الاوجه الممتعة والمحيرة في موسيقى آلدوس هاردينغ
كتابة: أحمد حكمت*

الاوجه الممتعة والمحيرة في موسيقى آلدوس هاردينغ

كتابة: أحمد حكمت*

تتعدد الانماط الموسيقية في الحان الاغاني للمؤلفة والمغنية النيوزلندية الاصل “الدوس هاردينغ”، فمن الكنتري والفولك الى الجاز والقوطية وأنتهاءا وربما ليس أخرا بالبوب، كل ذلك مرسوم بعناية كأطارعام ومنفذ بصوت جميل والحان خلاقة تدفع المستمع الى التأمل. لكن السؤال المحيروالمبهم عند الاستماع الى أغنياتها يدور دوما حول معاني تلك الاغاني والاحداث التي يتم التطرق اليها! تعجز هاردينغ (ذات ال29 ربيعا) عن تفسير ذلك لابل انها تذهب لأبعد من ذلك في عدم رغبتها في التطرق لمعاني أغنياتها وتقول في ذلك: ” …عندما سأبلغ ال45 من عمري سيكون لدي وقت طويل لشرح معنى كل ذلك الهراء حول أغنياتي”، وفي حديث أخر مع موقع NPR (أن بي أر) في وقت سابق من هذا العام، تشير أكثر الى تلك الحيرة الكامنة وراء معاني أغنياتها أذ تقول: “… ولدينا غرض ما في حقيبة صغيرة نحملها معنا في كل مكان، لكن ليس لديّ بالضرورة هذا الشيء في داخلي “.
لكن، ليس هذا اللغز هو الوحيد في أغنيات هاردينغ!. الامر يمتد الى اغانيها المصورة. إن ما يدعو للدهشة في أغنيات ألدوس هاردينغ هي ان تصوير أغنياتها (تشترك كذلك في الاخراج) يدور في فلك عبثي، حالم وأنطباعي تبعا لرؤيتها الفنية والتصويرية البحتة لكل أغنية وكنتيجة لذلك، فأنها تضلل الدلالات الممكنة حول معاني أو فحوى تلك الاغنيات!. كمثال على ذلك أغنية “بليند” ( أستوحت هاردينغ فكرة تصويرالاغنية من مقطع من فيلم “القيامة الان”)، يتم تصويرهاردينغ بملابس مثيرة، مكشوفة وضيقة نوعا ما وهي تتراقص على انغام الاغنية ملوحة بمسدس!. أغنية “أيماجييننغ ماي مان”، تم تصويرها والمغنية تجلس في المقعد الخلفي لسيارة والكاميرا تلتقط لحظات تأملها، حزنها، ضحكها وحوارها مع السائق في الامام، يصاحب هذه اللقطات الاغنية بلحنها الهادىْ التي عند أستماعك اليها تحيلك الى مناجاة اليمة لكن هادئة، تبلغ ذروتها في نهاية الاغنية بصوت الة الساكس الذي يعمق مشاعرالاستسلام الحتمية لتلك المناجاة. أما أغنية ” فيكستشر بيكتشر”، فمن اللقطة الاولى للاغنية، ترسم هاردينغ تصورا وكأن المُشاهد يقف أمام لوحة فنية!. تبدأ الاغنية بلقطة تبين السماء في الخلفية يحيط بها سفح جبل يتلون بالابيض والرمادي الداكن مشكلا بعض الرسوم وفي الاسفل أرض سهلية، تجلس في منتصف الصورة هاردينغ بلباس احمر وقبعة بيضاء وهي تعزف على الة الكيتار. جمال اللقطة يكمن في أن الاغنية يتم تأديتها والصورة تقترب شيئا فشيئا الى أن تتوقف عند نقطة معينة، كأن اللقطة اصبحت لوحة فنية مثبتة (أسم الاغنية بالعربية)، كان هذا هو مغزى وجوهرالاغنية وماكان لحركات هاردينغ الراقصة وهي تحمل رق صغير بيدها ومعها فرقتها الموسيقية وهي تعزف لحن الاغنية وأيقاعاتها الجميلة الا أحتفاء بتلك اللوحة الانطباعية الاخاذة.
عند النظر لأعمال هاردينغ، تكون النتيجة ثلاث البومات غنائية. الاول: حمل أسم المغنية وكان في العام 2014. الالبوم الثاني: حمل عنوان (بارتي- حفلة) وقد تم أطلاقه في العام 2017. أما الالبوم الثالث: فقد تم أطلاقه في شهر ابريل من العام 2019 وقد حمل أسم “ديزاينر”. تنقلنا أغاني الالبوم الاول المؤلفة أغلبها بآلة الكيتار الهوائي الى اجواء قريبة من موسيقى الكانتري ونمط الفولك. أبرز أغاني هذا الالبوم هي : “ستوب يور تيرز”، ” بييست” و”هانتر”. الاغنية الاولى في هذا الالبوم وهي: “ستوب يور تيرز”، أغنية غائرة بألم مفجع ونهاية حتمية قادمة!، فمنذ اللحظة الاولى للاغنية التي تبدأ بصوت كورال في الخلفية وكأنه يأتي من السماء، تمضي هاردينغ بلحنها الاساسي على الكيتار وروايتها لاحداث الاغنية بصوت هادىْ ولكنه محمل بحزن وخصوصا في نهاية أبيات الشعر لكل مقطع. تتأمل هاردينغ في أحداث الاغنية بعمق عن مأساة أنسان (إمرآة) مرورا بلحظات ضياع ستؤدي الى خلاص مرتقب ومنشود. أما اغنية ” بييست” ، فعبر نقلات سريعة ،قلقة ومتفائلة على كيتار هوائي وثلاث مقاطع تنتقل بين: الوحشية، الدمار وتختتمها هاردينغ بمسحة أمل كأفضل رد على المقطعين الاوليين. اغنية “هانتر”، هي اغنية كانتري بأمتياز من خلال الكيتارات والهارمونيكا في أيقاع لايختلف عن سابقيه وهو خط الالبوم الرئيسي الذي لاينحرف عنه ولاينوي ذلك!. على العكس من ذلك تماما كان ألبوم “بارتي”، الذي أتخذ منحى اخر من خلال تعميق الحب الممزوج بحالة من الخوف كخط أساسي في اغلب ثيمات أغاني الالبوم. كمثال على ذلك ” أيماجييننغ ماي مان”، “ليفينغ ذا كلاسيكس”، “بارتي” و”هورايزن”. يمكن تقسيم هذا الالبوم الى نصفين: الاول يتعلق بالحميمية في العلاقات، تلتمس من خلاله البهجة وشيْ من القلق في ان واحد. أما النصف الثاني فهو نفسي (كما في اغنية” اي ام سو سوري”)، سوداوي (في اغنية” وات اف بيردز ارنت سينغينغ ذي أر سكريمنغ”) وحزين (في اغنية” ذا ورلد از لوكينغ فور يو”). لابد من الاشادة بالامكانية المتميزة لآلدوس هاردينغ في تنويع طبقات صوتها بين شجن خفيف وبهجة منشودة في اغلب اغاني هذا الالبوم وفي أحيان يحصل التنوع في الاغنية الواحدة مما يكسبها والالبوم بالمجمل المتعة المنشودة.
إن كانت كلمات وابيات اغاني آلدوس هاردينغ قد لامست ودلت على معاني معينة في الالبومين السابقين، فأن هذه الدلالات تبقى محيرة لابل مُضَللة في البوم هاردينغ الاخير” ديـزاينر”!. يغوص هذا الالبوم في معاني كثيرة لكن ربما كان محور أغاني الالبوم يدور حول رحلات تم رسم قصص وعلاقات معينة حولها (كما في اغاني”تريشر” ،”زوو أيز” ، “بايلوت”). لكن جوهر الالبوم يكمن في الاغنية الجميلة والقلقة والمليئة بالاستعارات المجازية: “ذا باريل”. تبدأ الاغنية بمقطع على الكيتار ومن ثم تطل هاردينغ بمقطع : ” أخشى حبك”، انها أغنية غريبة! لانك لوهلة تتخيلها تتحدث عن علاقة حب وفجاة تجدها تتحدث عن وجود طفل وفي مقاطع لاحقة أرشادات حول رعايته وربما كان كلا الامرين متداخلين!. لكن قد يكون المعنى الباطن هو عن نهاية لأرتباط معين (علاقة حب) كخط اساسي، أو عن التقيد بذلك الرابط الذي ترغبه ولكنك مقيد بسبب الشك وعدم الثقة وعليه هي دعوة للتحرر من كل تلك القيود والمضي بحرية، كما في الابيات الرئيسية للأغنية: ” لقد مات الشيء مسبقا – أعلم أن لديك الحمامة – أنا لن أتبلل – يبدو أن الوقت قد حان – لاظهارالقلق للبيضة – سوف لن يتم أقتيادي للامام “. في اغنية رائعة أخرى هي “هايفن أز ايمبتي”، تتحدث هاردينغ عن صورة الخوف، خوف من كل شي: فقدان روح أو أمل، التعبير بصوتها هنا رائع، صوت غائر بالحزن وعميق في تعبيره عن حالات الرعب والفقدان. امتياز أخر يحضى به هذا الالبوم وهو تنوع الالات الموسيقية، أذ من: البيانو الى الكيتار ،السينث ،حلقات طبل،الساكس، الى العديد من المؤثرات الالكترونية. يخوض “ديزاينر” في أغانيه بحالات متعددة مبهجة، بريئة، جريئة، قاتمة ومفتوحة كروح تطيرفي السماء( أو كما قالت هاردينغ في اخر مقطع من أغنية “بايلوت” : ” كأرتفاع أسفل الطيار”). لاعجب أن هاردينغ ترسم بريشتها وبحرفية شديدة كل تلك الحالات النفسية تاركة بصمتها وختمها الخاص في موسيقاها كما تقول هي في مقطع من أغنية “فيكستشر بيكشتر” “.. عند الزاوية وبالازرق – أنه أسمي في تلك الزاوية”.
أنتهاءً من أعلاه، فأن مستقبل هاردينغ سيكون واعدا وثريا بألحان وموضوعات ستطرحها مستقبلا، وذلك من خلال الشاعرية في أبيات أغانيها الممتزجة برصانة في الالحان وجودة في الاداء. في عالمنا المعاصر، أصبح من الصعب أيجاد مؤلفين موسيقيين بهذه الروحية ،الابتكار والعمق. يبدو اننا امام شيء ثمين وقيم ولسان حال من يستمع الى موهبتها يردد مقالته هاردينغ في أحدى أغنياتها بعنوان : تريشر”: “لقد وجهت عيناي عليك الان، أيها الكنز”.
*كاتب مهتم بالموسيقى والسينما بشكل خاص في كتابة مقالات نقدية عن السينما تم نشرها في بعض المواقع الالكترونية وايضا ترجمة مقالات من مواقع عالمية في كلا المجالين. 

شاهد أيضاً

نـجيــب طــلال: باب ما جاء في احتفالية النــضــال (02) !!

بــاب الــنـضـــال : وبناء على ما سبق قوله ؛ فالنضال أساسا وظيفة ذاتية تلقائية لا …

توظيف التراث في رواية (قرد من مراكش ) للروائي مصطفى القرنة
بقلم الناقد/ محمد رمضان الجبور/ الأردن

استطاع الروائي مصطفى القرنة أن يجعل لنفسه لوناً يميزه عن الأخرين فكتب العديد من الروايات …

رواء الجصاني: الجواهري في لبنان، وعنه: إفتتـانٌ وشعـرٌ.. ومصاهرة!

تناقل العديد من وسائل الاعلام، في الايام الثلاثة الماضية، ابياتَ شعـرٍ عن المأساة اللبنانية الاخيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *