حسين سرمك حسن: الجواهري مركب النار .. النرجسية الضارية والقصيدة المفتاح (2)

وحين يتحدث عن قصة قصيدة (هاشم الوتري) يقول :
( اتصلوا بي تلفونياً، وطلبوا اليّ بالحاح أن أشارك بقصيدة في الإحتفال فتظاهرت بالرفض ، فألحوا وأصررت على الرفض .. وفي حقيقة الأمر كنت أهلل للطلب ، كنت أرقص وراء التلفون ، وإنما كان الرفض تظاهراً ودلالاً.. وحل اليوم الموعود .. كان المكان يغص بالحضور ، وقد احتشد الشباب فيه احتشاداً غير أن احداً لم يستعد بيتاً واحدا من فرط الرهبة.. أما (الوتري) الممتدح المقصود فكان يتلتفت حوله مستغرباً أو كالمستغرب.. خائفاً أو كالخائف.))(25) :
كذبوا فملء فم الزمان قصائدي    أبداً تجوب مشارقأ ومغاربا
تستلّ من أظفارهم وتحط من     أقدارهم، وتثل مجداً كاذبا
أنا حتفهم ألج البيوت عليهم     أغري الوليد بشتمهم و الحاجبا
خسئوا : فلم تزل الرجولة حرة    تأبى لها غير الأماثل خاطبا
والأمثلون هم السواد فديتهم   بالأرذلين من الثراء مناصبا
بمملّكين الأجنبي نفوسهم    ومصعدين على الجموع مناكبا
                                         (هاشم الوتري-1949)
وإذا تنبهنا الى البيتين الاخيرين فسنمسك بمفتاح آخر مهم يعيننا على فهم الفالق بين نرجسية الجواهري ونرجسية المتنبي . فالأخير كما قلنا يزدري العامة بل البشرية كلها . أما الأول فيتكامل مع الجماهير وتنتعش نرجسيته وسطها. وإذا جاز التعبير نستطيع القول بأن هدف صورته النرجسية ( أو بطولته) هو هدف عام ، أما هدف صورة المتنبي النرجسية ( أو بطولته ) فهو هدف خاص وفردي (( لقد ترددت أناشيد الجواهري البطولية على لسان العراقيين في أيام النضال الحرجة دون أن تفقد عمقها الفني وهي تستحيل شعاراً للمتظاهرين في شوارع بغداد أو تنقش على الجدران وفي قاعات المدارس)(26) :
يوم الشهيد : تحية وسلام           بك والنضال تؤرخ الأعوام
بك يبعث (الجيل) المحتم بعثه       وبك القيامة للطغاة تقام
وبك العتاة سيحشرون وجوههم     سود وحشوُ أنوفهم إرغام
                     #          #          #                                 
شعب يُجاع وتُستدر ضروعه      ولقد تُمار لتُحلب الأغنام
وأُمدّ للمستهترين عنانهم          في المخزيات فأرتعوا وأساموا
وتعطل الدستور عن أحكامه      من فرط ما ألوى به الحكام
فالوعي بغي والتحرر سُبّةٌ        والهمس جرم، والكلام حرام
                  *             *                *
ومشى بأصلاب الجموع يهزها  الجهل والأدقاع والأسقام
وهوت كرامات تولت امرها      خطط تولى أمرها أحكام
فكرامة يهزى بها وكرامة        يرثى لها، وكرامة تستام
ولكل محتطب الخنا مداحة       ولكل ممتدح النثا شتّام
ومطاردون تعجلوا أيامهم        ومشردون من المذلة هاموا
                                            (يوم الشهيد-1948)
أي طرطرا تطرطري           تقدّمي ، تأخري
تشيعي ، تسنّني                  تهوّدي ، تنصّري
تكردي ، تعرّبي                 تهاتري بالعنصر
تعممي ، تبرنطي                تعقّلي تسدري
كوني- إذا رمت العلى-       من قُبُل أو دُبُر
صالحة (كصالح )           عامرة ( كالعمري )
                                         (طرطرا-1945)
ويقصد بصالح ، (صالح جبر) رئيس وزراء العراق عام 1948 والذي احتضنه الانكليز وأوصلوه الى رئاسة الوزارة ليكبلوا العراق بقيود معاهدة بورتسموث التي ثار عليها الشعب فأمر بإطلاق النار على المتظاهرين فسقط شهداء من بينهم (محمد جعفر) شقيق الجواهري الأصغر :
قبل ان تبكي النبوغ المضاعا     سبّ من جر هذه الأوضاعا
سبّ من شاء أن تموت وأمثالك هماً وأن تروحوا ضياعا
سبّ من شاء أن تعيش فلول     حيث أهل البلاد تقضي جياعا
قل لمن سلت قانياً تحت رجليه   وأقطعته القرى والضياعا
خبروني بأن عيشة قومي        لا تساوي حذائك اللماعا
                                        (الدم يتكلم بعد عشر-1931)
لقد حاول الناقد ((جبرا ابراهيم جبرا)) تاكيد وحدة الخلفية النفنسية لنشأة المتنبي والجواهري (( إن الجواهري قد أفصح عن هذا التشابه في قصيدته (( يا ابن الفراتين)) التي ألقاها في مهرجان الشعر التاسع ببغداد عام 1969))(27) ، ولكن ((جبرا)) وقع في هذا الاستنتاج محكوماً بمنهجه الذي لم يوفر له فرصة الإلتفات الى المعاني اللاشعورية العميقة والمغلفة في القصيدة والتي تشير الى التباعد النفسي بين الشاعرين . يقول الجواهري في قصيدته هذه – أي ( يا ابن الفراتين ) :
أمس استضافت عيون في الكرى شبحاً         به تلاحم أمس مشرق وغــدُ
ناشدته وعلى أثوابه علـــــــق          من الــدماء ومن حباتها زَرَدُ
ووجهه كشعاع الفجر منـــــطلق          وعينه كوميض الجمر تتـقـد
وفيه تأليفة من هيكــل عجـــب           فيه الحمامة جنب النسر تتحـد
أنا ابن (كوفتك الحمراء) لي طُــنبٌ          بها، وإن طاح من أركانه عَمَدٌ
                                                          (يابن الفراتين-1969)
إن ( حلم ) الجواهري هذا الذي سطره في قصيدته يخبرنا في ظاهره بأن رغبة مهمة قد تحققت له وذلك من خلال استضافة شبح فتى الفتيان كما وصف المتنبي .  والجواهري معجب بالمتنبي أي إعجاب ويعتبره قدوةً له . وقد استضافه في حلمه وكأنه في ساحة الوغى حيث علت ثيابه الدماء . وهو يضفي على المتنبي مسحة من سمات أسطورية فوجهه كشعاع الفجر وعينيه كوميض يمر.. ولكن هذا ظاهر الحلم – manifest content  ، ولابد أن يكون هناك معنى باطنا – latent content  له ، معنى أكثر عمقاً يمرر رغبة أخرى مكبوتة ، إذ لو كان الأمر يتلخص في (استضافة) المتنبي فإن الشاعر لا يحتاج إلى تبديد أي قدر من طاقته النفسية في تجسيد شخص المتنبي في أثناء النوم ، فهو يعيش معه نهاراً ودائماً عبر التواصل الشعري والتحام العوالم الشعرية أو من خلال أحلام اليقظة وغيرها من الفعاليات الواعية ، ولكن اللجوء إلى الحلم وعمله الماكر يحصل لتمرير رغبة مكبوتة ، ونستدل على وجود هذه الرغبة من خلال الوصف الغريب الذي يصف فيه الجواهري المتنبي :
وفيه تأليفةٌ من هيكلٍ عجبٍ        فيه الحمامةُ جنبَ النسرِ تتحِدُ
ومن خلال ما قدمناه من تحليل لجانب من شخصيتي الشاعرين ظهر لنا أن (هيكل) أو شخصية (المتنبي) لم تكن محلاً لتآلف الحمامة والنسر بما يحمله كل منهما من معانٍ رمزية عميقة ومتناقضة .. إن أقصى ما يمكن أن يوصف به المتنبي هو أنه (نسر جريح) ، أما تآلف الحمامة والنسر، الوداعة والقسوة، الضعف والقوة، الحب والكره ، المازوخية والسادية فهو أمر له دلائل في (هيكل) أو شخصية الجواهري :
سبحان من ألّف الضدين في خُلدي     فرط الشجاعة ، في فرط من الجُبُنِ
                                                     (الغضب الخلاق-1982)
سبحان من جمع النقائض فيَّ من خير، وشرِ
عندي كفافُ (حمامةٍ)      فإذا استُثرت فجوع نمر
                                                  (آليت- 1975)
إذن ، فإن مركب ( النسر – الحمامة ) الذي (تشخصن) في حلم الجواهري هو تجسيد للشاعر نفسه وقد منح الآن سمات أسطورية ولطخته الدماء تعبيراً عن وإشباعاً لدفعات مازوخية سنتعرض لها لاحقاً . أي يمكننا القول أن لحم (الشبح) من الجواهري ، أما جلده فهو من المتنبي . وبذلك مرّر عمل الحلم رغبة دفينة مكبوتة حرّفها ونكرها بذكاء ومكر وتتمثل في رغبة الجواهري في أن يكون (متنبياً) ولكن بروحه هو حيث تتآلف الحمامة والنسر ، وليس بروح المتنبي . ولو حصل هذا لتوفر للمتنبي الحقيقي الخلود الى يوم الجواهري ولعاش مدمىً  مثلما عاش الأخير في حياته فعلاً ، بل يمكننا الإستنتاج باطمئنان أن الحلم بأكمله ومعان من الأبيات الأخرى التي سنحللها تشي بأن الجواهري يضع (هيكلهُ) وصورته النرجسية أمام (هيكل) وصورة المتنبي النرجسية . ومع ترقيق سطوة (الأنا الأعلى) بفعل الخدر الشعري وانتفاخ (أنا) الشاعر تمرر الدفعات النرجسية بهدوء وتحت أستار الإنحياز والتماهي مع الشاعر- المثال . فعندما يشير الجواهري ( الى مجاورته منشأ ومسقط رأس ، وموقع دار لأبي الطيب وذلك لأن النجف لصق الكوفة ( أنا ابن كوفتك الحمراء ) ويعبر في عجز البيت عن أن الطنب الذي ينزله الشاعر ويريد به بيته- في الأرض المشتركة بينهما قد أطاح الزمن بعمد مهم من أعمدته ويعني به المتنبي نفسه))(28) ، فإنه في المرمى البعيد لتعبيره الشعري يصبح ملكاً لطنب أو بيت المتنبي.. واستعارة البيت رمزياً تعني استعارة الجسد .

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة نزار السلامي (5)

ريسان جاسم بعد منتصف الحريق مجموعة شعرية جديدة للشاعر هشام القيسي ، تقتحم الأفق الشعري …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (11)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

هشام القيسي: حفريات كما ينبغي (4)

1 . يوم حطب تتناسخ به برهة لا تأخذ حكمة أينما تحط ينهض موقد هارب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *