر إلى الترميز لإخفاء ما يريد الإفصاح عنه، فالغزاة دائما رمز للقتل والنهب والدمار، وبقليل من هؤلاء، وباتجاه مقصود يريد أن يصنع (نغلاً).. لم يولد من زواج حلال، (يتقن الصيدلة) وهو يعرف إن هذا (الصيدلاني) المزعوم ليس بمقدوره الذود عن “الحصبة” بصباغ الشفاه –لكنه أراده وبخيال التمني- أن يكون “مملوكاً” ولد من نطفة لغازٍ لكي يملي عليه ما يريد، وينفذ كل شيء بطاعة عمياء. أو على الأقل يماثله أو يغازله في أحاسيسه.. لأن الشاعر نفسه أدلى بـ (كبسولات عارية عن الصحة ) سلفاً فهو من زرع (جينات الصيدلة) في نغل مصنوع..!! وإزاء هذا الذي يجري في ولادات الحرام فوق الأرض سيرتفع صوت السخرية والسخط عالياً.. حين أصبح الصمت سمة الألسن الناطقة، وأصبح الإيماء بالإيجاب رقصة الرقاب المغلوبة والمنكسرة. ولقد أبدع الشاعر في تصوير هذه المشاهد المؤلمة حيث أصبحت (النعجة مقياسي في جرد ألانا – ناس) ولاحظ الحبكة الشعرية الفريدة الموصلة بحسية الوصف التصوري الهائل الجمال والدقة. فهو أشبه ما يكون بمشهد شعري ممسرح لم ينتبه أليه الإبداع مسبقاً في شعرية (ألأنا ـ ناس) وتلك رقصة الرقاب التي تؤديها الملايين بل المليارات من الكائنات يومياً وفي كل لحظة ضمن رمزها..؟ ((النعاج)).. (رؤوس تومئ بالإيجاب.. وعجيزات تشير إلى العكس.. على أية حال) وهذا المفصل (على أية حال) تبنيه يوميء إلى بوح خطير قادم حتماً وسيفتح نوافذاً لطرح مأساوي ينطوي على لوم أكيد للذات.. وهاهو الشاعر يخبرنا (كنت شريفاً بالسخرة.. انسج من فقراتي القطنية سروالاً لعصا). والسخرة كما نعرف هي عمل بلا أجر. فمتى يطلب الإنسان أجراً على شرف بائن..؟ إذ أن الشاعر يحيلنا إلى معنى القهر، و (سخره.. أي أذله وقهره) وهذا وجه آخر للمعنى، فربما أراد أن يقول (كنت شريفاً بالقهر) لكي انسج من فقراتي (سروالاً لعصا) وكأن عيونه ساقطة في بحر هائج مزقتها رياح الدموع التي غربلها “سلمان” يجني حدقاته.. (أغربل الدموع لأجني الحدقات). وإزاء ذلك هل يرى شاعرنا سبيلاً للخلاص..؟
يقول:- نعم..
ولكن كيف.. ؟
بالحريق.. وأنا من يحمل مصدر النار.. (عود ثقاب يبحث عن معبودات من أصل خشبي ..هذا أنا). وعلى ما يبدو هو لا يثق بعود ثقاب آخر قادر على إضرام النار في تلك المخلوقات الجامدة فالآخرون في نظره (أشباه دفوف) تحمل (جعجعة الرحى بدون الطحين) ولأنها ترمز لعرس الجراح بلا خلاص.. وتلك الأكف تصفق، وما أن تنتهي، تنام في جيوب خاوية لكونها كليلة لاتدرأ النشاز.. و (ماتبقى دفوف تقدم الوجوه اعتذاراً لهطول الأكف ). ونلاحظ الإمكانية الرائعة والتكثيف الجميل الذي يفصح عن الموهبة الشاعرة باقتدار.

التنقيط

بعيداً عن الإستطراد الهامشي في الحكم على منظومات الشعر حين نلقي باللوم على صاحب المنجز أو الثناء عليه تبرز أمامنا ما أسميه بـ (التنقيط الإستدلالي)، وأقصد هنا النقطة الموصلة الى المفصل الشعري الجديد، نجد أن الشاعر بعد كل ثورة يستلقي متعباً، ومستفزاً يهيء لإستحضارات جديدة.. كالقائد بعد فتحه ثغرة في جسد الجبل. فقبل تسلقه يستجمع كل قواه وقوته لتسلق المجهول.. يجلس ويتمدد وربما يغفو إغفاءة ذئب، لأن الهدف لاينام في عينه.. وأفضل إغفاءة تلك التي تستحث الفجر وتسقط في اشتعال الشمس حين تدك أسوار الظلام فتهد العرى القاتمة وتبصم بالمطل على الولادة الجديدة للنهار الوليد. لذا وفي ظل شاعر غازٍ يقول (فجراً تنام المعاجم أصفاراً في شمالي) وبعد أن أحالها أصفاراً، وواصل الليل بالنهار سينظر الى إطلالة المساء حيث اشتغال المخيلة الشعرية بنظرة متوفزة هي نظرة الترقب في صمت، لا يبوح إلا في داخله، وكأنه قد غادره لسانه عند تلك المعاجم التي استقرأ فيها غوامض المكنونات وأصابته (بخرس يستطيل) كي يخطط لما سيفعله.. وإلا ما قيمة الفجر إذا كان الليل من يحكم، في مرأى سلطان لا يفقه سوى السبات؟.

التسبيب الشعري

“هكذا أخوض” مقطعاً مجتزأ من مدخل جديد لمفصل مهم في الإزدهارات فماذا سيخوض سلمان في معركة أو حوض ماء.. بـ (هكذا) يبدأ شاعرنا جملته الحادة وبهذا الإستفزاز، أيعجبكم أو لا، ولا أريد أن أستقرأ خوافي الـ (هكذا).. وأسباب أسبابها، وقد اصطلحت على صعيد المغامرة اسم التسبيب الشعري أي نقطة السبب لما يجمح به الأطفال حين يصرون على الخطأ ويصر الكبار على تأكيد الدوافع في السبب حين يوغلون في المغامرة مهما كانت نتائجها ومردوداتها.. فالتسبيب في جني إفرازات المغامرة –على جسامة خسائرها- هي عظيمة لمن يركب بحرها ويتحمل أضرارها القاتلة بدون واعز ندم.. والخوض ليس بغريب على سلمان لأنه سيخوض في (عفن الأبواب وأطرق ما) فالعفن دائما يصيب الأجساد العفنة والآسنة التي أصابها الترك ونال منها السبات، فهي لا تستجيب ولا ترد الجواب الى من يطرقها.. وبماذا يطرقها؟، بـ (ما).. وقد تهرأت الأصابع على أضلاعها لترد أخيراً العرصات بـ (كو).. (ما كو) أي (لا يوجد).
والعرصات هنا تعني الأماكن المهجورة الخالية إلا من الصمت، أي لا تطرق فـ (لا يوجد ما يصلح للهضم) إلا الذي يزيد من اتساع كروش المنتفعين.. (ماكو أي لا تحتاج الى دورات مياه) وتستمر هذه الصورة الساخرة في ظل انحسار المياه وما يتصل في ذلك (قائمة الماء التي تعجز الجيوب الخاوية عن دفع أجورها، ليتسلل الموت الى شحة المياه في.. (كفن الضوء). وهذا هو القادم حتماً.
وفي تعميم ماكو تسقط الحليمات في أسواق النخاسة والسوق السوداء، ولا رسل من نسل طاهر يديم الحليب للأطفال المتضورين. حتى ذلك الذي يرمى في قمامة الغرب والذي يسمونه بـ (البيبي لاك) كذلك (ماكو كرة في حي العكازات) بعد أن أصبحت العاهات ظاهرة في الشوارع.. لذلك (لا قطارات تصل) الى محطاتها في المدن الأخرى إلا.. (الحصان يبحث في ظهري عن سوط)، فمن سينقذ سلمان من لهيب هذا السوط؟! وإلا سيموت التوهج في الزهور بممات زهرة الجلنار و -(الجلنار)- هي مفردة تركية مركبة من (جل – نار) وتعني (وردة الرمان). وهذه استعارة ضمنية عن عار الدماء الباردة التي غادرها الدفء واللون وقد استحال الصباح عواء في.. (لا صباح في السعال الديكي).
ومما تقدم في عرض هذا المفصل من جسد هذه الملحمة، نجد عند بدايات اشتغال (ماكو) تكريس لها لا بمعناه السلبي بل لتأكيد شخصيتها (أو.. كذلك.. أيضاً.. لذلك.. وعليه) لنخرج وفقاً لما تقدم بالنتيجة التالية:
ماكو ميـاه ـــــــ ولا جيوب
ماكو حليمات ــــــ ولا رسـل
ماكو غيابات ــــــ ولا كــرة
ماكو قطارات ـــــ ولا حصـان
ماكو حريـق ـــــ ولا صبـاح
وعلينا أن ندرك كم كبيرة هذه الفطنة الشعرية المقرونة بالوعي في خلق هذه المترادفات والمتضادات التي تنطوي على تقاطع، والى خلق البدائل حين يعطل كائن يؤدي دوره كائن آخر. وبعد كل هذه الإزاحات يسأل الشاعر عقله الباطن “هل أنت من تسبب في ذلك”.؟.. لا يجيب، كأنه وبلوم واخز يرد السؤال الى صاحبه ويجيب نفسه بنفسه (كنت شريفاً بالسخرة).. نعم (أنا مشبوه كالغيم).. بماذا؟ حتماً بتهمة المطر.. فكلما تحجب المظلات نوافذي.. (أهدد الحقول بالجفاف)، لأنني (مولع كسواي بإزالة النقاط من الشذى) وما يقصده بالنقاط هي مخافر الحدود أو نقاط الحدود. فهل هو مشروع للهروب؟. ربما هكذا يبدو للوهلة الأولى ولأنه يهدد الحقول بالجفاف و (يتوحم بالجاليات) له أن يقول (نعم أنا مشبوه كالغيم) إذ أنه.. (كشراع يحبل الريح). ونلاحظ كم كان الشاعر ذكياً في طرح مشهده الذي يوحي بمحاكمة لا بهيئة الإنطباع المسرحي، ولكن بالإعتراف الشعري الصريح دون تزييف ولا ديكور ولا فوتوغرافيا، فالمتهم واحد وبدون طول انتظار يعلن سلمان الحكم حين أصبح الحديد خائناً (لذوي الموتى). فمن أولئك الذين (لم يستطيعوا خلق الثمرات)..؟ فهم حتماً من يقتفي آثار ذويها والفوز بها دون عناء، ونلاحظ اختيار الشاعر كلمة (خلق) وليس (صنع) والفوز بماذا..؟ (الفوز بفاكهة الخس). لذلك كان عليه أن ينهض ويضطلع بواجبه (دهوراً من السماد).

جوقة أبقراط الموسيقية

أما جوقة أبقراط من المشتغلين بمهنة الطب وما يتصل بها فقد تخلوا عن القسم الذي أدوه باسم (قسم أبقراط)، وأصبح عظيمهم شماعة يعلقون عليها خياناتهم. فلم تعد هذه المهنة للكثيرين منهم إلا طريقاً لتجارة سرية قذرة، كبيع الأعضاء البشرية، والقتل، والإتجار بالدواء والعقاقير الطبية في السوق السوداء، أو الإحتيال على المرضى والإبتزاز الجشع.. والضحايا الملايين من المعذبين في الأرض، وتحول أحفاد أبقراط الى مافيا جديدة ترفع شعار الإنسانية وتسلك الجريمة سبلاً للغنى والثراء الحرام.. وهؤلاء قبل غيرهم (باعة الغدد الدمعية للبكاء على وطن) وسيبقى هؤلاء بعيدون عن شواهد الإتهام، لأنهم إنسانيو عصر القذارة والموت.
ولنا أن نلاحظ كيف جعل الشاعر (الصابون) يتبرأ من المتسخين بالشبهات ويأبى (التزلج على متسخين).. فأي وسخ ذلك الذي يحملون..؟ وأشباههم من الذين لا تستر قمصانهم أفعالهم الدنيئة بـ (أسلحة تتعامى) وتوغل في الجريمة، ولهم أن (يدجنوا الحناجر في غرف هناك)!.. ولماذا هناك..؟ لأنها (هناك) كالدجاجة تبيض وتفقس مشاريع جديدة غامضة حيث يقول الشاعر لتبيض الرصاصة.. متى..؟ (بعدئذ من ثقب في رقبة) أو شرخ في قلب أو تشظية في ما لها أن تختار، والذي يضمن كل هذه المزايا هو الحصان الناطق، أرقى هدية للزريبة هي تلك التي تحملها الرصاصة الى ذلك الحصان، لذا يعلن الشاعر استيائه إزاء ما يخرج من أصوات ناشزة تزفرها الرئات المتورمة بتثوير التخمة والترهل، والآتية من بعيد، وباتجاه تلك الأصوات.. والتي رمزها القوى الغاشمة المتحكمة بمصائر الشعوب.
وفي غصة من ألم مرير يضعنا الشاعر أمام تساؤل مريب (هل من متسلقين على جبل التوبة أن يستعيدوا خطاي)؟!.. تلك الخطى الواثبة التي ناءت آثارها في البعيد.. ويجيب الشاعر على ذلك التساؤل بـ (ربما) البائسة والحالمة في ذات الوقت.. لأنه أضاع قدماً له في إحدى معارك هولاكو الجوار، ولكن من يقف وراء السحاب؟.. وياللسرور ولد هجين أبصر الحياة بولادة قيصرية بعد أن مزق رحم الفجر، وولد ماسخاً وشاحباً فكيف من يولد حين شروق الشمس أن يكون بهذا الوصف الشائن.. ولماذا؟، لأنه (يستهدف العابرين بالأخوات) ذلك الوليد في رؤية الشاعر شبيه بوليد الغفلة الذي يعرض أخواته لعابري السبيل.
( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *